الثلاثاء 16 يوليو 2019
كتاب الرأي

عبد الله البقالي: الداخلية مارست ابتزازا حقيقيا في أبشع صوره، وبيانها بئيس رديء، حركته خلفيات سياسية صرفة

عبد الله البقالي: الداخلية مارست ابتزازا حقيقيا في أبشع صوره، وبيانها بئيس رديء، حركته خلفيات سياسية صرفة

طلعت علينا هيئة تسمي نفسها اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة الانتخابات ببلاغ خطير جدا في شأن متابعة مجموعة من المواطنين، قالت إنهم متورطون في أفعال يجرمها القانون ذات علاقة بانتخابات مجلس المستشارين.

أولا نبدأ بالتأكيد أن قضية محاربة الفساد بجميع تلاوينه السياسية والاقتصادية الاجتماعية،لا تصلح موضوعا للمزايدات السياسية، ولذلك فإننا حينما نبدي مجموعة من الملاحظات في شأن هذا البلاغ اليتيم، لا يعني بأي شكل من الأشكال، أننا نحمي الفساد والفاسدين أو نتستر عليهم.

إن البلاغ البئيس والرديء، يخفي من ورائه خلفيات سياسية صرفة، ومصيبتنا في هذه البلاد أن ممارسة العمل السياسي أصبحت جد مكلفة معنويا، فما إن تتخذ موقفا أو تبدي رأيا في السياسة أو في الاقتصاد حتى يفتعلون ضدك قضية، وهذه قاعدة صالحة للهيئات كما للأشخاص، ولذلك لا غرو في أن يكون إصدار هذا البلاغ البئيس مرتبطا أشد الارتباط بانتخابات رئاسة مجلس المستشارين، فحزب الاستقلال الذي بوأته انتخابات مجلس المستشارين المرتبة الأولى، ارتأى في إطار قراءته لهذه النتائج تقديم مرشح عنه لشغل هذه الرئاسة، و جاء الجواب المباشر بإصدار هذا البلاغ الرديء، و لنا أن نلاحظ أنه ركز على أسماء من جهة سوس ماسة، و هي في غالبيتها استقلالية.

ثم إن اللجنة التي أصدرت هذا البلاغ البئيس، تجاوزت اختصاصاتها وصلاحياتها، وتطاولت على اختصاصات القضاء بصفة خاصة، فمتى كانت وزارة الداخلية تصدر بلاغات تتهم أشخاصا باقتراف أفعال ترى هي أن القوانين تجرمها؟ بل وتحرص كل الحرص على ذكر أسماء هؤلاء الأشخاص والمدن التي ينتمون إليها، إننا لم نسمع بهذا من قبل ولنا أن نستحضر الآن أن المصالح التابعة لوزارة الداخلية، تحرص في بلاغاتها التي تصدرها عقب تفكيك عصابات إجرامية أو إرهابية على عدم ذكر أسماء الأشخاص المتورطين فيها، وهكذا لنا أن نستنتج اليوم أن وزارة الداخلية ترى أن الاشتباه في أفعال يعاقب عليها القانون بالنسبة للانتخابات، أكثر خطورة من الجرائم الإرهابية. وحينما نقول إنه ليس من حق وزارة الداخلية ولا من حق وزارة العدل والحريات،إطلاق العنان لقذف الأشخاص بتهم ثقيلة، فإننا نؤكد أن هذا الأمر من اختصاص القضاء، والقضاء وحده.

إن وزارة الداخلية التي أصدرت هذا البلاغ البئيس معنية بالفساد الانتخابي إن وجد، ولنا أن نؤكد اتهامنا الصريح للعديد من المسؤولين الترابيين المتورطين في الفساد الإنتخابي، ولكن لا نملك الحق في التنصت على هواتفهم و لا نقدر على الترامي على اختصاصات القضاء، الذي يبدو في موقف لا يفي بالغرض في هذه القضية – حتى لا نقول أشياء أخرى.

إن وزارة الداخلية التي تظهر شطارتها اليوم في قضية الفساد الانتخابي، ليست قادرة على إظهار نفس الشطارة والشجاعة في ملفات فساد كبيرة و خطيرة، أزكمت روائحها الأنوف مرتبطة بمصالح وزارة الداخلية خصوصا في الأقاليم والعمالات،و لذلك فإنها حينما تفتح فمها اليوم في قضية فساد فإن مصداقيتها لا تنفعها في ذلك – مع كامل الأسف.

قلتها في هذا الركن قبل ست سنوات من الآن، وأكررها اليوم ،وسأظل أكررها، إن انتخابات مجلس المستشارين مبنية على أساس الفساد المالي، ولم يحصل هذا البناء من قبيل الصدفة بل لأن هذه الغرفة وجدت أصلا لاستيعاب المؤثرين في القرار الاقتصادي، وكان عدد منهم في السابق منتفعين انتفاعا مباشرا من الفساد المالي السائد، خلال ظروف معينة، وكان من الطبيعي أن نفهم لماذا يخسر مرشح واحد أكثر من مليار سنتيم لفوز بمقعد لن يسترجع من الأجر المحصل عليه من هذا المقعد واحد في المائة من قيمة ما قدمه كرشاوى لكسب أصوات الناخبين الكبار، ولازال جزء من هذه الحقيقة سائدا إلى الآن – مع كامل الأسف- لذلك نرد على البلاغ البئيس  بالقول إن عمال وولاة وزارة الداخلية يعلمون علم اليقين أن الغالبية الساحقة من الذين ترشحوا لانتخابات مجلس المستشارين سخروا أموالا طائلة للظفر بالمقعد، وأن جزء من هذه الأموال دخلت جيوب العمال والولاة أنفسهم، وهذه حقيقة يعرفها القاصي والداني، ولذاك كان الواجب والقانون يحتمان على النيابة العامة فتح تحقيق في هذه الانتخابات برمتها، لا أن تقتصر وزارتا الداخلية والعدل على تقديم عينة لاقتراف جريمة أخطر، تتمثل في محاولة إضفاء الشرعية والمصداقية على عمل أصله باطل وفاسد.

و أخطر ما اقترفته السلطات الحكومية بمناسبة إصدار هذا البلاغ البئيس، هو تلاوة أسماء الأشخاص المتابعين في وسائل الإعلام العمومية،بل وتلاوة هذه الأسماء في النشرة الرئيسية للقناة الأولى ليلة الأربعاء الماضي، إن السلطات الحكومية مارست بهذا الفعل الشنيع تشهيرا خطيرا بأشخاص، يعترف البلاغ البئيس نفسه بأنهم لازالوا في مرحلة الاتهام، و خطير جدا أن تخرق وزارة العدل والحريات الوصية على ضمان شروط المحاكمة العادلة وصيانة الحقوق، مبدأ قرينة البراءة المقدس، لا يذكر المغاربة أن في زمن الرصاص شيئا من هذا حصل إلى أن حصل في دستور 2011 الذي قيل إنه من أحسن الدساتير في العالم. فماذا لو قضى القضاء ببراءة المتهمين أو براءة عدد منهم، هل ستعتذر وزارتا العدل و الحريات والداخلية على هذا الخرق؟ و هل سيرتب وزيرا العدل و الداخلية النتائج عن ذلك بإعلان استقالتهما من منصبين استعملا فيهما الشطط في ممارسة السلطة؟

لا جدال في أن وزارة الداخلية مارست ابتزازا حقيقيا، وهذا هو الابتزاز الحقيقي الذي يمارس في أبشع صوره وتجلياته، وعلى كل حال هذه فرصة نؤكد من خلالها أن الطبقة السياسية الوطنية، اعتادت مثل هذه السلوكات الخبيثة والقذرة من أوساط معينة تستخدم الداخلية قفازا في يديها، وهذا ما لم يعد يجدي نفعا.