الاثنين 22 إبريل 2024
كتاب الرأي

السفير عبد القادر زاوي: العالم العربي.. واقع مؤلم ومصير مظلم

السفير عبد القادر زاوي: العالم العربي.. واقع مؤلم ومصير مظلم

تتوالى الاجتماعات دوليا وإقليميا، جماعيا وثنائيا، وتتكثف الاتصالات على كافة المستويات، ويجري تسريب مقترحات حلول هنا وهناك من دون أن يتراءى في الأفق بصيص أمل للخروج من دائرة الاقتتال الأعمى في الساحات العربية المشتعلة، حيث الكلمة العليا لدوي القنابل وما يصاحبه من خطاب الغرائز، وليس لصوت العقل وما يجب أن يفرضه من منطق، بشكل بدأت تتضخم معه كرة اللهب لتقذف بالمنطقة العربية في مجملها وبنسب وسرعات متفاوتة نحو متاهات المجهول غير قادرة على إدراك أي نهاية ترتسم لمصيرها، وماهية مآلات كياناتها.

ولا مراء في أن الصراعات التي تفترس إثنيا وطائفيا ومذهبيا وجهويا كلا من سوريا والعراق وليبيا واليمن، وتصل شظايا نيرانها إلى بقية دول المنطقة بدأت تضع نهاية لأسطورة الدولة الوطنية كما صنعها الغرب، وشرعت تفرض على السكان دون أي مجال للاختيار ضرورة تمجيد هوياتهم الدونية وإعلاء شأنها بالدم والنار إن اقتضى الحال بغية الاحتماء وراءها غير آبهين إن استعانوا في سبيل ذلك بتدخلات خارجية دولية كانت أم إقليمية. تدخلا أضحت هي اللاعب الأساسي في شؤون المنطقة، بإمكانها تأجيج الصراعات أو إخمادها، محركها في ذلك ببساطة تأمين مصالحها أكثر من حماية أتباعها أو أذنابها.

إن قتامة هذه الأوضاع تبين أن العالم العربي في عمق مخاض عسير لن يعود منه كما كان من قبل؛ الأمر الذي دفع العديد من المتابعين إلى الحديث عن بدء تهيئة الأجواء لاتفاقية سايكس بيكو جديدة، بعد أن ثبت أن الحدود المرسومة قبل حوالي القرن من الزمن لم تكن تعكس حقائق تاريخية راسخة أو تعبر عن مجموعات بشرية متجذرة في مناطقها متجانسة فيما بينها ومتمايزة في ذات الوقت عن غيرها في الدول الأخرى بقدر ما عكست توازن النفوذ والمصالح بين القوى الاستعمارية في المنطقة آنذاك، ما أدى إلى انقسام القبيلة والعشيرة الواحدة على أكثر من دولة.

وبمجرد أن هبت ثورات الربيع العربي واحتجاجاته على طول الخريطة العربية حتى تأكد أن ما يتوزع المنطقة ليست دولا بالمفهوم المتعارف عليه عالميا للدولة، وإنما أنظمة سياسية تمثل نخبا مهترئة بعضها من غلاة المذاهب والطوائف والقبائل والجهات وآخرون من خريجي الثكنات والتربيطات المصلحية، قوام العلاقات فيما بينها الشك والريبة وغلبة سوء النية بشكل يتطلب من كل واحد منها التأهب المتواصل عسكريا واستخباراتيا لدرء أي تدخل في شؤونها الداخلية.

وبديهي أن أنظمة يفترسها هاجس أمني كبير بهذا الشكل لم يكن بمستطاعها تشييد مؤسسات دستورية ذات مصداقية وتمثيلية شعبية حقيقية قادرة على الاستمرار. ولهذا وجدت نفسها مرغمة على أن ترسخ بالترغيب أو الترهيب معادلة صفرية مفادها القبول بسيادة الزعيم الملهم الذي اختزلت فيه مؤسسات الدولة ومرجعيتها أو استشراء الفوضى، مغذية غرائز ونزوات وأحقاد هنا وهناك سرعان ما انفجرت في وجهها هي قبل غيرها.

ولم يكن مستغربا أن يستنفر انفجار أوضاع العالم العربي، ومنذ الوهلة الأولى، لانتفاضات شعوبه كافة القوى الدولية والإقليمية التي خشيت أن يكون لتلك الهبات تأثيرات سلبية مباشرة أو غير مباشرة على مصالحها في منطقة تبدو منهكة وخائرة القوى، ولكنها تتحكم في ملتقى جغرافي واستراتيجي بين ثلاث قارات، وتحتوي على أكبر قدر من احتياطيات الطاقة العالمية.

وبطبيعة الحال، فإن هذا الاستنفار أدى في الكثير من الحالات إلى تباين مواقف القوى الدولية والإقليمية وتصادمها سياسيا وإعلاميا من دون أن يفضي إلى مواجهات مباشرة فيما بينها حتى على المستوى الإقليمي، حيث العداء والاحتقان أكبر والتورط أعمق. ولكنه ساهم في تعقيد عمليات التوصل إلى تصورات محددة ومتفق عليها لإنهاء الأزمات، وتمكن من لجم الرغبة والقدرة على ذلك إن كانت هذه القدرة متوفرة.

وبالنظر إلى ضراوة المعارك، والوقائع المتسارعة التغيير في ميادين القتال بين الأطراف المتحاربة محليا وبين الداعمين لها إقليميا يبدو أن الجميع بات على قناعة بأن نهاية الحروب ليست قريبة على الإطلاق، وأن مستقبلا آخر أكثر تشرذما ينتظر المنطقة، التي ستعرف تغيرات جذرية وجوهرية؛ ما دفع  الكل إلى التحسب للأسوأ بالسعي إلى تأمين مجال نفوذه وتحصينه والسعي إن أمكن إلى توسيعه عبر الاستيلاء على المزيد من الأراضي، وعبر إجراء أكثر من فرز اثني وديني ومذهبي بين مكونات المجتمع وفق ما يلائم طبيعة كل ساحة حراك على حدة.

- الدولة العراقية على شفير الهاوية:

إن تطورات الأوضاع في العراق تدلل على أن الفرز بوجهيه المذهبي والإثني قطع أشواطا كبيرة بدأت تتبلور معها على أرض الواقع الكيانات البديلة للدولة العراقية كما تأسست في عشرينيات القرن الماضي، في مقدمتها الكيان الكردي الذي رسخ المقومات الإدارية والاقتصادية لدولته التي يرنو إليها مستقبلا، وانطلق يلتمس لها الاعتراف الدولي بالموازاة مع العمل على توسيع رقعتها الجغرافية من حوالي 15% حاليا من مساحة العراق إلى أزيد من 17% من خلال حسم الأمور ميدانيا وضدا على مقتضيات الدستور الداعية إلى استفتاء في مدينة كركوك الغنية بالنفط، متذرعا بأسبقيته في محاربة داعش، ووقف زحفها الذي كاد أن يصل إلى أربيل عاصمة كردستان نفسها.

ومع أن القوى السياسية الشيعية تزايد بشعارات الوحدة الوطنية على بعضها البعض وعلى المكونات العراقية الأخرى، فإنها تتصرف بنفس طائفي لا تخطئه العين في مناطق الجنوب ذات الأغلبية السكانية الشيعية حيث أكبر آبار النفط والغاز والإطلالة على مياه الخليج، وفي المناطق المختلطة بوسط البلاد في بقعة أرضية تمثل حوالي 45% من مساحة البلاد.

وحسب العديد من المراقبين والمتابعين، فإن هذا النفس الطائفي يتجسد في مجموعة تصرفات، لعل أكثرها دلالة هي :

- الأحداث التي وقعت مؤخرا في حي الأعظمية ببغداد، التي اعتبرت جزءا من مخطط لتهجير سكان الحي من السنة لتوسيع المنطقة الشيعية في حي الكاظمية المجاور.

- السلوك العدواني الذي مارسه عناصر الحشد الشعبي الشيعية المذهب ضد السكان السنة في مدينة تكريت عقب تحريرها من داعش. سلوك يخشى أن يتفاقم الآن في بدء معركة تحرير الرمادي التي بدأت أول مرة تحت شعار طائفي فج ومستفز هو "لبيك يا حسين".

- قيام أمانة بغداد بمنع سكان محافظة الأنبار من اللجوء إلى بغداد ما لم يكن لديهم كفيل هناك؛ الأمر الذي اعتبر منافيا للدستور، وينم عن خشية الأغلبية الشيعية في العاصمة من تكاثر العنصر السني فيها.

- الاتهامات التي كيلت للجيش العراقي بالتقاعس في محاربة داعش، وإفساح المجال لها للاستيلاء على الرمادي والفلوجة وغيرها من حواضر محافظة الأنبار. وهي اتهامات تستقي  مصداقيتها من صدورها عن جهات عسكرية أمريكية واسعة الاطلاع على الأوضاع في العراق.

وأيا تكن التطورات الميدانية في غرب العراق ووسطه، فإن المكون السني هناك لن يتنازل عن مطالبه بإنشاء إقليم فدرالي له على غرار الأكراد، وعن تأسيس حرس وطني من أبنائه الذين يتوفرون على تجربة ناجحة من خلال الصحوات التي أنشأوها في النصف الثاني من الحقبة الأولى للقرن 21 وهزموا بها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بزعامة أبو مصعب الزرقاوي حينها. ويبدو أن إصرار واشنطن على القيام بتسليحهم مباشرة، وعزمها فتح عدد من القواعد العسكرية هناك خير دليل على أن التطورات ستذهب في هذا الاتجاه.

وإذا أضيف إلى هذه التطلعات المذهبية والإثنية استمرار التحديات التي تمثلها داعش التي فضح انتشارها السريع هشاشة الجيوش وتلاشي مؤسسات الدول، فإن العراق يتجه في أحسن التوقعات نحو نظام كونفدرالي تصبح معه السلطة المركزية أضعف حلقة فيه، ومجرد واجهة خارجية. وقد يكون ذلك مقبولا إذا ما أدرك العراقيون أن البديل هو اقتتال لا نهائي وعبثي يأتي على الأخضر واليابس في بلاد الرافدين.

- سوريا الغد بلا أسد ولا أحد:

رغم مواصلة التأكيد على أن أي حل سياسي في سوريا يتطلب التعاطي مع الرئيس بشار الأسد، فإن أصدقاء النظام السوري وخاصة في موسكو باتوا يعترفون قبل أعدائه باستحالة الحسم العسكري لصالحه، استنادا على ما يرونه من انهيار متسارع لوحداته العسكرية في العديد من المناطق لاسيما في شرق البلاد أمام تمدد داعش التي وصلت منطقة تدمر الأثرية؛ وفي الشمال الغربي حيث اكتسحت وحدات جيش الفتح بقيادة جبهة النصرة محافظة إدلب بكاملها وبدأت في تهديد مناطق بالساحل السوري معقل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس بشار الأسد.

وقد ازداد هذا اليقين لدى الروس بعد أن فقد النظام ثكنات اللواء 52 ثاني أكبر ألويته العسكرية في محافظة درعا الجنوبية، مع ما يمثله ذلك من ارتدادات سلبية على خطة تحصين العاصمة دمشق؛ الأمر الذي دفعهم إلى إفهام النظام وحليفته إيران باستحالة استعادة السيطرة الكاملة على التراب السوري وضرورة التخلي عن معادلة الأسد أو لا أحد، خصوصا بعد أن لمسوا تذمرا واسعا ضد النظام حتى لدى طائفته العلوية التي تجاوز عدد قتلاها السبعون ألف منذ بدء الأزمة السورية.

وفي معلومات مصادر دبلوماسية أوروبية، فإن الروس ينصحون النظام بخفض سقف توقعاته والتركيز على تحصين مواقعه في منطقة الساحل وحمص وتأمين تواصل ترابي بينها وبين شمال شرق لبنان في منطقة القلمون وبعلبك الهرمل للتفاوض عند الحاجة من موقع مريح قد يجنب رأسه ورموزه البارزة المتابعة الجنائية الدولية. وهذا ما يفسر استماتة النظام وحليفه حزب الله على استعادة السيطرة المطلقة على منطقة جرود القلمون وتل الكلخ في الحدود بين البلدين لتأمين منفذ حدودي آمن للنظام، الذي فقد السيطرة على باقي معابره الحدودية مع تركيا والأردن والعراق.

وتشي حدة الاقتتال المندلع على أكثر من جبهة بين فصائل وجماعات متعددة بأن العمل جار لرسم خرائط جديدة في سوريا بقوة السلاح التي مكنت داعش من إحكام السيطرة على نصف مساحة البلاد تقريبا الفارغة سكانيا والغنية اقتصاديا، وسمحت لفصائل معارضة أخرى متعددة التوجهات والأهداف (الجيش السوري الحر، جبهة النصرة، أحرار الشام...) بالتحكم فيما يناهز 20% من الأراضي، وللأكراد بتنظيف معظم أراضيهم في أقصى الشمال الشرقي المقدرة بحوالي 5%.

واستنادا على أكثر من مصدر، فإن حوالي 25% من مساحة سوريا هي التي تحت سيطرة نظام بشار الأسد بساكنة تقدر بأزيد من 55% من سكان البلاد. وتشهد هذه المنطقة كغيرها من مناطق البلاد فرزا سكانيا ضخما على خلفيات طائفية وإثنية، يستوي في ذلك ما تحاول القيام به الفصائل المسلحة المتشددة في محافظة إدلب التي كانت مؤخرا مسرح جريمة بشعة ضد جيب لطائفة الدروز الموحدين، وما يقوم به النظام نفسه في مدينة حمص سعيا إلى تأمين أغلبية سكانية علوية فيها، واضعا نصب أعينه السيطرة على مياه نهر العاصي التي تشكل موردا مائيا مهما لمعاقل الطائفة العلوية في شمال غرب البلاد.

إن هذه المعطيات تقف وراء نشاط روسيا في السعي إلى إيجاد حل سياسي للأزمة السورية سواء من خلال دعم لقاءات جنيف أو استضافة لقاءات في موسكو، وذلك رغبة منها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا التي تتجه في ظل تفاقم الصراع نحو الانهيار الشامل، وذلك عكس إيران التي لا تزال تغذي الآمال/ الأوهام في رأس النظام السوري، الذي يلعب دور الشريك لها في مشروعها الإقليمي، إذ يؤمن لها بقاؤه تموقعا مثاليا في خارطة المنطقة كواسطة للعقد بين العراق وتركيا وإسرائيل وشبه الجزيرة العربية وإطلالة على البحر الأبيض المتوسط.

أكثر من ذلك فإن هذا النظام يؤمن لطهران إبقاء الصراع العربي الإسرائيلي مفتوحا باعتباره أساس شرعية نظام الملالي داخليا وأداة تأثير واستقطاب للجموع في المحيط الإقليمي، بما في ذلك جماعات سنية المذهب كحركتي حماس والجهاد الإسلامي، ناهيك عن أنه شكل دائما سندا موثوقا لفكر المقاومة الذي يقوده حزب الله اللبناني في المنطقة كرأس رمح في الإستراتيجية الهجومية لإيران الباحثة دون كلل عن توسيع دائرة إشعاع هلالها الشيعي العتيد.

وفي وضع كهذا تزيده تأجيجا النعرات المذهبية والطائفية والاتهامات التكفيرية المتبادلة في كل مجتمعات المنطقة، فإن الصراع في سوريا وعليها مرشح للتصاعد بشكل قد تصبح معه البلاد عبارة عن إمارات وكانتونات طائفية ومذهبية تدير نفسها بنفسها. تشرذم قد يولد معه ميتا ذلك الحل الذي يطبخ فيما يبدو على نار هادئة روسية أمريكية مسترشدا باتفاقية دايتون الخاصة بالبوسنة والهرسك. وغير خاف على أحد ما يمثله هذا الانهيار من انعكاسات سلبية مزلزلة على المحيط المباشر لسوريا بدءا من لبنان الجالس على فوهة بركان. وآنذاك لن يكون هناك مستقبل في سوريا لا للأسد ولا لأي أحد.

- اليمن: هل تكون صعدة معول انهيار الوحدة؟:

لم يتمكن الخطاب السياسي لكل القوى اليمنية المرتكز على دغدغة العواطف والمشاعر بشأن الوحدة والمواطنة والديمقراطية من أن يخفي حقيقة الصراع الدائر في اليمن الغارق في مستنقع المذهبية والمناطقية، والذي جاء ليعمق أزمة ساحة سياسية متهالكة في الأصل جراء فشل المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام الرئيس علي عبد الله صالح في تأمين مناخ ديمقراطي وإقلاع اقتصادي يحققان طموحات ثورة 2011؛ الأمر الذي فاقم انعدام الثقة بين كافة الأطراف الفاعلة التي سرعان ما استنجدت بانتماءاتها المذهبية والقبلية بدلا من الاحتماء بالوطن.

وفي الوقت الذي كانت الجهود الأممية والإقليمية تبذل بين الفرقاء لتأمين الالتزام بمخرجات الحوار الوطني وتهيئة أجواء تنفيذها قفزت حركة أنصار الله الحوثية بخلفيتها المذهبية (شيعة زيدية) إلى صدارة الأحداث بعد أن تمكنت انطلاقا من معاقلها في محافظة صعدة في الشمال من اجتياح البلاد والوصول إلى صنعاء، عاملة على إزاحة الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته، ضاربة عرض الحائط بكل ما أنجز على ضوء المبادرة الخليجية، فارضة أجندة جديدة لم يخامر أحد الشك في أنها متماهية مع سياسة تمدد إيران في المنطقة، مؤدية دور الفك السفلي من الكماشة التي تريد طهران وضع الدول الخليجية فيها.

لقد كان هذا العامل الأخير السبب الرئيسي في التدخل العسكري الخليجي لإجهاض عملية الإجهاز الحوثي على السلطة في اليمن وتوسيع إشعاع النفوذ الإيراني، ما جعل اليمن يغرق في أتون حرب أهلية متعددة المشاركين فيها ومتباينة الأهداف الباحثين عنها ؛ الأمر الذي ينذر بسقوط البلاد في فوضى شاملة وانقسامها إلى كانتونات منعزلة عن بعضها البعض كل واحدة منها تحت سيطرة مستقلة لجماعات مسلحة.

ويعود ذلك إلى أن الأطراف الرئيسية في الصراع اليمني غير مستعدة الآن لقبول حلول وسطى سواء تعلق الأمر بالشرعية التي يمثلها الرئيس عبد ربه منصور هادي المقيم وحكومته في العاصمة السعودية الرياض أو بجماعة أنصار الله الحوثية المصممة على مواصلة القتال رغم الخسائر التي تلقتها هي وحلفاؤها من ميليشيات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ناهيك عن فرع القاعدة في اليمن، العامل على توسيع مناطق نفوذه في شرق البلاد حول محافظة حضر موت، غير مكترث أصلا بإيجاد حل للأزمة.

إن تعقد الأوضاع الداخلية الغارقة في اقتتال ضاري في المدن والشوارع أيضا، وخاصة تلك المختلطة التركيبة السكانية وذات الرمزية السياسية كعدن وتعز ومأرب والضالع مرفوقة بتشدد المواقف الإقليمية كما يتضح من إصرار إيران وحلفائها بالمنطقة على دعم الميليشيات الحوثية ماديا وعسكريا وإعلاميا من جهة، ومن جهة أخرى حزم عاصفة التحالف العربي على تدمير القوة العسكرية الحوثية ونصرة الشرعية اليمنية، تشي بأن مؤتمر جنيف الذي دعت إليه الأمم المتحدة لحل الأزمة اليمنية لن يكون في مستوى الآمال المعقودة عليه، وذلك لعدة أسباب منها :

- عدم تهيئة الأجواء المناسبة لانعقاد المؤتمر كإعلان هدنة خلال انعقاده أو إعلان وقف شامل لإطلاق النار بدلا من مواصلة الاقتتال ومحاولات التوسع الترابي هنا وهناك، لهذا الطرف أو ذاك.

- تباين رؤى وقراءات الأطراف المعنية الداخلية والقوى الإقليمية المنغمسة في الأزمة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216.

- ذهاب الأطراف كلها إلى جنيف على مضض، وبضغط يختلف بين الخشونة والنعومة من القوى الدولية المعنية بالأزمة اليمنية الراغبة في تسوية قريبة لها.

وإذا أضفنا إلى هذه المعطيات مجتمعة أن أحلام الانفصال والاستقلال في الداخل ولاسيما لدى  الجنوبيين لم تخبو أبدا منذ أن تأرجح بناء الوحدة اليمنية بين الرغبة المشتركة سنة 1990 وبين فرضها بالقوة سنة 1994، وأن تلك الأحلام على اختلاف أحجامها كانت تجد من يسندها ولو في الخفاء فلن نفاجئ إطلاقا بأن يكون الصراع على النفوذ في اليمن مجرد واجهة أخرى لصراع إقليمي أشمل ارتدى طابعا مذهبيا بتغذية من أطماع وطموحات جيواستراتيجية مرتبطة بالرغبات المتباينة المتراوحة بين التموقع في باب المندب وخليج عدن، وبين إيجاد موطئ قدم على المحيط الهندي.

وبما أن هذا الصراع الإقليمي يتفاقم أكثر فأكثر بدل أن يتراجع وتحاصر رقعته، فإن الأزمة اليمنية مرشحة للاستمرار بما تحمله من خسائر بشرية ومادية ومآسي إنسانية واجتماعية ضخمة، واضعة الكيان اليمني نفسه على فوهة التشظي على أسس مذهبية وقبلية ومناطقية قد يصعب جمعها مرة أخرى إلا إذا بدأت خيارات الأطراف كلها تتضاءل أو تتلاشى، وذلك أمر مستبعد في ظل انعدام الثقة بينها، وحجم الثارات التي تحملها ضد بعضها البعض.

- ليبيا: حوار الصخيرات أسير التدخلات:

لا تتردد القوى السياسية الليبية المختلفة عن إعلان تشبثها بالحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات المغربية، مؤكدة أنها ترى فيه نافذة الأمل الوحيدة حاليا لإخراج موطن عمر المختار من أتون حرب أهلية يتضح من ضراوتها وشساعة المساحة التي تدور فيها أنها لن تبقي ولن تذر، إذ أنها تهدد الكيان ولا تستثني البشر والحجر، ناهيك عن تعميق فجوة الكراهية بين مختلف مكونات المجتمع الليبي المناطقية والقبلية.

ولكن هذه القوى هي نفسها التي تبدو لحد الآن غير قادرة ولا راغبة في التخلي عن بعض من أنانياتها ومصالحها للوصول إلى توافق عام سعيا إلى انتشال البلاد من حالة الفشل التي قادت إلى وصول داعش بقوة إلى الساحة الليبية، وتمددها سريعا واستقطابها آلاف المغرر بهم في ليبيا والدول المجاورة، وبعضا من فلول كتائب القذافي ما سهل عليها إعلان تأسيس فرع إفريقي للخلافة المزعومة المعلنة دون أي اعتراف في منطقة الهلال الخصيب بين سوريا والعراق.

ويبدو عجز هذه القوى واضحا في كثرة تعليق جلسات الحوار في الصخيرات تارة بسبب تفجيرات إرهابية وطورا بحجة رفض هذا الطرف أو ذاك لمقترحات الحلول الوسط التي  يطرحها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة برناردينو ليون، الذي اضطر في الآونة الأخيرة إلى التحذير من مغبة هدر النزر اليسير من الفرص المتاحة لإيجاد حل سياسي متوافق عليه.

ورغم النوايا والتصريحات الحسنة التي تصدرها الأطراف الليبية المنغمسة في الحوار، والدعم الذي تبديه العديد من الأطراف الدولية والإقليمية للجهود الأممية، فإن أي بارقة أمل من النجاح لم تلح بعد، ناهيك عن أن يظهر الدخان الأبيض من مدخنة الصخيرات. ومن المستبعد أن يحصل ذلك في المدى القريب لعوامل متعددة داخلية ودولية وبصفة خاصة إقليمية :

- داخليا: يمثل المؤتمرون في الصخيرات مؤسسات تطعن في شرعية بعضها البعض، وتتمسك كل واحدة منها بأحقيتها في احتكار التمثيلية الشعبية استنادا على الاعتراف الدولي بإحداها وعلى الأمر الواقع والتواجد في العاصمة بالنسبة للثانية، وذلك على الرغم من أنه لم يعد للكثير منها أي تأثير يذكر على المستوى الجماهيري، فيما معظمها يأتمر بأوامر تعليمات أمراء الحرب على الأرض أو يضطر في أحسن الحالات إلى مراعاة مواقفهم لاعتبارات أمنية وربما معيشية أيضا.

هذه الحقيقة تعكسها جليا التقلبات المسجلة على مواقف هؤلاء المفاوضين من المقترحات التي تعرض عليهم، وسرعة إعلان الانسحاب من الاجتماعات فور تلقي التعليمات، علما بأن هذه المؤسسات هي التي منحت في البداية الغطاء السياسي لأمراء الحرب وميليشياتهم العسكرية، وسعت إلى توظيفهم في سياق نزاعاتها على السلطة المتدثرة بادعاء البحث عن المصلحة الوطنية.

- دوليا: رغم وجود مبعوث للأمم المتحدة يشهد له الجميع بالكفاءة والنشاط والفعالية، يشعر العديد من المراقبين بأنه غير مدعوم بما فيه الكفاية من مجلس الأمن الدولي والقوى العظمى في المجتمع الدولي، التي لا يهم بعضها كالاتحاد الأوروبي سوى مسألة وقف تدفق الهجرة غير الشرعية إليها انطلاقا من السواحل الليبية، التي لم تتردد إيطاليا في اعتبارها ضمن مجال نفوذ أمنها القومي، وبدأت تستحث شركاءها في الإقدام على عمل عسكري ضد مافيات الاتجار بالبشر تماما كما كان الوضع أثناء التدخل ضد نظام العقيد القذافي بغطاء مجلس الأمن وقوات حلف الشمال الأطلسي.

وما يزيد من صعوبة مهمة السيد برناردينو ليون هي الاتهامات التي توجهها إليه الأطراف الليبية المتعاملة معه من قبيل الادعاء باعتماده على الغموض والعمومية في الخطوات والمواقف لضمان حضور جميع القوى المعنية، وعدم توضيح المسارات والمرجعيات لما يزمع طرحه من مشاريع للاتفاقيات والتسويات المنتظرة.

- إقليميا: فرض الوضع الجغرافي لليبيا وسط شمال القارة الإفريقية بامتداد عميق في منطقة الصحراء الكبرى اهتماما إقليميا أكبر بالمأساة التي تعيشها البلاد، لاسيما في وجود ارتباطات بشرية ومصالح اقتصادية واجتماعية لها مع الدول المعنية، التي انطلقت إلى التعامل مع الأزمة الليبية حتى قبل سقوط نظام القذافي درءا لأي انعكاسات سلبية قد تصيبها.

وقد كان هاجس الإرهاب وامتداداته هو القاسم المشترك لهذه الدول التي انتظمت في إطار منتدى دول الجوار الليبي من دون تحقيق نجاح يذكر على صعيد وضع الأزمة على سكة الحل. ومع ذلك فقد أتاح لها المبعوث الأممي فرصة مساعدة جهوده حينما بارك بعض اللقاءات الليبية التي استضافتها عواصم دول الجوار، وأبرزها لقاء القبائل في القاهرة، ولقاء الأحزاب في الجزائر، ولقاء رؤساء البلديات الذي انتقل من بروكسيل إلى تونس.

غير أن التطورات أوضحت أن المساعدة الإقليمية التي يبحث عنها المبعوث الأممي قد لا يجدها إن لم يجد عراقيل تنصب بذكاء في طريقه، خاصة وأن الأمر يتعلق بدول تعيش احتقانا اجتماعيا يخشى انفجاره في أي وقت وبعضها لم يخرج بعد من مرحلة الاضطراب الانتقالية التي تلت ربيعه، وما زال أمنه هشا ومهددا. ولهذا غير مستغرب أن تتباين وتتضارب مواقف دول الجوار من الأزمة الليبية في العديد من الأحيان، وذلك كما يلي :

- لم تتورع مصر في استخدام القوة العسكرية في العمق الليبي ضد تنظيم داعش وبعض فلول ميليشيات فجر ليبيا بعد المجزرة الرهيبة ضد مواطنيها الأقباط. ولم يكن وازع ذلك التدخل العسكري الذي لم تتمكن من جر أطراف دولية وعربية إليه هو الانتقام فقط، وإنما جاء متماشيا مع سعيها بدعم دول خليجية إلى منع أي مشاركة للقوى الإسلامية المحسوبة على تنظيم الإخوان المسلمين (حزب العدالة والبناء) في صنع مستقبل ليبيا بما يعطي نفوذا ولو رمزيا لتركيا.

- خلافا لذلك، فإن تونس تسعى لتسويق نموذجها الديمقراطي السلمي في ليبيا، وترى في التيارات الإسلامية المعتدلة حليفا يعتد به ويمكن العمل معه للتضييق على انتشار الحركات الإرهابية وتطويق مناطق نفوذها، وسحب المشروعية الدينية والشعبية منها، يستوي في ذلك حزب نداء تونس وشريكه في السلطة حزب النهضة الإسلامي أيضا.

- وفي موقف أكثر تفردا ترفض الجزائر أي تدخل عسكري أجنبي في ليبيا وتتعامل مع معطيات الواقع الليبي كما هي من دون اتخاذ مواقف مدينة بصراحة لهذا الطرف أو ذاك، متذرعة بصعوبة فرض حلول مستوردة أو ضد رغبة بعض الأطراف، التي لا مانع في استمرار اقتتالها إذا كان يمثل عبرة لمن كان يفكر في مغامرة مماثلة.

إن عوامل التقاعس النسبي الدولي، وتباين المواقف الإقليمية الضيقة الرؤية وضعف القوى السياسية المنتخبة داخليا مضافة إلى ظهور داعش واستعراض القوة الكبير الذي أظهرته باكتساح مناطق شاسعة واستراتيجية، تسمح بالتماس الأعذار للعديد من القوى الليبية السياسية والقبلية والميليشياوية أيضا في تمترسها خلف الكانتونات التي أقامتها؛ الأمر الذي قد يفرض تقسيما واقعيا تسقط معه ليبيا في هوة سحيقة من الفشل والتشرذم تغدو معها العودة إلى فدرالية أقاليم طرابلس وبرقة وفزان حلما بعيد المنال يأتي بعد قرون من الزمان ليكذب هيرودوت، الذي ادعى ذات يوم أن من ليبيا يأتي الجديد. فهل يحفظ الشعب الليبي لهيرودوت مصداقية مقولته؟

- خاتمة:

كان الاعتقاد السائد قبل ثورات الربيع العربي أن تجزئة سايكس بيكو للمشرق العربي والحدود المرسومة استعماريا بين معظم الدول العربية الأخرى قد ترسخت وصارت معطى ثابتا لدرجة أن هذه التجزئة وذلك الرسم قد تمكنا بالسيادات التي تبلورت والتشبث المهووس بها من طرف الأنظمة شل أي محاولة جادة لتجاوزها في الواقع بالاتحاد أو الوحدة، وفرضت على هذه المحاولات اللجوء إلى تبني أطر واهية وشكلية (جامعة الدول العربية والاتحادات والمجالس الجهوية..) ظهر سريعا ضعفها، بل وفارق بعضها الحياة من دون أن يوجد من لديه الشجاعة ليواريها الثرى.

وكما تابعنا في بعض الساحات الملتهبة، فإن تفاقم التطورات الجارية سيدفع العرب إلى التباكي وإبداء الندم على خرائط سايكس بيكو وغيرها من الترسيمات الاستعمارية رغم هشاشتها والطابع الاصطناعي الذي ميزها، نادمين على عدم تضمين ميثاق جامعتهم مبدأ قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار على غرار ما فعلت منظمة الوحدة الإفريقية ورسخه وريثها الاتحاد الإفريقي.

إن هذه التطورات المكثفة والمتسارعة مفتوحة على احتمالين اثنين تتسارع الخطوات فيهما بشكل متزامن أملا في تغليب أحدهما على الآخر :

- احتمال التوحيد القسري المرتكز على إلغاء الكيانات والحدود وابتداع أخرى جديدة أبرزها ما تقوم به داعش، التي أحيت مرة أخرى مفهوم الخلافة الإسلامية، وألغت الحدود حيثما تواجدت بين العراق وسوريا، فاتحة إيالات ترابية تابعة لها في ليبيا، ومشكلة تنظيمات مسلحة لذات الغرض في كل من مصر وتونس والجزائر ولبنان، إضافة إلى تبني عمليات إرهابية كمقدمة لزرع موطئ قدم إن أمكن في المملكة العربية السعودية حيث أعلنت مسؤوليتها عن أحداث القطيف والدمام.

- احتمال التفتيت الممنهج للكيانات الراهنة على أساس فرز طائفي ومذهبي وإثني يفضي إلى تأسيس دويلات وإمارات للطوائف والعشائر تحاول بعض مؤسسات البحث الغربية تسويق نجاعتها من حيث أن قوة التجانس المجتمعي فيها كفيلة بتوفير الأمن والاستقرار الضروريين للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الناجحة، ضاربين المثل بدول صغيرة حققت بسرعة قياسية تنمية شاملة كسنغفورة وكوستاريكا.

وبما أن الاحتمال الأول مرفوض محليا ودوليا، وتجري محاربته بلا هوادة، فإن هناك من يستغله لتغليب وترجيح تبلور الاحتمال الثاني، الذي يبرهن التوجه نحوه على فشل الدولة الوطنية العربية في بناء مؤسسات ديمقراطية ذات مصداقية تحترم حقوق الإنسان وتوفر الأمن والاستقرار، وترسي العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص بشكل غدت معه أهم أوراق القوة العربية وهي التنوع الديني والإثني والثقافي عنصر ضغط عليها وعامل تفجير لها بسبب سيادة الجهل والرغبة في الاستئثار بالسلطة والثروة، والأنانية والمزاجية في اتخاذ القرار والانتصار للولاءات مقابل تهميش الكفاءات التي انزوت أو هاجرت.

 وفي مثل هذا الوضع المستشري من الماء إلى الماء بدرجات متفاوتة، فإن مصير الجميع مظلم، لاسيما وهو يرتكز إلى واقع مرير ومؤلم.