السبت 18 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

عبد السلام بوطيب: Podemos مغربيا

عبد السلام بوطيب: Podemos مغربيا

لغويا تعني كلمة "بوديموس" بالإسبانية "قادرون" باللغة العربية، و"نزما"، من "ذزمة"، بأمازيغية أهل الريف. و"بوديموس" هو الاسم الذي أخذته تنسيقية إسبانية تعمل ببرنامج اليسار الاجتماعي، وتعلن نفسها ضد كل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي الذي ينخر الجارة الشمالية، بالرغم من أن إسبانيا نموذج ناجح إلى حد ما في ممارسة الديمقراطية، كلعبة سياسية، وليس كثقافة سياسية و مجتمعية.

تاريخ 17 يناير 2014 أصبحت تنسيقية "بوديموس" حزبا سياسيا معترفا به، يقوده دكتور العلوم السياسية وبابلو إغليسياس. ويعتبر بوديموس حزبا إصلاحيًا عكس ما يضن البعض ويروج له كونه حزبا يساريًا راديكاليًا، بالرغم من أن قياداته السياسية غالبها من اليسار المناهض للرأسمالية بشكل عام. ويريدون حل مشاكل بلادهم بما يضمن كرامة الناس ويصون حريتهم الفردية والجماعية ويعمق حقوقهم الاساسية، ويفتح لهم آفاق التفكير المتعدد المشدود إلى المستقبل وليس إلى الماضي، ويبيح لهم الإيمان بالرب الذي أرادوه أو الكفر به، والاستمتاع بالجسد والتحكم فيه، والتشبث بكل ما يضمن عيش الإنسان على إيقاع إنسانيته مما يتيح لهم نبذ العنف، الفردي أو الجماعي، أينما انفجر، ومتابعة مرتكبيه وفق ما أجمعت عليه الإنسانية من قوانين تحتكم إلى ضمان كرامة الناس وجميع حقوقهم التي كانت في الأصل حاجيات لهم. وهم لا يختلفون عن كل أطياف اليسار الحالي إلا بالقول "أن اليسار واليمين وما يدور في فلكهما غارق في ملفات الفساد السياسي والمالي مما يهين الديمقراطية في بلدهم، ولا يسمح للإسبان قطف ثمارها".

بعد أربعة أشهر من تشكيلها، خاضت بوديموس الانتخابات الأوروبية عام 2014، حققت فيها خمسة مقاعد (من أصل 54) أي 7.98٪ من الأصوات، مما جعلها القوة الرابعة في إسبانيا. وقبل أمس نجحت "بوديموس" في خلق الحدث السياسي الأبرز في إسبانيا بتقدمها -حسب استطلاع للرأي- على جميع الفرقاء السياسيين، مما ينبئ بإمكانية تسييرها لدواليب الدولة عقب الانتخابات المقبلة، خاصة وأن على يمينها نمت حركة أخرى ذات توجه يميني قاعدي "سيودادانوس" أي مواطنون، من المؤكد أنها ستضعف كثيرا الحزب الشعبي اليميني المتربع اليوم على عرش الحكومة المركزية في مدريد العاصمة.

هل سمعتم مثقفا إسبانيا رفع صوته بالقول أن بوديموس "بنية موازية للدولة"؟  لا...

هل سمعتم أحدا يؤلب "من يجيد السمع" في إسبانيا على "بوديموس" أو حتى على "سيودادانوس؟ لا .

كل ما سمعناه جميعا، وتتبعناه خلال الأسابيع الماضية، عقب إعلان نتائج الاستطلاع، نقاش هادئ بين جميع الفرقاء السياسيين الإسبان، يحللون أسباب بروز نجم "بوديموس"، ويحاول البعض منهم -والارتباك بادي على محياهم- إقناع الشعب الاسباني بأن الأمر سحابة صيف مرتبط بالأزمة المالية-الاجتماعية التي تعيشها إسبانيا منذ أزيد من عشر سنوات، والتي كادت أن تعصف بالدولة الإسبانية وتلغي وجودها. ورغم هذه التطمينات، فالجميع مقتنع بأن الخلل عميق جدا، ويتطلب تحليلا أعمق، وإجراءات شجاعة غير مسبوقة.. فتاريخ اسبانيا يريد -لأسباب تتعلق بتكون الدولة الاسبانية نفسها، وبطبيعة نخبها السياسية وثقافتهم- إعادة نفسه بشكل دوري، دون أن ينتبه السياسيون إلى الأمر إلا بعد فوات الأوان.. أو لأن الأمر أقوى منهم جميعا، ويتطلب منهم انسيابية، وانفتاحا وتسامحا أكثر في التعامل مع قضاياهم  الداخلية.

مغربيا، أثارت تجربة "بوديموس" لعاب الكثير من هواة السياسة واصطياد فرص الارتقاء السياسي والاجتماعي، حتى ممن لا يتقاسمون و"بوديموس" همومها الحقوقية والاجتماعية، ولم يقف الأمر عند حد الإعجاب فقط، بل منهم من ذهب إلى حدود التفكير في استيراد الفكرة، والاشتغال بها وعليها، بغية تأسيس "دكان" سياسي آخر هنا، دون أن ينتبهوا إلى شرط السياق السياسي لظهور "بوديموس" ونموه ووصوله في شهر يناير من السنة الماضية إلى تأسيس حزب سياسي، و دون حتى أن يعرفوا أي شيء عن التربة السياسية الأسبانية التي أنبتت "بوديموس، وأنبتت على يمينها "سيودادانوس". ولعل هذا الطمع هو الذي أعمى هؤلاء وآخرون عن النظر إلى الواقع السياسي المحلي للنظر ما إذا كان في المشهد السياسي المغربي ما يشبه حزب "بوديموس" ويتقاطع مع أهدافه أم لا.. مما يعطي لنا شرعية طرح الأسئلة الآتية :ألا يوجد بيننا، في هذا البلد، من قال بكل هذا حتى ننخرط معه دون أن نفكر في استيراد فكرة غريبة عن تربتنا؟ ألم تولد في هذا البلد حركة كثفت مطالب الحركية الحقوقية المغربية ومطالب الحداثيين والتقدميين المغاربة التي أصدرتها هيئة الإنصاف والمصالحة عبارة عن توصيات، وحولتها فيما بعد إلى برنامج سياسي قبل حتى أن تكون "بوديموس" نفطة فكرية؟

نعم، فالمتتبع المبتدئ للمشهد السياسي المغربي سيلاحظ أن أدبيات "الأصالة والمعاصرة" تتقاطع -في الجوهر- إلى حد كبير، مع طروحات حزب "بوديموس"، دون أن يكون في الأمر إسقاط أو محاولة استيراد أفكار جاهزة، ما حدث هو أن "مثقفينا" لم يلعبوا دور "إثارة انتباه الناس إلى جوهر الأشياء ودفعهم إلى فهم سياقاتها"، و حكموا على أنفسهم بالبقاء في قوقعة مناصر هذا، أو مهاجم على ذاك.. من هنا أستحضر إحدى خلاصات مقالي السابق المعنون ب "الشجاعة السياسية"، والتأكيد على أن دور المثقف ليس هو تأليب الدولة على طرف سياسي لصالح آخر، بل إن دور المثقف هو استيعاب "كنه اللحظات السياسية المؤسسة للمستقبل"، ودفع الناس إلى استغلالها لما فيه صالح البناء الديمقراطي الذي هو الطريق الوحيد لحماية الدولة والمجتمع من قيام أية بنية موازية لها.

ولعل مرد ذلك يرجع إلى، وهنا أستحضر خلاصة ثانية لنفس المقال، أن جل مثقفينا لم يستوعبوا كنه لحظة الإنصاف والمصالحة، ولم يتناولوها بالعمق الضروري، ولم يستوعبوا -عن جهل بمناهج العدالة  الانتقالية- كيف يمكن لمسلسل المصالحة أن ينتهي إلى بروز حزب سياسي يكون من مهامه تكثيف مطالب الانتقال والمساهمة فيه. و يتعلق الأمر هنا بسكوت مثقفين كثر -لهذا السبب أو آخر، شرحت جلها في المقال السابق- عن هجومات تلقاها بعض المجتهدون منا، ممن أخذوا على عاتقهم التفاعل الإيجابي مع مسلسل المصالحة ببلادنا، وتأسيس "بوديموس" على إيقاع تاريخنا وأحلامنا .

 

من هنا، وما دمت من داعمي معركة "بوديموس" على الطريقة الإسبانية أو البرازيلية أو الإفريقية الجنوبية أو غيرها من الأمم التي أنجبت نساء ورجالا همهم بناء الأوطان التي تتسع للجميع، أن  معركتنا اليوم التي يجب أن نخوضها، ليس فقط في  حزب الأصالة والمعاصرة، ذو النفس النضالي الشبيه بنفس بوديموس الإسباني، بل في كل الأحزاب التواقة إلى المستقبل، اليمينية منها واليسارية، هي العمل -وهنا أستحضر خلاصة ثالثة- للعودة إلى أجواء ما بعد صدور توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وتجاوز ما تسببته لنا أجواء "الربيع العربي" السيء الذكر من تخلف عن مسارنا الطبيعي لبناء الديمقراطية والمغرب المتسع للجميع، والتعبير عن جوهر معركة "بوديموس" مغربيا التي بدأت مع بداية مسلسل الإنصاف والمصالحة أو قبله بقليل.