السبت 18 مايو 2024
كتاب الرأي

محمد المرابط: المدخل الديني في مناهضة المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي

 
 
محمد المرابط: المدخل الديني في مناهضة المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي

اقتصرنا في مقالنا السابق "مشروع ميجي مغرب الغد والدولة العميقة لبنكيران"، والذي نشرته أسبوعية "الوطن الآن" 12/3/2015 ضمن ملف: "بنكيران يدك دولة الدستور لبناء دولة الإخوان العميقة"، على المدخل السياسي في مناهضة المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي، على أن نخصص هذه الحلقة للمدخل الديني في هذه المناهضة.

الموضوع مطروح بين حدين، الثاني تمثله تلاوة آيات الحاكمية من سورة المائدة، في حفل إحياء ليلة المولد النبوي السنة المنصرمة، والأول يمثله اعتداء الأستاذ أحمد الريسوني على أهلية أمير المؤمنين الدينية. وما بينهما مسلسل من التراجعات يبدو معها أن ضغط المخطط الأصولي يؤتي أكله جيدا. خصصت للحد الثاني ثلاث حلقات بـ "الأحداث المغربية": "مطلب الاجتهاد في ظل مأزق الحاكمية" 5/2/2014، و"الأمور العامة في الدين من نظر أمير المؤمنين" 15/2/2014، و"بدعة القول بالظاهر ولحن الخطاب الأصولي"، 23/2/2014 جاء في خاتمته: "إن مخاطر هذا الإرضاء الواعي للأصولية، تظهر أن الاختباء وراء ظواهر الآيات خارج سياقها، والاختباء وراء المقام، يعبر عن عطب عميق في بنية المؤسسة العلمية، من خلال توجيه هذه الرسائل المغلوطة للوجود السياسي والديني والحقوقي في البلاد. لقد كان الأمر ببساطة، وجها آخر من إعمال معاول الهدم الداخلي لعمق التعاقدات، ولقواعد البيت في هذا البلد الأمين، فعن أي إصلاح يمكن الحديث في الحقل الديني؟".

أما الحد الأول فقرأناه ضمن مقال "أولوية ترشيد أصولية المخزن"، بـ "الأحداث المغربية" 23/5/2003، برؤية تركيبية، جاء فيه: "إن ما حصل في الدار البيضاء 16/5/2003 من اعتداءات همجية بعد عيد المولد النبوي، الذي برزت فيه جيدا مظاهر الاحتفاء هذا العام، وما حصل قبله من اعتداء الأستاذ أحمد الريسوني، عبر حوار "أوجوردوي لوماروك" 12/5/2003، على أهلية جلالة الملك لإمارة المؤمنين، يُظهر أن المغرب مستهدف في تنميته ومؤسساته  وصياغته الدينية. ما حصل قبل العيد وبعده يتكامل ضد موقف أمير المؤمنين الرافض لوصاية الخوارج على ضمير الأمة، والرافض كذلك للإرهاب..".

واستحضارا لهذا الاعتداء المزدوج ومتطلبات التجاوز، كتبنا بنفس المنبر 18/7/2003: "من صلاحيات أمير المؤمنين، تخصيص النصوص الشرعية"، أكدنا فيه "أن السلطان بدون علماء. وهذه حقيقة ينبغي التعامل معها بكل مسؤولية، لإنقاذ المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي لأمير المؤمنين من داء العطب".

واستحضارا أيضا لهذا المدى، وحاجة المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي إلى الاجتهاد للتمكين له في الأرض، بمناسبة "بلوغ أمير المؤمنين بالتقويم الهجري أربعين سنة"، كتبنا بنفس المنبر 25/7/2003، "رمزية زمن النبوة، وتفعيل الثوابت الوطنية". وفي هذا السياق جاء خطاب العرش 2003، وبمحتواه الحاسم في الشق الديني.

ما بين هذين الحدين حصلت تراكمات على درب الالتفاف على هذا المشروع بثلاثة أبعاد:

1- الأول تولاه الأستاذ أحمد التوفيق على مستويين:

أ‌- موقفه الرافض للحداثة بدأ في التبلور ابتداء من تجاهله الإشارة إلى المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي في درسه حول تدبير العلاقة بين الدين والسياسة في أكتوبر 2004. وقد انتبهنا إلى ذلك في "الأحداث المغربية" 13/4/2005، من خلال مقال: "المقاربة المندمجة لمفهوم العقيدة"، ليكتمل لاحقا حكما ومبنى. وهذا الموقف كان موضوع قراءة للزميل عبد الكبير اخشيشن في "الأحداث المغربية "5/1/2013، تحت عنوان: "أمام مسارات قتل الحداثة وموت الإديولوجيا، أي أفق لهيكلة الحقل الديني؟!". جاء فيه: "موقف الأستاذ الراضي (الحداثة ليست هي الزندقة..)، يحيلنا على مرحلة المد الإصلاحي في بداية العهد الجديد، حيث كان حديث جلالة الملك عن المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي، وهو المشروع الذي سرعان ما اختفى من معجم التداول الرسمي، بمجرد ما إن تحفظ الوزير التوفيق على مصطلح الحداثة في حواره مع "الأيام"، إلى أن وصل الأمر حد التشكيك في عقيدة أصحاب هذا المصطلح، في أول درس رمضاني في عهد الحكومة الملتحية". ومن بين خلاصات هذا التحليل: "وبهذا يكون توصيف التوفيق قد قزم من مشمولات إمارة المؤمنين، بحيث أقصى الأحزاب الديمقراطية منها، وجعل هذه الأحزاب تمثل أقلية الشعب المغربي".

ب‌- موقفه الملتبس من الوحدة الذهبية للبلاد، بتصريحه في البرلمان فيما أذكر على عهد الحكومة الملتحية، بما مفاده عدم ممانعته من التعدد المذهبي في البلاد. وهذا الموقف كان موضع تعليق في "الأحداث المغربية"، التي ذكرته بأن مهمته الوظيفية هي الحفاظ على الوحدة المذهبية، أما النقاش في هذا الجانب فله مداخل أخرى.

2- الثاني، فتولاه المجلس العلمي الأعلى، من خلال ثلاثة مستويات:

أ‌- طبيعة علاقة العلماء بأمير المؤمنين: حيث يتم التغافل عن بسط وظيفة العلماء من داخل مرجعية إمارة المؤمنين، إلى تكريس هيمنة معينة تضع أمير المؤمنين خارج الحقل الديني. ولعل هذا الأمر ما يفسر حديث برقيات ولاء المجلس العلمي الأعلى، على مبدأ تعاون العلماء مع أولي الأمر. وهذا المنزع يسقط على الحالة المغربية نموذج العربية السعودية حيث السلطة الدينية للوهابية، والسياسية لآل سعود. وهذا ما يفسر كذلك التحالف الحاصل مع الأصولية أثناء النقاش حول الوثيقة الدستورية، بخصوص مطلبها بـ "دسترة المجلس العلمي الأعلى بمضمون الإشراف الأسمي على هذا المجلس، على أن يحتكر العلماء وظيفته الحصرية"، على نحو ما بسطته في مقال: "الديمقراطية والحداثة، في ضرورة فصل الدين عن السياسة" بـ "الاتحاد الاشتراكي" 21/12/2013.

ب‌- موقف المجلس العلمي الأعلى من خطاب 9 مارس 2011، حيث قلنا في مقالنا المشار إليه: "مقترح الاتحاد الاشتراكي بخصوص تفكيك الفصل 19 من الدستور السابق إلى حقلي الملك والإمارة، وسمو المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، قد حمل المجلس العلمي الأعلى على إصدار بيان سياسي مارس فيه الوصاية على أمير المؤمنين والأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية والشبابية. وتمثل فيه الإمامة العظمى من منطلق السياسة الشرعية للكتابات الأصولية، وليس من منطلق تراكم الكتابات السياسية والمناقب والأحكام السلطانية في تراثنا السياسي". ومن بين الانتقادات الواسعة لهذا البيان "ما قاله الأستاذ محمد حفيظ من كون المجلس العلمي الأعلى قد أنجز قراءة رجعية لخطاب 9 مارس 2011". كما قلنا باسمنا الورياغلي في مقال "العلماء والإصلاح الدستوري"،بـ "الاتحاد الاشتراكي" 6/4/2011: "كل هذا يضعنا أمام ظلال معاني -وخريطة هيمنة الخوارج على تفاصيل الحقل الديني ماثلة أمام أعيننا- يوم أسقط فيه المحافظون وباسم البيعة سلطانا راودته فكرة الديمقراطية في وقته، إنه السلطان مولاي عبد العزيز". كان ذلك في مطلع القرن الماضي، ونحن اليوم أمام سلطان راودته فكرة الحداثة في مطلع القرن الحالي، فاصطف الطيف الأصولي، من خلال المؤسسات الرسمية لإحكام الوصاية عليه!

ج- مقاطعة هذا المجلس، التواجد في المجلس الوطني لحقوق الإنسان. وكانت هذه أولى تجليات دسترته، وضعتنا أسبوعية "الحياة الجديدة"، وهي تنشر نص رسالة الأستاذ محمد يسف أمام مفارقة عجيبة: مجلس يرأسه أمير المؤمنين يقاطع مجلسا أنشأه الملك. لكن النقاش العمومي سيحمل المجلس العلمي الأعلى على جادة الصواب.

3- الثالث، تتولاه وزارة الأوقاف والمجلس العلمي الأعلى معا، بجعل حقل إمارة المؤمنين مجالا حيويا للأصولية، مع إقصاء الديمقراطيين منه، وتوجيه وظيفة هذا الحقل ضد الوجود السياسي والحقوقي للقوي الديمقراطية. وهذا ما سنفرد له حلقة لاحقة.

وتبقى الخلاصة الأولية -أمام هذا المساس بالمرجعية وقضايا الأمة الحيوية والمكونات الوطنية الديمقراطية- بصيغة هذا السؤال: ألا يمس كل هذا بصورة الملك الإصلاحية؟