السبت 18 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

مبارك حسني: المركز السينمائي المغربي والمدير الجديد

مبارك حسني: المركز السينمائي المغربي والمدير الجديد

ليس هذا المركز أي مؤسسة عمومية، وبالتالي فتسييره ليس من قبيل المعطى السهل الذي يخضع لضوابط إدارية معروفة في الهيئات العمومية للدول. لسبب بسيط هو أنه أساسا ذو صبغة ثقافية، وكل ما هو ثقافي في مجتمعاتنا يرتبط بخيارات البلد الرمزية المشيدة له ككيان، من دين وتاريخ وأسس نظام حكم. وحين يتعلق الأمر بمجال ثقافي هو فن جماهيري بالأساس، وعماده الصورة التي تقول كل شيء وتبوح بكل شيء من دون توفر شرط التعلم بالضرورة كوسيلة لمراودته والتعلق به، فذلك مما  يستوجب الكثير من الروية وحس المسؤولية.

ومن مهام المركز السينمائي المغربي طبعا تقنين كل مناحي السينما والسهر على إنتاجها وترويجها اقتصاديا، لكن أيضا مراعاة توافق السينما والبلد ثم والإبداع. وبالتالي فيفترض في مديره الكثير من الإلمام والكثير من الشخصية، والكثير من الحظوة في المجال السينمائي وأيضا في الدوائر المسيرة للبلد.  ومن دون الدخول في تفاصيل هي من قبيل ما يقال وينشر كثيرا، فمدير المركز السينمائي المغربي يجب أن يكون شخصية مؤثرة بشكل كبير.

عرف المركز مدراء سابقين، وكل مدير بصم مروره على رأسه بما قد أنجزه، بتوافق مع تطور الممارسة السينمائية المغربية  خلال الخمسين سنة السابقة. فالفن السابع في المغرب تنامى تدريجيا وعرف الكثير من التغيرات الإيجابية عموما، على مستوى سن القوانين المسيرة والأنظمة المشكل لكل قسم من أقسامه المعروفة والتي يمكن قياسها على مجالات الفن السابع المعروفة من إنتاج وإخراج وتوزيع واستهلاك  كما بشروط الممارسة وشروط العرض والعلاقات مع السينماتوغرافيات الخارجية.

ويكفي الاطلاع على تاريخ المؤسسة للتأكد من أن السينما في كل فترة من فتراتها ارتبطت كثيرا بالمسئول الأول عنها. لكن فترة إدارة المخرج المعروف سهيل بنبركة صاحب رائعة "أموك" العالمية  وفترة إدارة الناقد السينمائي المعروف نور الدين الصايل المثقف القادم من الفلسفة والسينفيلي الذي تشرب الفن من الفكر والممارسة معا، هما أخصب الفترات وأشدها جذبا وجدالا وتنويعا وإسهاما في تبوئ المنتوج السينمائي المغربي مكانة محترمة بغض النظر عن المستوى والنتائج.

وهذه الخصوبة لا تتجلى أساسا في زيادة عدد الأفلام التي أصبح المغرب ينتجها والتي وصل عددها إلى ما يفوق العشرين بالنصف، ولا في اعتبار السينما مجال تشغيل ومجال استثمار ومجال جلب الإنتاجات العالمية فقط. بل هي تتبدى في كونها ساهمت في خلق صورة عن البلد توازي ما يعتمل فيه من حركية  في المجالات السياسية والاجتماعية والإقتصادية والثقافية والحقوقية وغيرها. أي أنها منحت العالم مغربا جديدا، مغرب العهد الجديد بكل ما أتى به  من تغير إيجابي كبير معترف به.

فليس خافيا أن السينما شأن كبير ويتمتع بوجود إرادة عليا تسهر عليها، لأنها بكل بساطة واجهة الحداثة بامتياز. ولقد قام  المركز السينمائي بدور كبير في جعل السينما البؤرة الحية القوية للثقافة المغربية.  وليس خافيا أن وجود نور الدين الصايل ساهم كثيرا في ذلك بما للرجل من القدرة القوية على الإقناع وهي الفضيلة التي تظل حاضرة في المحصلة.

لكل هذه الأسباب،عرف تعيين المدير الجديد للمركز السينمائي فترة انتظار حبلت بالكثير من الأسئلة والتكهنات والتقديرات والترشيحات، كما أسالت الكثير من المداد ومن القول والردود. ما بين من يخاف على مآل سينما ناشئة في كل الأحوال ومرتبطة أصلا بالدعم العمومي وليس بمساهمة المال الخاص، وبين من يود تجديدا ودماء أخرى وتصورا آخر للتسيير. في النقاش، طفا الوجه الحداثي للسينما ومجال الحرية الإبداعية والخوف مما قد يعتريهما، كما طفت لغة المصالح لدي مخرجين ومهتمين مرتبطين بالسينما. وطبعا وجود حكومة أبرز وجوهها من الحركة الإسلامية المغربية منبثقة من انتخابات ومن دستور جديد، نما الكثير من الكلام. وفي خضم ذلك تم تسريب العديد من الأسماء المعروفة لتولي المهمة.

في الأخير، هدأ التكهن والنقاش وتم حسم الأمر. وعين صارم الفاسي الفهري مديرا للمركز السينمائي المغربي. والأمر فيه بعض المفاجأة، رغم أن الرجل معروف في الوسط السينمائي منذ زمن، وله حضور.  وطبعا السؤال الذي طرح هو: ما البصمة التي سيضيفها إلى الفن السابع المغربي استنادا إلى مشواره الفني ومعرفته الأكيدة بكل دواليب السينما ورجالاتها ومعرفته بكل ما يتعلق بحقل السمعي البصري؟ لأنه بكل بساطة رجل إنتاج، أي منتج وله شركة إنتاج، ساهم من موقعه هذا في صياغة العديد من النصوص المسيرة للممارسة السينمائية كما شارك في ظهور العديد من الأعمال السينمائية.

يبدو هذا التواجد على رأس المؤسسة السينمائية المغرب كتسيير هادئ للأمور بعد أن تميزت الفترة السابقة بالكثير من الجدال الفني الذي يتطور إلى جدال مجتمعي كبير عند ظهور فيلم جريء أو صدور قرار ما أو دعم لعمل على سبيل المثال. هل هي رغبة في تغليب التصور المرتبط بالممارسة الفنية التقنية على التصور الخاضع لكل ما من شأنه أن يثير النقاش الكثير. الأكيد أن هذا الأمر الأخير لن يغيب إطلاقا، لكنه قد يكون أقل حدة. فبعد فترة مخرج وفترة ناقد ها هي السينما المغربية تعيش فترة منتج.  فلننتظر ما قد يسفر عنه الأمر.