ما نراه اليوم من تهاوي أنظمةٍ كانت تبدو، إلى وقت قريب، عصيّة على السقوط، وما يصاحبه من انفجار احتجاجات واسعة ضد أنظمة تُقدِّم نفسها بوصفها “ثورية” أو “دينية” أو “ممانِعة”، ليس سوى تعبيرٍ مكثّف عن خيبة تاريخية عميقة.
خيبةُ أنظمةٍ راهنت طويلاً على مشروعية مستمدة من الثورة، أو من العقيدة، أو من العداء الدائم للآخر، فوجدت نفسها عاجزة عن الصمود أمام اختبار الحاضر.
هذه الوقائع، على اختلاف سياقاتها الجغرافية والسياسية، تشير إلى حقيقة واحدة لا لبس فيها: لقد استُنفِدت صلاحية المشروعية الثورية، كما استُهلكت المشروعية الدينية حين صارت أداة تسلط على رقاب النساء والرجال، وفقد خطاب “الممانعة” قدرته على الإقناع حين انفصل عن كرامة الإنسان وحريته. الآن، بعد كل هذه الخيبات، لم يعد هناك سوى مشروعية واحدة قابلة للاستمرار: مشروعية الديمقراطية، القائمة على التعددية، والتنوع، والاختلاف، وحق الرأي الآخر.
قد نختلف حول نماذج الديمقراطية، وقد نناضل من أجل تعميقها وتصحيح أعطابها، وقد نطالب بمزيد من العدالة أو الانصاف داخلها، لكن لا يجوز لنا أن نُكفُر بها أو ننكرها بدعوى أنها “إمبريالية” أو “استعمارية” أو “شرك بالله”. فمثل هذه الادعاءات ليست سوى ذرائع شعبوية تُستعمل للهروب من سؤال الكرامة والحرية، ولتبرير أخطر أنواع الاستبداد، ألا وهو الاستبداد باسم الضحايا والمستضعفين.