الأحد 4 يناير 2026
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: أمل في مشاركة الشباب في تغيير المغرب.. شباب يرافقون ولي عهد قوي الإرادة

إدريس الأندلسي: أمل في مشاركة الشباب في تغيير المغرب.. شباب يرافقون ولي عهد قوي الإرادة إدريس الأندلسي
عرف الشارع المغربي، منذ عقود، عدة مظاهرات طالبت بتغيير عميق يعطي للديمقراطية مساحة أكبر على الأرض. خرج شباب في "ربيع عربي" لم يُفضِ، رغم ما صنعه من ضغط، إلى تنزيل إصلاحات دستورية كبيرة. ظهرت خلال شهر دجنبر دعوات متلفزة تُحذِّر الشباب من نسيان الموعد النهائي الخاص بالتسجيل في اللوائح الانتخابية. ولأن المشاركة السياسية تُشكِّل همًّا كبيرًا نظرًا لعزوف يتزايد من انتخابات إلى أخرى، اقترفتُ قبل أسابيع سطورًا تُشجِّع الشباب على اقتحام العمل السياسي، وأثنيتُ، بكثير من الصدق، على كلام وزير الداخلية المحترم في مجال محاسبة مُدبِّري الشأن العام. لكنني سمعتُ، قبل أيام، نفس الوزير يوجِّه كل رسائل العرفان لأغلبية ممن يُدبِّرون الشأن العام الترابي، ولا يستثني من الثناء إلا أقلية "تُعدّ على أصابع اليد". وحينها تمنيت أن يحظى بلدُنا بنخبة تُقدِّم خدمات لمواطنيها بمهنية وبنظافة يد، تنقلنا إلى مرتبة مشرفة في مجال محاربة الرشوة، مصحوبة بمراتب مشرفة أيضًا في مجال محاربة الاغتناء غير المشروع كيفما كانت أسبابه ومصادره. ولا أظن أن واقع تدبير جماعاتنا الترابية صنعته نخبة خفية لا يعرفها المواطن. بلادنا تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى المحاسبة التي تحميها من نخب تُفسد الكثير من المؤسسات وتضرب في العمق ثقة المواطن في العمل السياسي. ولنا في فيضانات آسفي مثالٌ على ضعف النخب في مجال تدبير هذه "الحاضرة المحيطية"، وعدم الانتباه إلى أن الصيانة المستمرة لوادي الشعبة وشبكة صرف مياه الأمطار، بالإضافة إلى غياب متابعة مهنية للمشاريع الملكية الكبرى التي رُصدت لها ميزانيات مهمة، كانت ستُخفِّف كثيرًا من هول الكارثة.
وجب التأكيد على أن ترسيخ الديمقراطية وتشجيع مشاركة الشباب لا يحتاجان إلا إلى البطاقة الوطنية البيومترية الضامنة لصحة كل المعطيات الخاصة بالشخص الذي يحملها. ولا نزال في بلدنا الحبيب نضع الحدود أمام الشباب الذي لم يتسجَّل في لوائح شكلية تتناقض مع ما تحمله البطاقة الوطنية من ضمانات ومعطيات تتعلق بحاملها. وتابعتُ ما قاله وزير الداخلية، المنتمي لسلك المهندسين الذين أصبح بعضهم متخصصًا في كل شيء. لم يدرسوا بعمق علوم القانون، وعلوم السياسة، وعلوم التربية والتعليم، ولا خبروا تحولات المجتمع من خلال دراسات سوسيولوجية دقيقة وذات حمولة تعكس قوة الإبداع المغربي في هذا المجال، وتُذكِّرنا بعبد الكبير الخطيبي وبول باسكون، وفاطمة المرنيسي ومحمد جسوس وغيرهم. ولكنهم وصلوا إلى مرحلة العلم بالعلم، وتملَّكوا القدرة على الكلام في السياسة وممارساتها في كل مناطق المملكة. من سمع كلام وزير الداخلية، وهو يُضفي على كثير من مُدبِّري الشأن العام المحلي كثيرًا من التقدير، يكاد ينسى ما قاله نفس الوزير في رسالته التوجيهية إلى الولاة والعمال بخصوص مقاييس قبول الترشيحات خلال الانتخابات المقبلة. أكَّد السيد الوزير، المهندس، على أن الأغلبية من مُدبِّري الشأن العام المحلي تقوم بعملها على أكمل وجه. وهنا وجبت إعادة طرح سؤال متابعة نتائج مشاريع التنمية المحلية عبر كثير من المؤشرات، وهذا ما يغيب في خطاب السيد الوزير. هل قامت "أم الوزارات" بمتابعة تضخم ثروات من مارسوا تدبير الشأن العام؟ هل تساءل السيد الوزير عما تحتويه التصاريح بالممتلكات المودعة، حسب القانون، لدى المجلس الأعلى للحسابات؟
وأنا أطرح هذه الأسئلة حول خطاب سياسي تقنوقراطي، أجد نوعًا من التفاؤل يلفني سببه ذلك الحضور الأميري المتواصل والمتميز في عدة أنشطة يكلِّفه بها والده، ملك البلاد.
وقف ابن محمد السادس، الملك الذي فتح أوراشًا كبرى وذات طابع استراتيجي منذ جلوسه على العرش، أمام عشرات الآلاف في ملعب مولاي عبد الله، وأمام كاميرات من مختلف دول العالم، وقطرات المطر الغزيرة تُبلِّل ملابسه. لم يُبالِ برعد "إذا ما هدر"، ولا "يخاف الرياح وعنف القدر". انبعثت من محيّاه ابتسامة طبيعية سكنته منذ سنين. عندما ترى ولي العهد، يُخيَّل إليك أنه يُحييك بابتسامة وهبتها له طبيعة أزلية. نسي زخم الأمطار فابتسم. لم يُبالِ بالبرد القارس من الرياح، فتوجَّه إلى الفريق الوطني لكرة القدم بكلام ملؤه حثٌّ على الإقدام، وعلى صنع الأمل. كل من شاهد اللقاء الرياضي عاش ذلك التواصل مع كل فرد من المنتخب المغربي. يمتلك ولي عهد البلاد سحرًا خاصًا، ويرسم كثيرًا من عناوين الثقة في مؤسسات الغد والمستقبل.
ومرت المقابلة الكروية، وكبر معها حلم التغيير المنشود. ولا يمكن فصل هذا الأمل وذلك التفاؤل عن انتظارات فئات كثيرة من المجتمع تعيش في وضعية هشاشة سببها من يسيطرون على اقتصاد الريع. كثرت الأقوال الصحافية والتعليقات على الفضاء الأزرق عن شخصية ولي العهد مولاي الحسن، وأجمعت الآراء أنه ذو همة كبيرة، وإرادة صادقة للإسهام في تنمية البلاد إلى جانب والده. وقف تحت الأمطار الغزيرة كمغربي حر ومحب للمغاربة. تخلَّص من كل البروتوكولات ليُعبِّر عن فرحته بأداء فريق وطني. أفراد هذا الفريق يسكنهم حب الوطن ولا يهمهم مال ولا منح. لقد أصبح من الممكن أن نحلم بغد يشرق بإلغاء كل مظاهر الريع والتهرب الضريبي وتضارب المصالح. سيشارك الشباب بكثافة في تنمية بلادهم سياسيًّا واقتصاديًّا إذا تم ربط المسؤولية بالمحاسبة. كشف ومحاربة الثراء غير المشروع لا يحتاجان إلى مكاتب دراسات يمتلكها مهندسون، ولكن إلى قرار سياسي يرتكز على مقولة نُسبت إلى الخليفة عمر بن الخطاب تتلخص في سؤال: "من أين لك هذا؟"