الأربعاء 12 يونيو 2024
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: إسرائيل والعواصف العربية

عبد القادر زاوي: إسرائيل والعواصف العربية

أظهرت كافة ردود الفعل الصادرة عن القيادات والمؤسسات الإسرائيلية إثر اندلاع ثورات الربيع العربي واحتجاجاته أن الدولة العبرية كغيرها من القوى الدولية والإقليمية فوجئت هي الأخرى بهذه الظاهرة، التي اعتقدت لأول وهلة ساعة انفجارها في تونس أن الأمر لا يعدو سوى مقدمة لتغيير الوجوه لا الأنظمة، انطلاقا مما اعتاد عليه العرب من مؤامرات وانقلابات القصور والثكنات.

وإذا كانت المفاجأة قد تجسدت فيما بدا من ارتباك وتذبذب في المواقف والتصريحات التي تراوحت بين الإعجاب والارتياب، بين الترحيب والتحسب؛ فإن مرد ذلك هو سرعة انتشار العدوى التونسية إلى مصر حيث فقدت كنزا استراتيجيا ثمينا وسوريا وليبيا واليمن، وهي قلاع كانت أنظمتها تبدو حصينة وعصية على التغيير بعد أن توهمت تلك الأنظمة أنها نجحت في تدجين الشعوب التي بدت مستسلمة لقدر توريث الحكم للأبناء بعد ديكتاتورية الآباء، وترسيخ مصطلح الجملوكيات الذي شاع استعماله إثر نجاح عملية توريث بشار الأسد حكم سوريا خلفا لوالده ضدا على القوانين والأعراف.

وأمام وصول العدوى الاحتجاجية إلى أنظمة ملكية أيضا، لم تقف إسرائيل موقف المتفرج الذي يراقب ويترقب، وإنما سارعت إلى الانغماس سياسيا واستخباراتيا، وعند الضرورة تسليحيا في العديد من ساحات الحراك الشعبي، خاصة تلك الموجودة على حدودها المباشرة بالتهدئة تارة وبالتوتير تارة أخرى وفقا لما يخدم مصالحها ويتماشى مع سياساتها؛ ديدنها في ذلك ضبابية المواقف الناجمة عن عدم توفر القوى والتيارات البازغة في المنطقة المنبثقة من رحم الحراك على استراتيجية جدية وعملية للتعامل مع إسرائيل حدودا ووجودا، باستثناء ترديد الشعرات المألوفة للمزايدة على بقية القوى السياسية وخاصة القومية واليسارية.

ومع مرور الزمن وبدء تآكل الثورات والاحتجاجات وسقوطها في نزاعات داخلية وحروب أهلية ومذهبية تعكس شساعة فجوة انعدام الثقة بين مكونات المجتمعات العربية، تأكدت إسرائيل أن أيا من تداعيات الربيع العربي آنيا وفي المدى المنظور لن تشكل تهديدا جديا لها، بل إن هذه التداعيات سمحت لها بتحقيق مكاسب إستراتيجية جمة بأقل كلفة ممكنة، وأحيانا مجانية يمكن رصد أهمها فيما يلي:

- تدمير الترسانة الكيماوية السورية بإشراف دولي ومباركة من حلفاء دمشق وخاصة روسيا التي كانت عراب اتفاق التدمير لتجنيب النظام السوري ضربة جوية أمريكية وأوروبية كانت الاستعدادات قد بدأت لها إثر اتهام النظام باستخدام أسلحة كيماوية ضد المدنيين من شعبه.

وقد قامت إسرائيل نفسها بغارات جوية فوق التراب السوري لتدمير شحنات أسلحة سورية كانت في طريقها إلى حزب الله، كما ادعت حينها، من دون أي إدانة لفظية لا دولية ولا عربية كما كان يحصل في الماضي. وحسب الإحصائيات، فإن مجموع هذه الغارات بلغ ثمانية منذ اندلاع الثورة السورية، وبعضها ضرب ضواحي دمشق العاصمة نفسها من دون أي رد فعل سوري.

- انفراط الوحدة العقائدية للجيش السوري بعد انشقاق آلاف العناصر السنية منه، ليغدو في معظمه جيشا طائفيا تنتمي نواته الصلبة للطائفة العلوية الأقلية التي ينتمي إليها الرئيس مطعمة بعناصر من الأقليات الأخرى التي تخشى "التطرف السني"، خاصة المسيحيين والدروز.

- فتح قنوات اتصال مع جماعات دينية متطرفة كجبهة النصرة التي استولت من الجيش السوري النظامي على مواقع في هضبة الجولان على تماس مباشر مع مواقع إسرائيل في الجزء المحتل من الهضبة. وحسب المعلومات المتاحة، فإن أجواء التواصل مع هذه الجماعات ودية للغاية، خاصة بعد أن قدمت لها إسرائيل خدمات لوجيستية وطبية.

- انغماس وتورط حزب الله اللبناني في أتون الحرب الأهلية السورية، حيث فقد العديد من أطره وكفاءاته ومقاتليه المتمرسين، وفقد بصفة خاصة شعبيته لدى الرأي العام العربي الذي بات ينظر إليه كحزب شيعي مذهبي وأداة في خدمة السياسة الإيرانية التوسعية في المنطقة بعد أن كان رمزا مشرفا للصمود والمقاومة في وجه الغطرسة الإسرائيلية.

- تراجع الاهتمام العربي العام بعملية السلام في الشرق الأوسط والبحث عن الضغط الدولي الجدي على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها. وقد بدا ذلك جليا من خلال إقدامها على مهاجمة قطاع غزة مرة أخرى دون أن تصطدم بردود فعل عربية قوية ومؤثرة عدا المعتاد من الإدانة والاستنكار دون التقيد بالتزامات مالية كبيرة لإعادة إعمار القطاع، ودعم حكومة الوحدة الوطنية التي توصلت فصائل المقاومة الفلسطينية أخيرا  إلى تشكيلها.

في هذا السياق تتوالى وتتسارع مشاريع تهويد مدينة القدس دون إثارة ردود فعل عربية رسمية قوية على الصعيد الدبلوماسي والسياسي أو ردود فعل غضب شعبية كما جرت العادة. والأدهى من ذلك هو شح الدعم المادي لصمود أهل المدينة في وجه الاستيطان الشرس باستثناء المجهودات التي تقوم بها وكالة بيت مال القدس الشريف التي تتغذى ميزانيتها من تبرعات مغربية صرفة، بعد امتناع الآخرين عن رفد مجهود هذه الوكالة الميداني على خلفية أن القدس ورقة سياسية يريد الجميع أن يلعبها لصالحه.

- تعزيز الادعاء الإسرائيلي بأن القضية الفلسطينية ليست هي سبب عدم استقرار الشرق الأوسط، الذي يغلي من تلقاء ميكانزماته الداخلية الناجمة عن غياب الثقة بين مكوناته وضراوة الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية بينها، وعن الاستبداد الذي تمارسه الأنظمة ضد شعوبها.

ولهذا لم تعد إسرائيل ترى أي مصلحة في التجاوب مع متطلبات عملية السلام التي حولتها  إلى متاهة لا منفذ لها. وها هي تحاول جاهدة إقبارها بإعلان يهودية الدولة الممهد ليس فقط لإغلاق ملف اللاجئين الذي يشكل حجر عثرة في مفاوضات السلام، وإنما لاحتمال ترانسفير جديد يطال هذه المرة من يسمون بعرب إسرائيل أو عرب 48، مسقطة في الطريق مشروع حل الدولتين، الذي تشير كل التقارير إلى أن سياسة الاستيطان أردته صريعا غير قابل للحياة من جديد.

- استعادة زخم العلاقات مع تركيا في تجسيد واضح لحقيقة العلاقات بين دول الشرق الأوسط  المتمثلة في أن ما يقال ويكتب لا يعبر بالضرورة عما يجري في الواقع. فتركيا في عهد أردوغان، رغم كل ما ادعته من عداوة لإسرائيل، لا تستطيع أن تنكر أنها أكبر حليف عسكري وإستراتيجي للدولة العبرية وسادس شريك اقتصادي لها.

وقد تسارع التقارب من جديد بين البلدين نتيجة تعقد الوضع السوري وتورط العديد من القوى الدولية والإقليمية فيه، وبسبب خشيتهما من تبعات ضبابية الموقف الأمريكي، وحرصهما على منع أي انتصار للنظام السوري ومن تسميه إسرائيل بمحور الشر، مما قد يرتد توترات بالغة الخطورة على البلدين معا.

- فتح قنوات اتصال مع العديد من الدول العربية أملت بعضها ضرورات أمنية واستخباراتية كان هاجسها التوجس المشترك من الطموحات النووية الإيرانية، وغموض الموقف الأمريكي إزاء برنامج طهران النووي. هذه الاتصالات سرعان ما ارتدت طابع اتصالات دبلوماسية وسياسية لم يتم نفي ما كشف منها، كما لم تدحض التقارير التي تحدثت عن حركة ملاحة جوية بين تل أبيب وعواصم عربية تؤمن بعضها حسب ما يروج شركات ملاحة خاصة مملوكة لشخصيات نافذة في بلدانها.

ورغم كل المكاسب المسجلة دون متاعب، فإسرائيل التي تخشى أن يدب الوهن في مجتمعها، والتي لا تثق سوى في نفسها وفي قدراتها دأبت على التحرك الفعال بشكل استباقي قبل وقوع المخاوف درءا لها أو لتقليل أضرارها، لاسيما إذا تعلق الأمر بحدث جلل لا تعرف على وجه اليقين إلى أين سيقود الوضع في منطقة مضطربة مقبلة على عواصف وأنواء لا أحد يدرك مداها وحجمها، وإذا ما كانت ليست متأكدة من حقيقة تجذر القوى الجديدة على الساحات السياسية والشعبية، خصوصا وأنها رأت ماذا حصل للإخوان المسلمين في مصر الذي كان يسود الاعتقاد أنهم تمكنوا من حكم مصر، ولن يتركوه، فإذا بهم يتلقون ضربة قاصمة ستشل حركتهم لردح طويل من الزمن.

إن ما يهم دولة إسرائيل، التي باتت الكيان الطبيعي الوحيد في هذا البحر المتلاطم الأمواج من حولها هو البقاء قوية وعصية على الكسر أو إلحاق الأذى بها، ومواصلة تحقيق أهداف الحركة الصهيونية، التي لم تكن تبحث عن إنشاء كيان دولتي تحقق لها سنة 1948، وإنما لا تزال تسعى إلى مجموعة غايات رئيسية أخرى تمثل جوهر حقيقتها أبرزها:

- إعلان يهودية الدولة وتأمين الاعتراف الدولي والعربي بذلك على أساس أن مبرر وجود الدولة يهوديتها، وأن طابعها اليهودي يحوز الشرعية الأممية بموجب القرار الأممي 181، متناسية أن القرار المذكور يتحدث أيضا عن دولة عربية وعن حدود أوسع من حدود 1967 التي يسعى الفلسطينيون والعرب لتكريسها مع قبول مبدأ التبادل الترابي..

- تجميع كل يهود العالم في الأرض الموعودة من البحر إلى النهر من خلال تكثيف هجرة اليهود أينما كانوا، وطرد أهل الأرض الأصليين بشتى الطرق والوسائل.

- صهر جميع المهاجرين القادمين من مشارب ثقافية واجتماعية مختلفة في بوتقة واحدة، وتشكيل مجتمع منسجم ومتضامن منهم.

وكما يرى يهوشفاط هركابي في كتابه "قرارات إسرائيل المصيرية"، فإن ذلك لن يتأتى إلا بتجميع عناصر الأساس التي بدونها لن تدوم الدولة أو تنبت. وأساس تلك العناصر هو الاستيلاء على المزيد من الأرض وتفريغها من أصحابها الأصليين وتشجيع يهود الشتات على الهجرة والاستقرار في "أرض الميعاد" وتوفير سبل العيش لهم، وإبقاء هاجس خطر الغوييم (الأغيار) يسكن دواخلهم، وتأسيس القوة العسكرية التي تضمن التفوق المطلق على كل الجيران العرب..

وبغية تحقيق أهداف كهذه لا تكتفي الحركة الصهيونية بتجنيد إمكانياتها المادية والتكنولوجية واتصالاتها الدبلوماسية وإغراءاتها المالية وترهيبها الاستخباراتي، وإنما سعت وتسعى وستسعى لا محالة إلى تطوير مفهوم العداوة حتى في ظل أجواء مهادنة أو سلام، ناهيك عن مواصلة التحرك داخل الساحات الداخلية لأعدائها الحقيقيين والمحتملين وساحات الأصدقاء إن أمكن.

إن مفهوم العداوة الدائمة ولو كانت وهمية تشكل حجر الرحى في الاستراتيجية الصهيونية. فحالة الحرب أو الحصار أو التوتر، كما يرى الفيلسوف الإسرائيلي أرييه ألباف ذي الأصول المغربية، تساعد في جعل سكان إسرائيل شعبا موحدا. إنها، يضيف، الإسمنت الوحيد في المجتمع، ولولاه لتفكك هذا المجتمع منذ زمن طويل وفق توزع الطوائف والجذور والطبقات الاجتماعية.

ولهذا، ففي ضوء الحقائق الاجتماعية التي لا يشعر فيها سكان إسرائيل من اليهود بأنهم شعبا واحدا، فإن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باعتبارها المرجعية العليا للدولة العبرية ترى من المصلحة استمرار مفهوم الحصار والغيتو وما ينجم عنه من توتر حربي، خصوصا وأن قضية الهوة الاقتصادية والاجتماعية أصبحت اكثر تناسبا مع منحى الأصل الجغرافي ممثلا في ثنائية أشكناز/سافارديم مضافا إليها في الظروف الراهنة العنصر العربي الذي يمثل أزيد من خمس السكان، وبات أكثر وعيا بواقعه وأشرس تعبيرا عن مطالبه.

إن ترسيخ هذا المفهوم لا يساعد فقط في عملية التعبئة العامة، والتجنيد الإجباري لصهر جميع مكونات المجتمع الإسرائيلي في بوتقة واحدة، وإنما يبرر أيضا التدخل الإسرائيلي في الساحات العربية المعادية لها فعلا أو وهما. تدخل يكمن  في إبقاء الفوضى الهدامة واستدامتها في محيط دولة إسرائيل عبر تأجيج النيران حيث الصراعات مستعرة، وتفجير الأوضاع الداخلية حيث لا تزال نسبيا ساكنة للوصول في النهاية إلى تقسيم الدول والكيانات العربية على أسس طائفية ودينية ومذهبية بمباركة شعبية.

إن وثائق إسرائيل الرسمية والأكاديمية، في هذا الصدد، تبين أنها سعت حتى إلى اختلاق نعرة التمايز والتقسيم، حيث لا وجود لها من الأساس كما هو شأنها مع بعض نشطاء الأمازيغ في دول شمال إفريقيا، خصوصا تلك التي ساهمت في المجهود الحربي العربي كالمغرب والجزائر من دون نسيان دورها في منطقة الساحل والصحراء وارتباطاتها بالطوارق.

ومن شأن وضع كهذا أن يفكك أوصال دول عربية وضع الاستعمار حدودها على غير إرادة سكانها، ما جعلها تحمل ضمن كيانها عناصر تدميرها، الأمر الذي يسمح بتمرير مقولة أول رئيس وزراء لإسرائيل دافيد بن غوريون عن أن الشرق الأوسط ليس منطقة عربية خالصة وأن غير العرب ومن بينهم إسرائيل هم الأكثرية، كما يسمح بمضاعفة مبررات قيام الدولة اليهودية التي ستغدو هي نفسها مبررات قيام كيان ماروني أو علوي أو درزي، ناهيك عن الدولة الكردية الموؤود حلم تحقيقها منذ سنة 1916.  

وفي المعلومات، فإن إسرائيل تقف إلى حد كبير وراء ما يلاحظ من تمادي أوروبي وأمريكي في سياسة التريث واختلاق الأعذار لإطالة أمد الأزمة السورية رغم الإعلان مرارا وتكرارا بأن نظام بشار الأسد فقد شرعيته ولا مستقبل له في سوريا. فالدولة العبرية تريد ترك السوريين يوغلون في تدمير بلدهم ودولتهم، وما تبقى من مقومات وحدتهم، وتعميق الأحقاد والضغائن بين مختلف فئاتهم وإثارة ما تبقى من نعرات فيما بينهم وصولا إلى نقطة اللاعودة حيث يغدو الإصلاح مستحيلا والافتراق مطلبا جماعيا مع ما لذلك من ارتدادات تفجيرية في لبنان أيضا.

وغير خاف على أحد أن الدولة العبرية  تلعب ذات الدور مع أكراد العراق في ترسيخ كيانهم المستقل الذي بات لا ينقصه سوى الاعتراف الدولي، تماما كما فعلت مع جنوب السودان. ومن المؤكد أنها ستستمر في الاتصال بكل الأقليات التي تشكل جزءا من النسيج الاجتماعي العربي وإذكاء نار الفتنة سعيا إلى تفجير كل المنطقة المحيطة بها لتكرس نفسها واحة الديمقراطية والاستقرار الأولى في المنطقة. فإسرائيل لم تعد تبحث عن الشرعية الرسمية من الأنظمة العربية، التي نالتها منذ زمن بعيد عندما جلس الجميع معها ثنائيا وفي إطار المفاوضات المتعددة الأطراف بموجب مقررات مؤتمر مدريد 1991؛ ولكنها تريد الشرعية الشعبية، كما نقل عن حاييم رامون وزير العدل الأسبق، الذي أضاف بأن الإسرائيليين يسعون إلى أن تتحدث الشعوب العربية عنهم كما تتحدث عن بعضها البعض.

وبما أن رغبة كهذه تمثل أمرا بعيد المنال، كما أثبتت تجارب السلام البارد مع كل من مصر والأردن رغم تبادل التمثيل الدبلوماسي، فإن تل أبيب ستواصل ترسيخ مفهوم العدو في أوساط سكانها اليهود، ولن تتوقف عن مشاريعها في شرذمة الدول العربية من حولها حتى تظل هي القوة الكبرى في منطقة الشرق الأوسط.