الأربعاء 12 يونيو 2024
كتاب الرأي

عبد الحميد جماهري: بنكيران مؤرخا وأنتروبولوجيا!

عبد الحميد جماهري: بنكيران مؤرخا وأنتروبولوجيا!

خرجتان لرئيس الحكومة الأستاذ عبد الإله بنكيران مرتا مرور الكرام، بالرغم من الحمولة القوية والمثيرة للغرابة فيهما.

الأولى عندما كان يتحدث عن المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، وقضية حرية المعتقد، والثانية عندما تحدث إلى المستثمرين الخليجيين وحدثهم عما يفعله المغاربة بالأشياء «الوافدة» عليهم وقال إن المغاربة جلبوا "الأسرة الحاكمة"، كما كانوا يجلبون الشاي ويمغربونه.

في الشق الأول، كان الرجل يتحدث كعالم أنتروبولوجي، عندما قال بالحرف «لا يمكننا إضافة المزيد من التعددية الدينية».

فقد ورد في حديث نشره مؤخرا «موقع «ميديا 24» «أن زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة عبد الاله بنكيران قال «لسنا في حاجة إلى إدراج حرية الضمير، إنها أصلا مدرجة في الممارسة وكل حر في قناعاته». وأضاف أن المجتمع المغربي الذي يقر مثلا بالتراث اليهودي، هو أصلا «تعددي» و«لا يمكننا إضافة المزيد من التعددية الدينية».

وعلى ذكر التراث اليهودي، نتذكر المناقشات التي عرفتها لجنة التتبع في وضع الدستور المغربي 2011، وكيف أن المبررات المعلنة حينا والمبطنة حينا آخر، كانت تعتبر هذا «التراث اليهودي جزءا من الماضي، وأننا نضع الدستور للمستقبل»، وبمعنى آخر كان محدثي وقتها، وهو مثقف من الفريق الحزبي الحاكم، يعتبر أن الدستور المغربي هو لمستقبل «مسلم» في المغرب وليس تنصيصا على هوية ثقافية وإثنية ودينية متعرقة في التاريخ والجينات.

ومع ذلك، لا يمكن أن نناقش السيد رئيس الحكومة بدون أن نثير احتمالات المستقبل الديني في المغرب المنصوص عليه دستورا بأنه إسلامي، بدون أن نستحضر الالتزامات الحقوقية للمغرب، ليس في حرية الضمير فقط، بل أيضا في المسألة المتعلقة بالهجرة.. لنضع السيناريو الذي يطرح نفسه ببداهة التطور: عندما يقيم المهاجرون الأفارقة، ومنهم مسيحيون كثيرون في المغرب، وربما يتجنسون بجنسيته مع المستقبل كما يقع للمسلمين المغاربة في فرنسا أو في الكيبيك، هل سيضمن المغرب لأبنائه القادمين حرية المعتقد وأماكن الصلاة؟

يبدو أن إدريس اليزمي قد وجد الجواب، وقال بالواضح إن علينا أن نبني المزيد من الكنائس، وهو ما يعني أننا نضع هذا الاحتمال في جدول الأعمال التاريخي الممكن.

وهو عكس ما يذهب إليه رئيس الحكومة ضمنا.. ومن جهة أخرى لم يتوفق رئيس الحكومة في اختيار السياق الذي يطرح فيه مسألة الهوية المغربية المتجانسة دينيا والمتعددة تراثيا. الزمن الذي يتحدث فيه رئيس الحكومة بكلام مثل هذا هو زمن التطهير العقائدي في الشرق الأوسط، والحروب الدينية التي تلغي وتقتل حتى الآخر المسلم وليس فقط الآخر المسيحي واليهودي أو اللاديني.

بل كان عليه أن يفكر كيف أن الآخر المسيحي، أو العلماني، يفتح فضاءاته للتدين الإسلامي، والتراب للمساجد، ويتساءل: أليس من القوي عقديا وإنسانيا أن تسارع الدول التي تعيش التسامح أو التي ترمز برمزيات كبيرة إلى الدين (كالأماكن المقدسة أو إمارة المؤمنين) إلى بناء كنائس لتميز نفسها عن السيل الدموي الجارف الذي يهددنا جميعا؟

بعد الهوية الدينية، تحدث الرئيس عبد الإله بنكيران عن الهوية التاريخية والسياسية للدولة المغربية، وقال بالحرف إن «المغاربة جلبوا الأسرة الحاكمة»، أي الأسرة العلوية. والحال أن التدقيق التاريخي لا يساير الحماسة المفرطة لرئيس الحكومة في جعل الخليج، صاحب الرأسمال المادي، هو نفسه صاحب الرأسمال التاريخي والسياسي للمغرب، في تطويع غريب لا نعتقد أن الأستاذ عبد الإله بنكيران كان في حاجة إليه أو أنه دليل نباهة خاصة تدغدغ العواطف السلالية للخليجيين!

ولئن كانت واقعة الحجاج السجلماسيين، الذين كانوا يرغبون في وجود أحد الشرفاء من آل البيت بينهم صحيحة، وهو ما دفع بأحد أبناء أبي قاسم بن محمد (الحسن الداخل) من قرى الحجاز إلى الاستقرار بالمغرب، فإن توظيفها لم يكن ذا رسالة سياسية خارجة عن المألوف، لأن الأمر يتعلق بالحجاز، والحجاز لا ينتظر من رئيسنا رسائل بالذات!

على كل يحسن برئيس حكومتنا الدستوري أن ينشغل بالسياسة المبنية على قاعدة ثقافية متحركة، وهوية دينامية تتفاعل مع المحيط عوض تحنيط الهوية والسياسة في مقولات سريعة الطلقات وكثيرة الأعطب.