الأربعاء 12 يونيو 2024
كتاب الرأي

عندليب الحسبان: ماذا ستلد الصراعات العربية؟

عندليب الحسبان: ماذا ستلد الصراعات العربية؟

فلنعترف أنّ عالماً خالياً من الصراع المُفْضي إلى الموت قتلاً ليس إلّا وشوشات شاعرٍ في ردهاتِ قصيدته الواسعة، أو دعواتِ متبتّلٍ في فجرٍ فرّ من الليلِ باعجوبة.. أو نشوةَ رضيعٍ لم يعرفْ من السوائل إلا أبيض أمّه..

فلنعترفْ أن العالمَ حين يرسمُ خرائطَه وحدودَه، ويعيدُ تشكيلَ جسده، فإنه لن يخطّ هذا إلا بأجساد أبنائه، إذ تجري من تحتها انهارٌ من الدم.

تبدأ الحكاية منذ أن كانا في الغابة بذكرٍ يصرع أنثاه في حالة اشتباك واعتراك، ولنْ يُفضَّ الاشتباكُ إلا حين يسلّمُ الذكرُ فائضَ قوتِه إلى آخَرِه المستكين، فتستوطن قوتُه أنثاه وتشطرُها نصفَ كروموسوماتها.. ثم يبدأ رسمُ الخريطة الجينية الجديدة بمعركةِ تعارفٍ شرسةٍ بين فائضِه وبين جسدِها، يتخلّلها غثيانٌ ودوارٌ وبعضُ نزيفٍ، وتهديدٌ بالاجهاض، وبعد شهور يحصلُ الجنينُ على شرعيةِ الإقامة.. فيسود الهدوء والوئام بين الجسدين المتعايشين إلى أن تحينَ لحظةُ الانعتاق الدموي… فيتفجر الغشاء، وتسيل الدماء، وينتهي الصخبُ بميلادٍ جديدٍ تحتفي به الحياة.

وهذا ما كان، منذ سالف الزمان، حيث لم يعرف العالمُ السكينةَ ولا الأمان. ما عاش إلا العراكات والصراعات بين الأفراد والدول والجماعات، وما تمخض إلا موتى وقتلى بالآلاف والملايين، وما خلّف إلا مشردين ومُبْعَدين، ومطعونين بالفيروسات والسكاكين.

ولكن دائماً بقيَ أملٌ يسكنُ الذاكرةَ البعيدةَ للحضارةِ القادمةِ من عالمِ الفردوس الأول بأن صراعاً بشريّاً يمكن أن يؤولَ إلى فرحٍ جديد، فكانت الثورةُ الفرنسية في القرن الثامن عشر داميةً حامية، بقدر ما التهمَتْ مقاصلُها رؤوساً ولحماً طريّا، بقدر ما ألهَمَتْ فرنسا وأوروبا عقولاً وعلوماً وفلسفة وفنوناً.. ثم كانت الحرب الأهلية الأمريكية حين غرق الأبيض والأسود في نهر جار من الدماء العنصرية التي صبغت كلا الجسدين بالأحمر، وفي ستينيات القرن الفائت اغتسلا من كلّ الألوان، ولبسا لوناً أبهى هو لون الإنسان.. وكانت الثورةُ الشيوعية حين امتشقت الجسدَ المنهكَ من الفَقر والعوز، والقهر والاغتراب عن ذاته، ليطلبَ أجرَه الآنَ الآن وليس غدا، وليبنيَ جنته من طوب معمله على ارضٍ من تراب لا على فراديسَ من سحاب.

ونحن في هذا العالم العربي.. هل لنا فسحة من أمل بمولود جديد نفرح به بعد عقم طويل؟ هل لنا أن ننتظر من صراعاتنا الدائرة في عالمنا العربي ثورةً تحبل بوليد جميل نحتفي به ولو بعد حين؟ هل لنا أن نُؤْجَرَ على دمائنا وكراماتنا المهدورة لقمةَ عيشٍ، وجرعةَ دواء غير منتهي الصلاحية؟

لا أظن… لأن الصراعَ الاجتماعي الذي يمكن أن يفضيَ إلى تشكيلِ حالةٍ جديدة يَشترط اختلافاً حقيقياً بجوهرِ الرؤى المتصارعة، ينتج عنه شبكةُ مفاهيمَ جديدة تعبّر عن مزيجٍ مختلفٍ مغايرٍ تعيد ترتيبَ العلاقات والأدوار.. ولكن صراعاتِنا ليست كذلك، فهي تستقي من ذات الرؤية التقليدية المحافظة ومفاهيمِها الدينية القبلية.. والمتصارعون على الأرض هم من ذات النسب الأبوي البطركي، سواء من حَكم أو يَحكم أو من يعارض.. وحين ننظر إلى ثورتنا نرى رحاها خلفنا، وتمارس صراعات ‘مِثْلية، برؤوس أبوية الشرعية لا تنجب، لأن لا رحماً مدنياً حداثياً لها، ولأنّ مجتمعاً يبقي على ذاتِ التعريف لأدوار الرجل والمرأة ليس بمجتمع يلد.

فالمجتمع الذي يصرّ على الدين والطائفة والعشيرة والجنس مصادرَ لهويته الفردية والوطنية لهو مجتمع غيرُ ابتكاري، ولم يُشرْ بعد إلى نقطة واحدة على خريطة التغير الاجتماعي.. وإن مجتمعاً يصرّ على المسير على ذات الخريطة الثقافية ذات الألف عام ونيف سيصل إلى ذات الخريطة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وسيرتد إلى ذات الخيمة والعير والبعير…

(عن "حركة مصر المدنية")