قال محمد جدري، خبير اقتصادي ومدير مرصد مراقبة العمل الحكومي، أن التجارة العالمية تمر اليوم بتحولات استراتيجية. فحتى وقت قريب، كنا ندعو إلى إزالة الحواجز الجمركية وتعزيز العولمة، حيث يمكن للسلع أن تمر عبر عدة دول قبل أن تصل إلى المستهلك النهائي، الذي قد يكون في أي مكان في العالم، سواء في إفريقيا أو آسيا أو أوروبا أو أمريكا.
لكن اليوم، نلاحظ تراجعا في التجارة العالمية وعودة السياسات الحمائية والاقتصادات الوطنية مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حين وصف الإعلان عن الرسوم الجمركية بـ"يوم التحرير". أما رئيسة البنك الأوروبي، كريستين لاغارد، فأكدت أن أوروبا تتجه نحو تحقيق استقلالها الاقتصادي.
وأوضح جدري، في تصريح ل "أنفاس بريس"، أن هذا التوجه الجديد، الذي أعلن عنه ترامب مساء يوم الأربعاء 3 ابريل 2025، بفرض رسوم جمركية مرتفعة على العديد من الدول، خصوصًا الدول الآسيوية مثل الصين واليابان، بالإضافة إلى المكسيك وكندا وأوروبا، سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار عالميًا.
وحول تداعيات الرسوم الأمريكية، أوضح محاورنا، أنه من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تضخم عالمي، حيث سيرتفع ثمن المنتجات التي كان المستهلك الأمريكي يشتريها بأسعار منخفضة، مما يجعل المتضرر الأكبر هو المستهلك النهائي. لكن في المقابل، قد تستفيد بعض الصناعات المحلية الأمريكية من هذا الوضع.
أما فيما يتعلق بالعلاقات التجارية بين المغرب وأمريكا، نفى جدري ان يكون هناك تأثير سلبي كبير، بل على العكس، قد يستفيد المغرب من هذه الظرفية. فبفضل اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، تبقى الرسوم الجمركية على المنتجات المغربية في حدود 10%، مقارنة بدول أخرى ستواجه رسوم أعلى تصل إلى 20% أو 34% أو 49%، مما يجعل المنتجات المغربية أكثر تنافسية في السوق الأمريكية.
هذا الوضع يتيح للمصنعين المغاربة، خصوصًا في قطاعات مثل الفوسفاط، النسيج، الجلد، والملابس فرصة لتعزيز الصادرات نحو الولايات المتحدة. كما أن المغرب مؤهل ليصبح قبلة للاستثمارات الأجنبية، خاصة الصينية، حيث تسعى الصين إلى الاستفادة من اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وأمريكا عبر إقامة مصانع السيارات الكهربائية أو كالنسيج التي تم توقيع اتفاقياتها مؤخرا لتصدير المنتجات إلى الولايات المتحدة على أنها منتجات مغربية الصنع. فرغم هذه الحواجز الجمركية، سيستفيد الاقتصاد الوطني على الأقل بالنسبة للصادرات المغربية.
غير أن بعض السلع المستوردة من أمريكا قد ترتفع أسعارها أيضًا، مما قد يؤثر على بعض القطاعات الصناعية المغربية التي تعتمد على واردات أمريكية. لذلك، من المتوقع أن يشهد العالم تقلبات اقتصادية في الأشهر المقبلة.
في ظل هذه التحديات، يقول جدري، يجب على المغرب تعزيز سيادته الاقتصادية من خلال التركيز على الأمن الغذائي، وإيجاد حلول مستدامة لمشاكل المياه والأعلاف والأسمدة، إلى جانب تسريع الانتقال الطاقي كي لا يبقى المغرب مرتهنا لتقلبات اسعار النفط العالمية وغلاء المدخلات الغذائية. ما أن تطوير الصناعة الدوائية المحلية أصبح ضرورة لضمان الأمن الدوائي و الصحي للمواطنين.
وخلص محاورنا بالقول أن العالم يتغير منذ الجائحة، ومع هذه التحولات الجديدة في التجارة العالمية، يجب على المغرب أن يكون يقظًا، ليس فقط لمجرد تجنب الأضرار، بل لاستغلال هذه الفرصة لتعزيز صناعته وصادراته نحو أوروبا وأمريكا لأن السلع المغربية ستكون أكثر تنافسية.