الجمعة 4 إبريل 2025
اقتصاد

محمد الغيث ماء العينين: ملف الأغنام المستوردة.. العقل العمومي لا يُخاطب بالضجيج بل بالمعلومة الموثقة

محمد الغيث ماء العينين: ملف الأغنام المستوردة.. العقل العمومي لا يُخاطب بالضجيج بل بالمعلومة الموثقة محمد الغيث ( يمينا) ونبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية ومشهد للأغنام المستوردة
قال محمد الغيث ماء العينين، محلل سياسي، أنه إذا كان التقدير من حرص بنعبد الله على مساءلة الحكومة في ملف استيراد الأغنام، فإنه في المقابل يُسجّل أن تحويل فرضية مالية إلى “حقيقة” قطعية، قد يُربك النقاش العمومي بدل أن يرشده. فيما يلي تحليل الخبير ماء العينين وتفاعله مع التصريحات والتصريحات المضادة في هذا الملف:

في خضم ما يشهده المغرب من نقاشات محتدمة حول ارتفاع أسعار اللحوم وتداعيات الجفاف، أثار نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أحد أعرق الأحزاب الوطنية، جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام، بعدما نشر تدوينة تحدث فيها عن 13.3 مليار درهم من الإعفاءات والدعم التي استفاد منها 277 مستوردًا للأغنام والأبقار، دون أن ينعكس ذلك، حسب تعبيره، على أسعار السوق الوطنية. 

استند بنعبد الله إلى معطيات وردت في وثيقة حكومية رسمية، ووجه دعوة مباشرة لمن يشكك في الأرقام بأن يعود إلى الصفحتين 84 و196 من وثيقة “المعطيات والبيانات الإضافية المطلوبة من طرف الفرق النيابية بمجلس النواب”، المتعلقة بمشروع قانون مالية 2025. وهي خطوة تُحسب له في إطار حرصه على إعمال الرقابة السياسية وربط النقاش العمومي بمصادر موثقة. 

لكن ما لم يتم الانتباه إليه، لا من طرف الجمهور العام ولا من طرف المؤثرين والصحفيين الذين أعادوا نشر التدوينة، هو أن تجميع الأرقام لا يكفي لإنتاج خطاب مسؤول، وأن السياق الاقتصادي وطبيعة الإجراءات التحفيزية تتطلب قراءة نقدية لما اعتُبر “خسارة فادحة” للخزينة العامة. 
 
1. أين الخلل في طريقة احتساب “الخسائر”؟ 
اعتمد بنعبد الله على تجميع مبالغ الإعفاءات التالية:
* وقف استيفاء رسم الاستيراد على الأبقار الأليفة (120 ألف رأس): 7.3 مليار درهم
* تحمل الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأبقار: 744 مليون درهم
* تحمل رسم الاستيراد على الأغنام: 3.86 مليار درهم
* تحمل الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأغنام: 1.16 مليار درهم
* دعم جزافي بمبلغ 500 درهم للرأس (بمجموع 474 ألف رأس): 237 مليون درهم 
هذه الأرقام بمجملها تعطي ما يقارب 13.3 مليار درهم، لكن الإشكال الأكبر يكمن في المنهجية التي حُسبت بها هذه “الخسائر”. 

2. عندما تتحول الفرضية إلى حقيقة: قراءة خاطئة للخسائر المفترضة 
ما يغيب تمامًا عن خطاب بنعبد الله هو أن هذه “الخسائر” تعتمد على فرضية غير واقعية تقول إن هذه الرسوم كانت ستُجبى بشكل مضمون لو لم يتم إقرار الإعفاء. وهذا خطأ منطقي واقتصادي جوهري، لأن:
* الإعفاءات لم تكن ترفًا ماليًا، بل ضرورة لتحفيز الاستيراد في ظل أزمة ارتفاع الأسعار وجفاف قاسٍ.
* لولا هذه الإعفاءات، لما أقدم عدد كبير من المستوردين أصلًا على استيراد الأبقار والأغنام، أو كانت الكميات المستوردة ستكون محدودة جدًا، مما يعني أن الرسوم التي “خسرتها” الدولة لم تكن لتُحصَّل أصلًا. 
بالتالي، لا يمكن اعتبار ما لم يتم تحصيله خسارة حقيقية، إذا كان تحصيله غير مرجّح من الأساس. الإعفاء هنا ليس تنازلًا عن دخل مضمون، بل أداة سياسية واقتصادية لتأمين التوريد. 
وإذا كنا نُقدّر حرص بنعبد الله على مساءلة الحكومة في هذا الملف، فإننا في المقابل نُسجّل أن تحويل فرضية مالية إلى “حقيقة” قطعية، قد يُربك النقاش العمومي بدل أن يرشده. 

3. فراغ التواصل وعبث السياسة 
وسط هذه الفوضى الرقمية، لا يمكن تجاهل دور وزارة الفلاحة التي تركت فراغًا كبيرًا في التواصل، ولم تقدم تفسيرًا واضحًا للرأي العام حول تفاصيل سياسة الدعم والإعفاءات، مما فتح الباب لتأويلات سياسية وشعبوية. 

 
وقد استغل بعض السياسيين هذا الصمت الرسمي، وعلى رأسهم بنعبد الله، لتسجيل نقاط انتخابية مبكرة استعدادًا لمحطات 2026، مستفيدين من حساسية قضية تمس جيوب المواطنين بشكل مباشر. ولا يمكن لومه بالكامل، فهذا جزء من أدوات الفعل السياسي المشروع، لكن الخشية أن يُبنى على هذا الخطاب انطباعٌ عام خاطئ يضعف ثقة الناس في قرارات كانت ضرورية ظرفيًا. 

4. المؤثرون و”اللايكات” بدل المهنية 
الجانب الأخطر يتمثل في انخراط عدد من المؤثرين والصحفيين المعروفين في ترويج هذه الرواية دون تدقيق، بل إن بعضهم سبق أن شغل مواقع حساسة في أبرز الجرائد الوطنية، ما يجعل الأمر أكثر خطورة من مجرد منشور عابر. 

 
لقد تحوّل جزء من صناعة الرأي إلى سباق نحو الإثارة، حيث بات “البوز” والشعبوية وسيلة للربح المالي السريع، على حساب المعلومة والتحليل الرصين. الأخلاقيات المهنية والإعلامية أصبحت ضحية لهذا التحول الرقمي التجاري، الذي لا يميز بين معطى مدقق وخبر مضخم. 

خاتمة: بين الصمت الرسمي والتوظيف السياسي 
قضية دعم الأغنام في المغرب تحولت من مسألة اقتصادية تقنية إلى معركة رمزية بين أطراف تبحث عن المكاسب السياسية أو الإعلامية. لكن الحقيقة ضاعت وسط التهويل، والتسطيح، والفراغ الرسمي. 

 
وإذا كانت مداخلات بنعبد الله تنبع من حرص سياسي مشروع على محاسبة الحكومة، فإن المطلوب اليوم هو توازن في الخطاب، يأخذ بعين الاعتبار السياق، والأرقام الدقيقة، والمصلحة العامة. 
 
ما يحتاجه الرأي العام المغربي ليس فقط أرقامًا مدوية، بل شفافية مسؤولة، وتواصل حكومي واضح، وإعلامًا يتحرى الدقة بدل اللهث وراء التفاعل. فالعقل العمومي لا يُخاطب بالضجيج، بل بالمعلومة الموثقة والتحليل الهادئ.