في امسية تنبض بالشعر، حيث تتشابك اللغات كأغصان شجرة وارفة، احتضن "بيت الشعر" الفرنسي صوتا من أقصى ضفاف المغرب، الشاعر حسن نجمي، الذي دخل القاعة كما يدخل النهر مجراه، محمّلا بصدى التجربة، وبأثقال الجمال والمعنى. لم تكن أمسية عادية، بل لحظة تتقاطع فيها الأزمنة، حيث وقف الشعر جسرا بين ذاكرة المتوسط ونبض باريس، وبين أصوات عربية وفرنسية تتعانق تحت قبة الإبداع.
جاءت هذه الدعوة الرفيعة من الشاعر والكاتب الفرنسي سيلفستر كلانسيي (Sylvestre Clancier)، رئيس بيت الشعر في باريس، الذي أرسى هذا اللقاء على أرضية الاحترام العميق للكلمة، ووعي مشترك بدور الشعر في صياغة الوعي الإنساني. أما إدارة الجلسة، فكانت بأنامل الشاعرة موريل أوغري (Muriel Augry)، التي نسجت بأسئلتها وحضورها خيطا من حرير قصيدة تحتفي بالخلود بين الضيف والجمهور.
ما إن انطلقت الأمسية، حتى تدفقت الكلمات كنهر جارف، وانصهر الصوت مع الصمت، والضوء مع الظلال، ليولد ذلك السحر الذي لا يصنعه سوى الشعر. كان حسن نجمي هناك، بكامل حضوره المتوهّج، يلقي قصائد تنبض بالحياة والغياب في آن واحد، فتتماوج فيها ظلال الذات والشعر، الحب والحنين، الوطن والفقد الداخلي.
حين صدح بقصيدته "موت شاعر"، كان الأمر أشبه بتجربة العبور بين الحياة والكلمات، حيث الشعراء لا يموتون تماما، بل يذوبون في نصوصهم، يختبئون بين السطور، ليظلوا خالدين كلّما أعاد قارئ إحياء الحرف. أما حين ألقى "أغنية لعود أبي"، فقد كان ذلك بمثابة استدعاء للحكمة الأولى، للأب الذي يظل جذرا في الروح، ولعودٍ يشبه الزمن حين يئنّ تحت أصابع الذاكرة.
كان التصفيق لا ينتهي بحجم الشعر الذي لا ينتهي. فلم تكن هذه الأمسية مجرد جلسة شعرية، بل كانت احتفاء بمسافة يختصرها الإبداع، واحتفالا بعبور بين لغتين، بين ثقافتين، بين ضفتين تلتقيان في مجرى القصيدة. كان التصفيق طويلا ممتدّا مثل أثر الكلمة حين تسكن الوجدان، وكان اللقاء بصمة لا تمحى في ذاكرة الشعر، حيث جاء حسن نجمي، فرحل تاركا خلفه نغمة باقية، ورعشة في روحنا الشاعرة لا تهدأ.