يستعد إقليم السمارة لاحتضان "بؤرة ثورية هادئة" تضرب في العمق استراتيجية العسكر الجزائري الهادفة إلى عزل المغرب عن عمقه الإفريقي. فالأشغال تجري على قدم وساق لوضع آخر الترتيبات لفتح المعبر الحدودي الجديد بين موريتانيا والمغرب، على الطريق الرابطة بين مقاطعة «بير أم كرين» بولاية تيرس آزمور شمال موريتانيا ومدينة السمارة، عبر أمكالة. وهو ما يعني استعادة الدور التجاري الذي لعبه المغرب بين إفريقيا السوداء وأوربا، إذ ظل التجار المغاربة، في العصر الإمبراطوري، يستعملون الطريق العابرة للصحراء واجهةً لتصدير منتوجات الصناعة التقليدية المغربية إلى بلاد السودان (السينغال ومالي ومنطقة الساحل حاليا)، وأيضا لاستيراد البضائع الإفريقية (أبرزها الذهب والملح)، خاصة أن هذا الدور التجاري الحيوي لم يختف إلا في نهاية القرن التاسع عشر بعد سيطرة المستعمر الإسباني على الشواطئ المغربية الجنوبية، مما أدى آنذاك إلى إيقاف الحركة التجارية التي ازدهرت لقرون بين موريتانيا والمغرب من واد نون إلى شنقيط، ومنها إلى تومبوكتو وغيرها من الأصقاع الإفريقية.
وإذا كان المعبر الجديد يمر من مدينة السمارة عبر منطقتي أمكالة وبير أم كرين الحدوديتين اللتين يقطع فيهما الجدار العسكري المغربي مسافة مهمة، فإنه يمتد على مسافة تقارب 93 كيلومترا بين السمارة والحدود الموريتانية نحو أم كرين، ما سيسمح له بتأمين تدفق الأشخاص والسلع، كخطوة استراتيجية تعزز الدور الذي ظل يلعبه معبر الكركرات، وتسهل تصدير البضائع إلى عمق الصحراء الكبرى، مرورا بشرق موريتانيا وبشمال مالي والنيجر وصولا إلى بوركينافاسو والتشاد، الى جانب ضمان تنقل الأشخاص، مما يترجم تعزيز استراتيجية الرباط في إبطال النفوذ الإرهابي وتعقيد أدواره التي تدعمها الجزائر في المنطقة، في أفق تحييده والقضاء عليه بفصله نهائيا عن مناطق إمداداته.
ويطرح هذا المستجد الاستراتيجي مجموعة من الرسائل القوية التي يطرحها التحالف بين المغرب وموريتانيا، وخاصة بعد فشل «البوليساريو»، ومعها الجزائر، في قطع الطريق البري الوحيد بين المغرب وموريتانيا سنة 2020 «معبر الكركارات»، ونجاح المغرب في العملية الأمنية الخاصة بتطهير معبر الكركارات، وحصر وجود «البوليساريو» داخل تندوف بالأراضي الجزائرية.
ويمكن إجمال هذه الرسائل في ما يلي:
أولا: خروج موريتانيا من منطقة التردد، وانخراطها الجاد في تأمين بوابة حدودية أخرى في موقع جغرافي يشهد توترا عسكريا متصاعدا في ما بين المغرب من جهة والجزائر والبوليساريو من جهة ثانية، وهو ما يفسر التعاطي الإيجابي الذي أبداه الجانب الموريتاني مع التدخل الأمني الصارم الذي قامت به القوات المسلحة الملكية المغربية لتطهير معبر الكركرات في نونبر 2020، رغم التلويح بالحرب ضد نواكشوط الذي رفعه بعض قادة البوليساريو الذي أسقط في أياديهم. وما يعزز هذا الطرح هو إقدام وزير الداخلية في موريتانيا، محمد أحمد ولد محمد الأمين، على توقيع (المقرر رقم 00129) الذي يحدد بموجبه المعابر الحدودية الإلزامية على عموم الأراضي الموريتانية، وذلك بتاريخ 11 فبراير 2025، والذي حدد 82 نقطة حدودية برية، منها 8 بينها وبين المغرب: (معبر «اتميميشات» في مقاطعة الشامي، ومعبر «القلب» في مقاطعة الزويرات، ومعابر «افديرك» و«الشكات» و«اتواجيل» في مقاطعة افديك، ومعبرا «عين بنتيلي» و«بئر أم كرين» في مقاطعة بئر أم كرين»، فضلا عن معبر الكركارات سالف الذكر.
ثانيا : توقيع موريتانيا على قرار بناء المعابر يعني دخول الجيش الموريتاني بوضوح، وعلى نحو لا لبس فيه، على خط تأمين المناطق الحدودية التي تشهد تماسا مع الجدار الأمني المغربي «أمكالة وبير أم كرين»، ومن شأن ذلك أن يعزز الشراكة العسكرية بين الرباط ونواكشوط، ويحد من قدرة البوليساريو على التحرك والمناورة، خاصة المنطقة العازلة.
ثالثا : إحداث معبر أمكالة الحدودي الجديد، هو إيذان بدخول السمارة إلى رادار الأقطاب التنموية بالجنوب المغربي، على غرار ما عرفته مدينتا العيون والداخلة، وليس أدل على ذلك من انكباب السلطات المركزية والجهوية والمحلية على إطلاق مجموعة من المشاريع الحيوية، وعلى رأسها تطوير البنية التحتية الطرقية (لربط السمارة بكل الأقاليم المجاورة له) باعتبارها عنصرا أساسيا في تعزيز التكامل الإقليمي ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما تجسده استراتيجية إنشاء المعابر، فضلا عن إطلاق برامج التوسع الحضري وتوفير فضاءات حديثة للسكن والأنشطة الاقتصادية، مع التركيز على خلق بيئة متكاملة تجمع بين المرافق السكنية والتجارية والجامعية والاستشفائية، ومرافق النقل «إنشاء محطة طرقية حديثة، توفير محطات الوقود ومراكز الصيانة وأماكن الاستراحة، والخدمات اللوجستية الأخرى على طول الطريق»، مما سيعزز جاذبية مدينة السمارة ويواكب تطلعات السكان وأبناء دول الساحل ودول جنوب الصحراء الكبرى. كما سيؤدي ذلك إلى تنمية الاستثمارات ودعم التكامل الاقتصادي بين جميع البلدان في إطار الرؤية الملكية «التعاون جنوب- جنوب»، فضلا عن تنشيط الحركة السياحية، مما سيوفر فرص عمل جديدة، خاصة في المناطق الواقعة على طريق السمارة والحدود الموريتانية، إذ يفضل العديد من الموريتانيين والأفارقة التوجه إلى المغرب لممارسة نشاطهم التجاري والسياحي. ولن يتأتى ذلك إلا بمقاربة مشتركة بين المغرب وموريتانيا لتحقيق الأمن والاستقرار، والتعاون من أجل إحباط التوتر في الجوار الإقليمي.
رابعا : من المنتظر أن يوفر معبر أمكالة لدول المنطقة، خصوصا دول الساحل البعيدة عن البحر، منفذا إلى المحيط الأطلسي وفق الرؤية الاستشرافية التى قدمتها مبادرة الملك محمد السادس، والتي تهدف إلى توفير منفذ مباشر لدول الساحل الأفريقي إلى المحيط الأطلسي، مما يساهم في تعزيز المبادلات التجارية والاستثمارات بين المغرب وموريتانيا وباقي الدول الأفريقية، وذلك من خلال تبني منهج شامل يشمل تطوير البنية التحتية، وتمكين الربط اللوجستي، وإرساء قواعد التعاون الاقتصادي لمواجهة التحديات المعقدة التي تعرقل تقدم هذه المنطقة، مما سيمكن من تعزيز أواصر التواصل بين المغرب وعمقه الإفريقي، إذ يعتبر هذا المشروع «حجر زاوية» في المبادرة الأطلسية التي وقعت على دعمها برلمانات 20 بلدا إفريقيا، بما فيها موريتانيا، حيث أكد الموقعون على «المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين الدول الإفريقية، وبالتحديد احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية وسلامة أراضيها باعتبار كل ذلك الحجر الأساس في العلاقات الدولية».
خامسا: معبر أمكالة، رسالة واضحة، ليس فقط من أجل الرفع من مستوى التبادلات التجارية وتعزيز الشراكة الاقتصادية، بل- وهذا هو الجوهري- القضاء على الهشاشة الاجتماعية التي يعاني منها أبناء منطقة السمارة، وهو ما يعني أن الرهان على تنمية السمارة وتحويلها إلى قطب جذب اقتصادي.
سادسا : التحضير لانطلاق معبر أمكالة، والقرار الموريتاني بفتح معابر أخرى يعني التنزيل الفعلي للمبادرة الأطلسية التي تناهضها الجزائر التي من الواضح أنها مستمرة في فقدان المزيد من أوراقها القذرة، وفي مقدمتها التهديد بغلق معبر الكركرات وابتزاز موريتانيا في استقرارها وانتهاك اتفاق اطلاق النار مع المغرب (نونبر 2023)، وتحريض التحالف الانفصالي- الإرهابي- الإجرامي على استهداف المؤسسات الاستراتيجية والأمنية بالمغرب، فضلا عن محاولة الاستمرار في زرع القلاقل والتفرقة في بعض بلدان الساحل والتدخل في سيادتها ومحاولة فرض أجندتها الإقليمية عليها، على غرار التدخل في مالي والنيجر، ومحاولة تأسيس اتحاد مغاربي بدون المغرب.
سابعا : يمكن إدراج تأسيس معبر أمكالة في قائمة المكاسب الدبلوماسية التي حققها المغرب طوال السنوات الأخيرة، على المستوى الإقريقي والدولي، والتي تكرس الاعتراف الصريح لمجموعة من القوى الدولية الكبرى بمغربية الصحراء وسيادته المطلقة عليها..
ثامنا : إنجاز الطريق الرابطة بين السمارة وموريتانيا عبر أمكالة، رفع سقف حلم المغاربة عاليا، عبر انتصاب أصوات تطالب السلطة العمومية بفتح مطار السمارة في وجه الطيران المدني . إذ في حالة تحقق هذا المطلب سيتم فك العزلة الجوية عن العاصمة الروحية للصحراء وجعلها على مرمى حجر من كل المدن المهمة مغربيا وأجنبيا، مما سيرفع من جاذبيتها.
تاسعا : فتح معبر أمكالة، فتج شهية المغاربة للمطالبة بربط السمارة بمدن الشرق الحدودي للمغرب (أسا، طاطا والراشيدية)، عبر استكمال المقطع الطرقي الرابط بين المحبس بإقليم اسا الزاك والحوزة (عبر اجديرية) بإقليم السمارة.
عاشرا : فتح معبر أمكالة، وإن كان ذا بعد جيواستراتيجي، فإن المغرب مطالب باستنساخ نجربة معبر أمكالة، لفتح معبر بري حدودي ثالث مع موريتانيا انطلاقا من بئر انزاران عبر كليبات لفولة. هذا المطلب إن تحقق سيكون ترجمة لليمد الممدودة من المغرب لمصالحة دول الساحل مع المحيط الأطلسي من جهة وسيكون آخر مسمار يدق في نعش دولة العصابة من جهة أخرى.
تفاصيل أوفي تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"