تعد الصحافة مرآة تعكس نبض المجتمعات، ومقياسا دقيقا لمدى حيويتها وديمقراطيتها. فهي ليست مجرد وسيط لنقل الأخبار، بل تُؤدي دورا حاسما في التثقيف والتوعية وتشكيل الرأي العام، كما تساهم في تعزيز النقاش العمومي والحوار المجتمعي التعددي. وبدون إعلام حر ومستقل ومسؤول، تصبح الديمقراطية مجرد شعارات جوفاء، تفتقر الى الآليات الكفيلة بترجمتها على أرض الواقع.
إن الصحافة ليست فقط ناقلًا للأحداث، بل هي ركن أساسي من أركان الديمقراطية، إذ تفضح الفساد، تكشف الخروقات، تراقب السلطة، تنقل هموم المواطنين بموضوعية وتواكب التحولات بمهنية عالية. لكن عند مقاربة هذا الدور النظري بالواقع المغربي، نجد أن الإعلام محاصَر بتدخلات متعددة تعيق قيامه بهذه الوظائف الجوهرية، مما يضعف فرص ترسيخ تجربة ديمقراطية حقيقية.
لقد بدأ تدخل الدولة في الإعلام المغربي منذ النصف الثاني من الثمانينات، حين تم الترويج لصحافة مُوجّهة تحت مسمى صحافة "المواطن السياسي"، بهدف كبح ولادة صحافة حرة ومستقلة. تفاقم هذا النهج في التسعينات عبر آليات أكثر تعقيدا للتحكم في المشهد الإعلامي، من رقابة صارمة إلى تقييد تدفق المعلومات.
مع نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة، شهد المغرب انتعاشًا صحفيًا غير مسبوق، حيث برزت تحقيقات استقصائية جريئة وملفات ساخنة وحوارات غير مسبوقة... غير أن هذا الحراك لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما تم تطويقه بأساليب متعددة، من التضييق المالي بحرمان الصحف المستقلة من الإعلانات، إلى المتابعات القضائية، ثم إغلاق بعض المنابر الإعلامية... وعشنا حينها موسم هجرة بعض الصحافيين الى الشمال.
وفي ظل هذا التراجع، جاء دستور فاتح يوليوز 2011 كلحظة استثنائية متميزة في تاريخ المغرب ليُعلن عن عهد جديد لحرية الصحافة، من خلال تأكيده على حرية الاعلام والتنظيم الذاتي للمهنة، وهي خطوة اعتبرت واعدة في البداية وتمت المراهنة عليها لتنظيم المهنة وإصلاحها وتطويرها، لتصبح كباقي المهن لها ضوابطها التنظيمية والمهنية والأخلاقية لتتحول إلى سلطة حقيقية. لكن سرعان ما خابت الآمال، بسبب الحسابات الضيقة والصراعات الشخصية، ليبقى القطاع عالقًا في مأزق بين التنظيم الموعود والفوضى المستمرة ويدخل مرحلة الغموض والمؤقت.
لقد أدى استمرار التدخلات في المشهد الإعلامي إلى خلق انقسامات حادة: بين من يدعو إلى تكميم الأفواه تحت ذريعة محاربة التشهير وتطهير المشهد من المحتوى الرديء، وبين من ينادي بحرية الصحافة واستقلالها كشرط أساسي للديمقراطية، وبين تيار ثالث يسعى إلى تنظيم المجال المهني والارتقاء بجودة المنتوج الإعلامي... هذه التجاذبات أدت إلى تراجع الأداء الإعلامي، بدل أن تكون رافعة لتطويره.
في خضم هذا الصراع ونتيجة لهذا الفراغ ضاع دور الإعلام كرافد للديمقراطية، وظهرت منصات إعلامية خارجية ملأت الفراغ الداخلي ووجدت بيئة خصبة لاستقطاب ملايين المغاربة، مستغلة غياب إعلام وطني قادر على تقديم محتوى جاد وذي مصداقية. الأسوأ من ذلك، أن بعض هذه المنصات باتت تخدم أجندات أجنبية، تُوجه خطابها ضد مؤسسات الدولة ورموزها، وتنشر صورة قاتمة حول "المغرب الحقوقي" غير مبالية بما تحقق من مكتسبات ديمقراطية هامة، إذ لا تنظر في الكأس إلا نصفه الفارغ.
إننا اليوم نحصد نتائج ما زرعناه خلال عقود من التدخل في قطاع الإعلام، حيث لا تمتلك الصحافة المغربية أي حضور إقليمي أو دولي يضاهي مؤسسات إعلامية من دول أخرى. بينما نجد مصر تمتلك "الأهرام"، وفرنسا لديها "لوموند"، وإسبانيا تُصدر "إل باييس"، والولايات المتحدة تهيمن بصحف مثل "واشنطن بوست"، في حين يفتقر المغرب إلى وسائل إعلامية قادرة على المنافسة إقليميا أو عالميا، والدفاع عن قضاياه الوطنية العادلة والمشروعة دوليا رغم ما تحتاجه إلى ترافع إعلامي قوي. هذا دون أن نتحدث عن إعلامنا السمعي البصري الذي لازال، مع الأسف الشديد، خارج التاريخ.
إن تحقيق ديمقراطية حقيقية يمر حتما عبر تحرير الصحافة وضمان استقلاليتها. المطلوب اليوم ليس فرض المزيد من القيود أو التحكم، بل توفير بيئة مهنية سليمة تحترم أخلاقيات الصحافة، وتضمن تعددية الأصوات، وتتيح للإعلام مواكبة النقاش العمومي والحوار المجتمعي التعددي بحرية ومسؤولية. بدون ذلك، ستظل الديمقراطية المغربية التي ينشدها المغاربة مشروعًا غير مكتمل، وسيبقى الإعلام الوطني عاجزًا عن أداء دوره الحيوي.
إن تعطيل دور الإعلام هو في جوهره تعطيل للديمقراطية ذاتها. وغياب صحافة حرة يعني استمرار الخطاب الإصلاحي في إطار الوعود غير المُنجزة، بينما يظل المواطن مبعدًا عن مراكز القرار الحقيقي.
آن الأوان لتحرير الإعلام من القيود التي تكبله، وتحويله إلى قوة دافعة نحو التغيير المنشود، حيث تُصبح الصحافة سلطة حقيقية، لا مجرد أداة في يد السلطة.