عاش بعيدا عن الأضواء في حياته الاجتماعية كما السياسية والنقابية والمهنية.... ظل قابضا على قيمة الجدية، منتصرا ومترجما لها في سلوكه اليومي حيثما تواجد... ظل ثابتا على انتمائه للمدرسة السياسية التي تواجد في صفوفها زمن الجمر والرصاص.....ثابتا على الفكرة لأن الفكرة لا تموت، مبتعدا عن الإطار بعد أن حدث ما حدث لهذا الأخير .... نتحدث هنا عن مربي الأجيال الفقيد سي بوشتى الزيتي الذي ودعناه يوم الأحد 2 مارس إلى مثواه الأخير في محفل مهيب ، حيث سار وراء نعشه قوس قزح من الفعاليات السياسية والنقابية والجمعوية...
كان أول ما تذكرته وخبر رحيله ينزل على أفراد أسرته كما على من عاشوا قريبا منه في فترات متفرقة من حياته، هو مواظبته على حضور الاجتماعات التي كان ينظمها الحزب الذي جمعنا سقفه، ومشاركته في لقاءاته العمومية، وانضباطه الصارم ولكن بوعي، لكل القرارات الصادرة عن أجهزة الحزب، أو أجهزة النقابة القطاعية والمركزية، التقريرية أو التنفيذية ... الحديث عن انضباط الفقيد يقودني لموقف اتخذه المرحوم في فترة ارتفع فيها منسوب اصطدام الدولة مع الحركة الاتحادية ، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي كانت حديثة التأسيس، ونجحت في مصالحة الطبقة العاملة ومنها الشغيلة التعليمية مع أدوار المركزيات النقابية في الانتصار لجدلية النقابي والسياسي...
أعلنت النقابة عن خوض معركة نضالية من أجل تحقيق مطالب مشروعة... دعم الحزب قرار الإضراب ... كشرت السلطة عن أنيابها بحيث رفعت من منسوب قمعها الذي وصل إلى حد قطع أرزاق الكثير من الاطارات النقابية، غالبيتهم كان انتماؤهم للحركة الاتحادية تاجا فوق رؤوسهم ...الفقيد سي بوشتى الزيتي الذي كان فارق السن بيننا كبيرا، هو أستاذ التعليم الابتدائي، وعبد ربه هذا في بداية حياته الطلابية، واجه الآلة القمعية بهدوء وبذكاء ... انخرط في الاضراب بدون ضجيج في لحظة ارتعشت فيها فئة عريضة من زميلاته وزملائه... اختار الفقيد أن يقضي يوم الإضراب بجبل بوهلال، متمتعا من أعلى قمته بمناظر الطبيعة التي كان يكسوها الربيع ... توقع الجميع بأن الفصل من الوظيفة سيطاله كما طال غيره... لكن ربما حكمة الرجل وتبصره وهدوئه كلها عومل مجتمعة جعلت قلم السلطة يجف مداده قبل التوقيع على قرار قطع رزقه ...
هذا هو الفقيد سي بوشتى الزيتي الذي ودعناه اليوم بدار الضمانة / وزان، ولم يبدل تبديلا... ظل قابضا على الفكرة ما دامت الفكرة لا تموت ...بعيدا عن الإطار ما دام الإطار حدث به ما حدث رحم الله الفقيد برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جنانه، صادق العزاء والمواساة لذويه وأهله وأقاربه و زميلاته وزملائه وأصدقائه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.