الأربعاء 22 مايو 2024
كتاب الرأي

عبد الرفيع حمضي: تونس.. وَمَعِدَةُ الجزائر

 
 
عبد الرفيع حمضي: تونس.. وَمَعِدَةُ الجزائر عبد الرفيع حمضي
الصورة التي تم تعميمها يوم  الاثنين 22 أبريل 2024، عن اللقاء الذي احتضنته تونس العاصمة، بعدما  استضاف الرئيس قيس سعيد في قصر قرطاج -وهو في نهاية  ولايته الأولى كل من عبد المجيد تبون الذي بدوره أعلن عن انتخابات رئاسية ملغومة وسابقة لأوانها،في بداية شتنبر، لينهي  بها ولايته الأولى. كما استقبل  أيضا رئيس المجلس الرئاسي (رئيس ليبيا المؤقت) محمد يونس بشير بوحويش المنفي. الليبي المولد والأمريكي الجنسية، وهو كذلك انتهت ولايته بعدما سبق الاتفاق  في شهر  ماي، ببوزنيقة خلال  الاجتماعات الليبية- الليبية للجنة  (6+6) المشكلة من مجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة، لإعداد القوانين الانتخابية حيث توافقت على إجراء الاستحقاقات  البرلمانية في دجنبر 2023، والرئاسية في يناير  2024.

هذه الصورة  المخدوشة الشرعية، أريد بها ان تعطي انطباعا وهميا لمواطني هذه البلدان بالداخل أساسا، أن العالم مقبل -وليس المنطقة فحسب - على  تحول جيو استراتيجي عميق بعد دردشة قرطاج . وكأنها قمة جمعت كبار العالم :التنين الصيني والكوباي الأمريكي والدب الروسي.

وحسب المجتمعين، "فإن اللقاء  كنظيره الذي انعقد بالجزائر في شهر مارس  يهدف إلى بحث الأوضاع الراهنة في المنطقة وسبل تعزيز الجهود المشتركة لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية  خاصة بعد الفراغ الذي أحدثه عدم فعالية اتحاد المغرب العربي المنشأ بمراكش سنة 1989 ."

إذن نحن أمام تكتل جديد بالمنطقة، ثلاثي وليس خماسي، رغم أن أحسن كسكس يعشقه شعوب المنطقة الخمسة هو الكسكس الخماسي المكون من خمسة أنواع من الحبوب  دون غيره.

وعليه فالثابت في العلاقات الدولية، أن التحالفات تبنى بإرادة الأطراف بناء على رؤية متقاربة ومن أجل تحقيق مصالح مشتركة  في أفق زمني متوسط  المدى أو بعيد المدى . وبالتالي فان كل التحالفات والتكتلات، التي أنشأت كرد فعل فقط أو بين دول كانت إرادة  البعض منها  (فيها نظر ). فهي لا تعدو،أن تكون هدرا للزمن السياسي  الثمين للشعوب ولا غير .

وبالتالي فاجتماع تونس وقبله الجزائر فهو بمنطق الرياضيات " معادلة بمجهولين equation à deux inconnus "وبالتالي فحلها  لا يتم إلا بطريقة التعويض substitution او combinaison linaire.

وعليه فالمعلوم عندنا في هذه المعادلة  هو أن النظام الجزائري، نظام عسكري مواقفه تراكمية،مصدر وبنية الحكم فيه تابثة، وعلى خط  متواتر منذ 1962، وان تغيرت الوجوه والأسماء  والألقاب والنياشين .!.

أما المجهول فهو هل يٌقَدَّرٌ الرئيسان التونسي والليبي خطورة هذا الارتماء في أحضان  تبون؟ وهما اليافعان القادمين إلى الحكم بدعم  حناجر الضعفاء المغرر بهم، الناقمون  على النظامين السابقين .مع أنهما   خَبَّرَا  وجربا جنرالات قصر المرادية لمدة نصف قرن وزيادة.

ألم يصيح العقيد معمر القدافي  (بالفم المليان ) وفي تجمع جماهيري حاشد منقول مباشرة على وساءل الإعلام وغير بعيد عن السفارة الجزائرية بالعاصمة الليبية  طرابلس "أن الجزائر صنيعة فرنسية ".

‎وفي السبعينات طالبها العقيد  باستعادة الأراضي المتنازع عليها، الواقعة على طول الشريط الحدودي الممتد بين حوض غدامس والحدود مع دولة النيجر، باعتبارها أراضي كانت تابعة إلى  المملكة الليبية.وهذا ما أخر الحديث عن أي نقاش حول ترسيم الحدود لغاية ،محاولة قام بها الرئيس اليامين زروال مع القذافي، بين  1995 و1997، لحثه على الاعتراف بوضع الحدود بين البلدين. 

وفي ليلة الإعلان عن تنظيم الانتخابات التشريعية في الجزائر اكتوبر 97  أعلن صاحب الكتاب الأخضر ،، "أنه لا يعترف بالحدود الموروثة عن الاستعمار ".

وحتى بعد سقوط نظام الفاتح في الجماهيرية العربية الشعبية الاشتراكية العضمى عاتب وانتقد الحكام الجدد في ليبيا النظام الجزائري الذي بقي مساندا للعقيد إلى آخر لحظة وايضاً لكونهم  فتحوا الحدود وسهلوا فرار رجال القدافي بعتادهم وأموالهم .لكن سرعان ما انقلب الوضع واستقبل الجينرالات  بقصر المرادية الإسلامي مصطفى عبد الجليل  استقبال الرؤساءهذه هي الجزائر.

أما أهل تونس الخضراء، الذين حافظوا دائما على حيادهم في كل نزاعات المنطقة. بما فيها قضية وحدتنا الترابية أيام الحبيب بورقيبة وزين العابدين بنعلي والمرزوقي والباجي القايد السبسي - اتقاءً لشر النظام الجزائري  بالدرجة الأولى.

فليت قيس سعيد  يتذكر ولا ينسى إن بورقيبة وما أدراك ما بورقيبة .حين طلب منه الهواري بومدين  -المعروف بعجرفته -إقامة وحدة بين الجزائر وتونس ،فرفض الحبيب العرض قائلا "إن الجزائر بلد ضخم بصحرائه ونفطه وغازه وشعبه وأنا أخشى على تونس أن تبتلعها معدة الجزائر".

وفي يناير 1974 عندما أعلنت تونس وليبيا عن وحدتهما بدون علم الجزائر اتصل بورقيبة  بالهواري بومدين هاتفيا ،يطلب منه أن يلتحق بالوحدة -يقول الأكاديمي والصحفي جعفر البكلي - فَبَدت نبرة صوت بومدين جافة  ومتوحشة وخيم صمت ثقيل لبرهة بين الرئيسين قائلا لبورقيبة " إن الجزائر لا تمتطي القطار وهو يسير وأن ما صنعته بالأمس مع القدافي ستكون له عواقب غير متوقعة بالنسبة للمنطقة كلها " وانقطعت المكالمة.

كما يروي الجزائريون أنفسهم بافتخار عن حكاية حصلت في أواخر الستينات حيث كانت بعض أرياف منطقة الكاف التونسية تُزَوَدُ بالطاقة الكهربائية من سوق (أهراس )في الجزائر، وبدل أن يحمد بورقيبة لجيرانه كرمهم  حسب قولهم، قال ذات مرة في مجمع خاص " إن سوق أهراس في الأصل تونسية " -(وهي بالفعل كذلك )-ووصل ما قاله رئيس تونس إلى بومدين فغضب وأمر بان تقطع الكهرباء على المناطق التونسية وحينئذ  لم يجد الرئيس بُدا (رأفة بشعبه ) من الاعتذار لبومدين فأمسك سماعة الهاتف وقال له مستعطفا بلهجة تونسية " تَوَا يا خويا بومدين من كليمة ولينا فظليمة "
هذه هي الجزائر وهؤلاء هم حكام الجزائر.
أما قيس والمنفي فهما مجردا قوس فتحته الجزائر لتغلقه في أول منعرج بسيط .