الأربعاء 17 إبريل 2024
كتاب الرأي

بنطلحة الدكالي: الجزائر هي من يتخذ من عداء المغرب عقيدة وإيديولوجية ثابتة

بنطلحة الدكالي: الجزائر هي من يتخذ من عداء المغرب عقيدة وإيديولوجية ثابتة محمد بنطلحة الدكالي
تخضع عملية صنع القرار السياسي الخارجي لسلسلة من الإجراءات والتفاعلات بين الأنساق السياسية، وهي تتضمن تحديد الأهداف والمصالح القومية، واتخاذ القرارات اللازمة لوضعها موضع التطبيق من خلال أدوات تنفيذ السياسة الخارجية. ومن أشهر التعريفات في هذا المجال، تعريف ريتشارد سنايدر (Richard Snyder)، حيث يعرف هذه العملية بكونها اختيار بديل من البدائل يخضع لتوجيه فريق العمل والمستشارين الذين يوضحون مآل كل بديل، وما يترتب عنه. وقد تختلف عملية صناعة القرار من دولة لأخرى حسب تركيبة النظام السياسي، إلا أنه رغم هذا الإختلاف فإن هناك مبادئ مشتركة في صنع السياسة الخارجية، كما أنها لا تكون أحادية الجانب وتوقيفية النظر، أو تغرف من جيوسياسة ميتافيزيقية أدت بكثير من الأنظمة السياسية إلى الهلاك.وقد اختلفت آراء الباحثين في تقسيم قرارات السياسة الخارجية، حيث نجد مثلا أن ويليام كوبلن (William Caplin) قد قسمها إلى ثلاثة أقسام، القرارات العامة وهي بعيدة المدى، والقرارات الإدارية وهي محدودة الأجل، وقرارات الأزمة وهي تنجم عادة نتيجة لعمليات التفاعل بين الدول. ونجد أن عملية صنع القرار، تستشرف المستقبل، حيث تهدف إلى التمكن من السيطرة عليه، كما أنها تهدف إلى مساعدة صانعي القرار على اتخاذ قرارات وسياسات رشيدة من أجل استباق الأزمات ومنع حدوثها. نتحدث هنا عن الإستشراف الإستراتيجي والذي يمثل استباقا يستعد للفعل «Preactive» ويستحدث الفعل «Proactive» وينير العمل الحاضر بناء على ضوء المستقبلات الممكنة والمأمولة، وفق الخيارات الاستراتيجية. ويأتي سياق هذا الكلام، عقب  التصريح المستفز واللامسؤول للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مؤخرا حول تقزيمه لمفهوم منطق العقل أولا وثانيا الإدعاء أن المملكة المغربية تستعمل منطق القوة وثالثا أنها لا ترغب في إيجاد حل! .اننا نعيش زمن عولمة الصورة والمعلومة، والعالم يشهد أن الجزائر هي من تقود حملة مسعورة تجاه المملكة المغربية وخرجت بذلك عن كل منطق أو عقل سليم يستحضر الدم والدين والتاريخ المشترك حتى غدا اسم المغرب يشكل هوسا مرضيا لجيراننا شافاهم الله، والجزائر هي من يتخذ من عداء المغرب عقيدة وإيديولوجية ثابتة، تلقن في المدارس والجامعات وصدق من قال: «مواقف مسؤولي الجزائر تجاه المغرب لا يمكن تحليلها من داخل نسق علم السياسة بل من منظور علم النفس المرضي» .ان هذا التصريح ينم عن نرجسية مفرطة بالذات، وحقد مرضي تجاه المملكة المغربية، ولا يعبر عن بعد نظر لدلالات مثل هذا الكلام والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه بالنسبة لشعوب المنطقة، بل يتمادى في زيادة التوتر والتصعيد، ويظهر نوايا حكام الجزائر لإطالة زمن النزاع خدمة لأجندة دولية معروفة. إن مستقبل الشعوب متعدد وغير محدد، وهو مفتوح على تنوع كبير من المستقبلات الممكنة، وبالتالي لا يمكننا الركون إلى حتمية «اللاعودة» في التخطيط لمستقبل الشعوب، مع العلم أن مثل هذه الأخطاء في التحليل والتوقع، يجب أن نتعامل معها بحذر، رغم كونها توقعات عشوائية، لأنها تعكس سلوكيات حكام الجزائر التي تغرف من يقينيات وهمية، مستحضرين خلفيات هذا التصريح. ومع ذلك، ستبقى يد المغرب ممدودة للسلام وهو في كامل استعداده وجاهزيته لكل الإحتمالات. لقد سئل يوما ألبرت آينشتاين: لماذا يبدي اهتماما بالمستقبل، قال: «ببساطة لأننا ذاهبون إلى هناك»
قدر الشعب الجزائري الشقيق أن يعيش تحت وطأة التوظيف السياسوي لنظرية المؤامرة، حيث أصبحت تلاحقهم في كل مكان، لا تخلو منها وسائل الإعلام وفي نقاشات وخطابات الساسة وحتى في أحاديث البسطاء من المواطنين، فكل الأعطاب السياسية والإقتصادية والإجتماعية يجري تطويعها لكي تتسق مع التفسير التآمري، دون الإستناد على أدلة ملموسة، بل انه في بعض الأحيان يتم التناقض تماما مع المنطق والعقل السليم، وذلك بغية التهرب من المسؤولية نتيجة ممارسات خاطئة من جانب الحكام الذين عاثوا في الأرض فسادا. هكذا يلقون بالتهمة على أطراف خارجية بدعوى التآمر، حيث أن الأزمة الإقتصادية والإجتماعية التي تضرب البلاد مؤامرة خارجية هدفها “تركيع الجزائر العظمى” وغلاء السلع وندرة المواد الاستهلاكية مردها إلى” مؤامرة خارجية” والطوابير “تحريض أجنبي يحاك ضد القوة الضاربة” أما الحراك الشعبي فيصوره إعلامهم على أنه “مؤامرة تم تدبيرها ” وللتغطية على الفشل في إدارة أزمة الحرائق تم :تحميل أطراف أخرى خارجية مسؤولية اندلاع الحرائق واستمرارها “رغم أن القوة الضاربة لا تتوفر ولو على طائرة يتيمة لاخماد الحرائق بل تم الزج بشهيد قربانا للنار المقدسة… ونجد أن عدم صلاحية جودة عشب الملاعب الكروية الذي أصبح موضوع سخرية في الإعلام العالمي أرجعوه هو الآخر لنظرية المؤامرة، بينما البلاد تشتعل وتسير بخطى مسرعة نحو الهاوية، لقد أثارت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن بعض «المتربصين بالجزائر» كأنهم من كوكب آخر سخرية واسعة على مواقع التواصل الإجتماعي، واليوم يعيش أشقاؤنا المغلوبون على أمرهم بالجزائر على وقع فدلكة مؤامرة جديدة تستهدف تحطيم منتخبهم الوطني لكرة القدم ابتدأت منذ الكأس الإفريقية الأخيرة حيث اختلط السحر والرقية الشرعية والحرارة والرطوبة والكاف والحكام والعين الشريرة والكولسة والجار لهزم منتخبهم. نعم إنهم جميعا يتآمرون على بلد الأربعين مليون شهيدا... وتجند لترويج شائعة هذه المؤامرة للشعب الشقيق العديد من الأبواق الإعلامية والسماسرة وتجار الكلام وأشباه المحللين ونافخي المزامير من أجل تلهية الأشقاء عن وضعهم البئيس، بل جيشوا العديد من المغرر بهم للتظاهر أمام مقر الفيفا رغم أنهم يعلمون أنهم يجرون وراء الريح!
ان نظرية المؤامرة هي  عبارة عن مسكنات ومهدئات ذات مفعول لحظي لجسد أتعبه التخدير والوخز، واذا لم يتدارك الأمر فإنه على أعتاب الانهيار التام لا محالة. لقد سبق للكاتب الجزائري نجيب بلحيمر أن تساءل حول هذا الوضع قائلا: «إقناع الجزائريين بأن كل مايرونه من سوء تسيير هو فعل أطراف سيكرس الاعتقاد باستحالة القضاء على تلك الأطراف الخفية، بل إن نظرية المؤامرة توحي بقوة خارقة لتلك الأطراف، تصبح معها كل مؤسسات الدولة تبدو عاجزة وفاشلة، وليس في العالم سلطة تريد أن ترسم البلد الذي تحكمه هذه الصورة المخيفة»!
اعتفد ان المواقف السياسية للدول تعتمد على حس استشرافي ينبني على معطيات ودراسات تمتح من الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي يراعي الظروف الجيوسياسية سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي وينتهج سياسة التعاون وحسن الجوار واحترام سيادة الدول، انطلاقا من مبدأ «الفعل» الإستباقي. اما سياسة «رد الفعل»، فهي تكون دوما متسرعة لأنها تأتي دوما دون تفكير أو تخطيط، لذلك يُنصح القادة السياسيون بالإبتعاد عن سياسة «رد الفعل» لأنها تكون نوعا من الدفاع في لحظة ضعف، لذا تخضع للمزاجية 
والإنفعال والتسرع، وغالبا ما تكون عواقبها وخيمة كما يعلمنا تاريخ الأنظمة السياسية.ونجد سياسة «رد الفعل» تبرز بشكل جلي في أسلوب الممارسة الدبلوماسية للنظام الجزائري خاصة تجاه المغرب، حيث أصبح هذا النظام يتبنى سياسة خارجية عشوائية فاقدة للبوصلة السياسية خاصة بعد الهزائم الدبلوماسية المتتالية مما بدأ يظهر بشكل جلي ضعف هذه الدولة وعزلتها وفشل تحركاتها على المستويين الإقليمي والدولي. فثمة رعب كبير ينتاب حكام الجزائر تجاه كل مبادرة مغربية سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، وباتت تشكل لهم الانتصارات الدبلوماسية للرباط كابوسا مزعجا.
لقد قضت مضجعهم مبادرة عاهل البلاد الملك محمد السادس بتمكين دول مجموعة الساحل الإفريقي من الإستفادة من المحيط الأطلسي وفق مشروع استراتيجي من شأنه تمكين دول الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) من الدخول مباشرة إلى المحيط الأطلسي لتسويق منتجاتها وتحقيق تنمية شاملة لمواطنيها، وهو ما يتماشى مع سياسة مغربية تبحث عن تمكين هذه الدول من التحكم في ثرواتها ومستقبلها من خلال التعاون جنوب- جنوب الذي يقوم على أساس شراكة رابح- رابح، والتي ستوفر فرصا كبيرة للتحول الإقتصادي بالمنطقة مما سيساهم في التنمية الشاملة للمنطقة وتسريع التواصل الإقليمي والتدفقات التجارية. إنها رؤية استراتيجية خلاقة تنهل من الأفكار السديدة لملك البلاد ومن قواعد الفعل الدبلوماسي المغربي المتسم بالتعاون الإيجابي وعدم التدخل في شؤون الدول، وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة لدول الساحل التي تربطها مع المملكة المغربية علاقات وطيدة على مر التاريخ. وفي إطار سياسة «رد الفعل» الإنفعالية، والتي تغرف من الرومانسية الحالمة كما في سرديات قصص الخيال، يطالعنا عبد المجيد تبون بخبر إعلان دخول بلاده «رسميا» في إنشاء «مناطق حرة للتبادل» بينها وبين كل من موريتانيا ومالي والنيجر، كما دعا إلى تعزيز الجهود لتحقيق التكامل والاندماج القاري! 
والآن يتكلم تبون عن نية بلاده في إطار سياسة رد الفعل طبعا تأسيس كيان بديل للإتحاد المغاربي يضم تونس وليبيا.
جميل اذن  أن نتكلم عن السوق الحرة والتكامل الإقتصادي و... كثير من كلام الليل الذي يمحوه نهار الواقع، حيث فشل اتفاق النظام الجزائري لسنة 2015 والذي يعول عليه أصحاب القرار في قصر المرادية لإحكام قبضتهم وسيطرتهم على دولة مالي، مما أدى إلى نشوب أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين البلدين، كما أن دولة مالي وجهت اتهامات خطيرة للنظام الجزائري بكونه يتدخل في الشؤون الداخلية لباماكو. وفي الوقت الذي كشفت فيه الحكومة الجزائرية من جانب واحد قبول السلطات النيجرية رسميا وساطتها الرامية إلى بلورة حل سياسي للأزمة في دولة النيجر، سارع المجلس العسكري الحاكم، في أقل من 24 ساعة، لنفي موافقة نيامي على المبادرة الجزائرية، بل نقلت وكالة أنباء النيجر أن وزارة الخارجية تفاجأت من بيان نظيرتها في الجزائر. أما بالنسبة لهذا الكيان المغاربي البديل، نراه سيولد ميتا نظرا لعدم وضوح الموقف الليبي بين جميع فرقاء هذا البلد الشقيق، إضافة إلى أن تونس والتي يعتبرها للأسف معشر الكراغلة ولاية جزائرية، نجدها مقبلة على انتخابات رئاسية تزيد من الإنتباه إليها تلك الإشارت القادمة من المجتمع المدني والحقوقي والتيارات الحزبية المعارضة التواقة إلى فعل ديمقراطي من شأنه أن يعطي زخما للحياة السياسية بدولة تونس الشقيقة.
عطفا على ما سبق، نؤكد على أن الإندماج الإقتصادي يعني عدم التدخل في شؤون دول الجوار والإحترام الكامل لسيادتها وعدم استغلال ثرواتها، وأن التكامل هو نقيض للهيمنة، وتسريع عملية النمو الإقليمي لا يتم عبر بلاغات إنشائية وقصص حالمة تدعي أنها ستجعل من الجزائر وديانا من الحليب...! وسياسة «رد الفعل» غالبا تحكمها انفعالات عمياء... وتلك حال دول أصبحت تعيش مهازل سيحكيها التاريخ.