السبت 24 فبراير 2024
كتاب الرأي

عبد الرحيم الوالي: الطَّنْجِيَة والفلسفة

عبد الرحيم الوالي: الطَّنْجِيَة والفلسفة عبد الرحيم الوالي
أَطَلَّ عليَّ في الأيام الأخيرة إمامٌ شهير من أئمة المساجد، في شريط مرئي متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، لا ليتحدث عن مبطلات الوضوء، أو المكروه في الصيام، أو ما شاكل ذلك من الأمور التي يتحدث فيها أهل الدين عادةً. بل إن الرجل ظهر وهو يصف للناس كيف يقوم بإعداد "الطنجية". وحين سأله مُحَاوِرُه عن كمية اللحم التي يضعها في "الطنجية" كان الجواب هو أنه يضع فيها ست كيلوغرامات بالتمام والكمال. وليست الكيلوغرامات الست من أي لحم كان وإنما هي تحديدا من "الملج"، أي أنها من أجود ما تجود به الذبائح.

ست كيلوغرامات من اللحم الجيد معناها ستمائة درهم أو ما يزيد عنها إذا أخذنا بعين الاعتبار كل متطلبات "الطنجية". وحتى إذا ما افترضنا أن الإمام موظف لدى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية فإن أجرته ـ كأجرة سائر الموظفين العموميين ـ لا تخول له القيام بهذا المهرجان اللحمي المشهود. وعليه، فالتفسير الوحيد هو أن حضرة الإمام يمول "طنجيته" من أموال الأعطيات والإكراميات خاصة وأنه خرج ليعلن على رؤوس الأشهاد أن رئيس الحكومة الحالي، عزيز أخنوش، يفعل الخير في السر ويحسن إلى كثير من الناس دون أن يعلن ذلك. فالإمام ـ وأنا شخصيا أثق في شهادته وبها ـ لا يمكن أن يشهد إلا بما عَلِمَهُ عِلْمَ اليقين. وبما أن الإمام ليس ساعي بريد، ولا وكالةً لتحويل الأموال، فلا سبيل له للاطلاع على الخير والإحسان الأَخْنُوشِيَيْن، السرِّيَيْن، إلا إذا كان واحداً من المستفيدين منهما. والأكيد أنه لا يستفيد منهما فقط ما دام في البلادِ أَخَانِيشُ كثيرون لا يترددون في إكرام الأئمة و"الشيوخ".

لا يهمنا هنا أن وضع ست كيلوغرامات من "الهبرة" الخالصة دفعةً واحدةً في "الطنجية" يندرج في خانة الإسراف والتبذير المنهي عنهما شرعاً وبمقتضى النص القرآني الصريح. ولا يهمنا أن التصريح بذلك، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بلد ما يزال يضرب فيه الفقر والهشاشة الأطناب، يدخل في خانة التفاخُر والتبجح والخُيَلاء وإيذاء مشاعر الفقراء والمحرومين. وهي كلها أمورٌ مكروهة في الدين. ولكنْ، يهمنا بالمقابل أن الإمام ليس حالة معزولة في البلاد. بل إن هنالك جيشاً عرمرماً من محترفي "البِزْنِس الدِّيني" الذين ينعمون بوضع مماثل، ويرْفُلُون في رغد العيش، ويتقلبون في النعمة ذات اليمين وذات الشِّمال، بفضل "الأَخَانيش" الذين ليس رئيس الحكومة إلا واحداً منهم، أو لنقل إنه كبيرُهُم.
 
وهؤلاء الذين يشملون بسابِغِ كرمهم وعظيم رضاهُم أولئك "الشيوخ المفترسين" لم نسمع عنهم حتى الآن ـ مع الأسف الشديد ـ أنهم أنشأوا مؤسسة لدعم التلاميذ والطلبة المتفوقين، وتوجيههم إلى كبريات الجامعات العالمية لاكتساب معارف العصر وعلومه وتكنولوجياته، والعودة بها إلى أرض الوطن لتستفيد منها البلاد والشعب. ولا نحنُ سمعنا أن أَخَانِيشِنَا الأعزاء قد أنشأوا "هولدينغ" تُخصَّصُ أرباحُه لتمويل مشروع وطني كبير لإنشاء المختبرات العلمية ضمن رؤية استراتيجية لتحقيق إقلاعٍ علمي في البلاد. بل إن كُلَّ كرمهم الحاتمي مُنْصَبٌّ على ملء بُطون "الأئمة" و"الشيوخ" الذين يعيش أغلبُهم خارج العصر، ويشككون في نتائج العلم بكامل الجهل والجهالة، ويحاربون تدريس الفلسفة وكل ما من شأنه تنمية التفكير العقلاني والحس النقدي لدى الناشئة. وما ذلك إلا لأنهم يعرفون أن المجتمع المؤمن بالعلم، والمتشبع بروح الفلسفة، لن يعتبر "الشيخ" ولا "الإمام" ضمن خانة "العُلَمَاء"، وسيُبقيه في حدود دوره المحصور في الإشراف على أماكن العبادة وما يتصل بها.

ولا شك أن مجتمعاً من هذا الطراز لن يسمح باستشراء الفساد، ولا بانتشار الظلم، ولا يمكن أن تحكمه الخرافة. ومتى تحرَّرَ المجتمع من الفساد والظلم والخرافة فلن يكون بمقدور "الإمام أبي طنجية المراكشي"، وكل مَنْ كان على شاكلته ومنواله، أن يأكل إلا من عرق جبينه. ففي الدولة المعاصرة لا يمكن أن تتقاضى راتباً من المال العام فقط لأنك تصلي لأن الصلاة أجرُها عند الله لا عند الدولة. وليس من العدل أن ينتظر عامة المؤمنين إلى يوم القيامة لينالوا أجر صلاتهم من ربهم حسنات، بينما ينال "الأئمة" و"الشيوخ" الطَّنجيون أجر صلاتهم، في الدنيا قبل الآخرة، رواتبَ من المال العام وإكرامياتٍ من الأَخَانيش، ثم يطالهُم ثوابُ ربهم بعد ذلك في آخِرَتِهِم أيضا، فيتقاضون أجر صلاتهم ضعفين.
وإلى أن يستيقظ فينا صوتُ العقل سنظل فريسةً بين الأخانيش والطنجيين، وسيظل الإمام أبو طنجية المراكشي وأمثالُه في نظر الحُشُود "عُلَماء"!