السبت 24 فبراير 2024
كتاب الرأي

اسماعيلي: المغرب يسير نحو المجهول بعد قرصنة العمل الرقابي، ولابد من معالجة الوضع قبل فوات الآوان

اسماعيلي: المغرب يسير نحو المجهول بعد قرصنة العمل الرقابي، ولابد من معالجة الوضع قبل فوات الآوان نذير اسماعيلي
من‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬لا‭ ‬يتمتع‭ ‬بسلط‭ ‬حقيقية‭ ‬وهو‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الصبغة‭ ‬الاستشارية‭ ‬وصبغة‭ ‬إصدار‭ ‬التوصيات،‭ ‬فهو‭ ‬جهاز‭ ‬مراقبة‭ ‬يحمل‭ ‬طابعا‭ ‬معنويا‭ ‬وأدبيا‭ ‬وحتى‭ ‬سياسيا،‭ ‬حيث‭ ‬ألحقت‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬بمداخيل‭ ‬الدولة‭ ‬وكذا‭ ‬بالقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطنين‭ ‬مقابل‭ ‬الزيادات‭ ‬المهولة‭ ‬للمحروقات‭. ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬علينا‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬إقرار‭ ‬مسطرة‭ ‬قضائية‭ ‬حقيقية‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬جبائي‭ ‬وتقويمي‭ ‬وبيداغوجي‭ ‬تمكن‭ ‬القضاء‭ ‬من‭ ‬لعب‭ ‬دوره‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬الأمور‭ ‬الى‭ ‬نصابها‭. ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬مؤسسات‭ ‬البلاد‭ ‬تشتغل‭ ‬بشكل‭ ‬واقعي‭ ‬وجوهري‭ ‬وواضح‭ ‬وله‭ ‬أثر‭ ‬ولا‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬التنديدي‭ ‬والمعنوي‭ ‬والفكري،‭ ‬ولهذا‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يكتسي‭ ‬عمل‭ ‬مجلس‭ ‬المنافسة‭ ‬دلالات‭ ‬حقيقية‭ . ‬لدينا‭ ‬قانون‭ ‬لحماية‭ ‬المستهلك‭ ‬وقانون‭ ‬يتعلق‭ ‬بحرية‭ ‬الأسعار‭ ‬والمنافسة،‭ ‬ومجموعة‭ ‬من‭ ‬المقتضيات‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬مع‭ ‬الأسف‭ ‬غير‭ ‬مفعلة،‭ ‬ففي‭ ‬يتعلق‭ ‬بالرقابة‭ ‬فهذا‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬أدوار‭ ‬الحكومة‭ ‬وكذا‭ ‬البرلمان‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المهام‭ ‬الموكولة‭ ‬له‭ ‬دستوريا‭ ‬سواء‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الأسئلة‭ ‬البرلمانية‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬لجان‭ ‬التقصي‭. ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تفعيل‭ ‬أدوار‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمقتضيات‭ ‬القانونية‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأدوات‭ ‬الرقابية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬القوانين،‭ ‬ولذلك‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬توفر‭ ‬إرادة‭ ‬التقويم‭ ‬والبناء‭ ‬والإرادة‭ ‬المواطنة‭ ‬أو‭ ‬الإرادة‭ ‬الجدية‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تظل‭ ‬المؤسسات‭ ‬والقوانين‭ ‬مجرد‭ ‬حبر‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذر‭ ‬الرماد‭ ‬في‭ ‬العيون‭. ‬هناك‭ ‬إمكانيات‭ ‬تنزيل‭ ‬واستيفاء‭ ‬الغرامات‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬ضخ‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬كي‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬إكمال‭ ‬مشاريعها‭ ‬المعلقة‭. ‬للأسف‭ ‬فنحن‭ ‬نعاني‭ ‬حاليا‭ ‬من‭ ‬معضلة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأدوات‭ ‬الرقابية‭ ‬وتوازن‭ ‬السلطة‭ ‬والمساءلة،‭ ‬فالأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬تخلت‭ ‬عن‭ ‬مهامها‭ ‬لكونها‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المواقع‭ ‬والتريع،‭ ‬فغلبت‭ ‬فكرة‭ ‬الامتياز‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الالتزام،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬المسؤولية‭ ‬عوضتها‭ ‬فكرة‭ ‬المحاباة‭ ‬وتوازن‭ ‬المصالح‭ ‬وغير‭ ‬ذلك،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكامة‭ ‬يبدو‭ ‬صوريا‭ ‬وأنتم‭ ‬تعلمون‭ ‬طبيعة‭ ‬تركيبتها،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬تخضع‭ ‬لمنطق‭ ‬الترضيات‭ ‬وهذا‭ ‬الواقع‭ ‬للأسف‭ ‬يهدد‭ ‬كل‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ونحن‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬الى‭ ‬مؤسسات‭ ‬تقوم‭ ‬بدور‭ ‬الضامن‭ ‬والموازن‭ ‬والمحافظ‭ ‬والمراقب،‭ ‬إذ‭ ‬اختلطت‭ ‬الأمور‭ ‬حاليا‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬يقومون‭ ‬بدور‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬المساءلة‭ ‬والمعارضة‭ ‬والتنديد،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المواطنين‭ ‬أصبحوا‭ ‬يلجئون‭ ‬للمحتويات‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬وهذا‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬جانب‭ ‬ايجابي‭ ‬فله‭ ‬جوانب‭ ‬سلبية،‭ ‬حيث‭ ‬يشكك‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬ويشكك‭ ‬في‭ ‬الثقة،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬بمثابة‭ ‬مقعدا‭ ‬جديد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمس‭ ‬هيبة‭ ‬كل‭ ‬المؤسسات‭. ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬الرجوع‭ ‬الى‭ ‬المؤسسات‭ ‬والى‭ ‬الاختصاصات‭ ‬وإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للعمل‭ ‬السياسي‭ ‬والعمل‭ ‬الرقابي‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدستورية‭ ‬والأحزاب‭ ‬السياسية،‭ ‬علما‭ ‬أننا‭ ‬نسير‭ ‬حاليا‭ ‬نحو‭ ‬المجهول‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قرصنة‭ ‬العمل‭ ‬الرقابي‭ ‬والذي‭ ‬ستكون‭ ‬له‭ ‬آثار‭ ‬سيئة‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬والسلوك‭ ‬السياسي‭ ‬وكذا‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬السياسية،‭ ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬يعد‭ ‬بمثابة‭ ‬مرض‭ ‬في‭ ‬التدبير‭ ‬الحكامي‭ ‬يشكل‭ ‬تربة‭ ‬للانحرافات‭ ‬والتجاوزات‭ ‬والظواهر‭ ‬غير‭ ‬المعلومة،‭ ‬ولابد‭ ‬من‭ ‬معالجته‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬
نذير اسماعيلي، أستاذ القانون العام بجامعة مولاي اسماعيل