الأحد 21 يوليو 2024
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: إصلاح منظومة التعليم يتطلب المعقول "ماشي النية"

إدريس الأندلسي: إصلاح منظومة التعليم يتطلب المعقول "ماشي النية" إدريس الأندلسي
تعقدت أمور سياسة التربية والتعليم ببلادنا منذ سنين وخصوصا حين انساقت حكومات إلى التعاقد.. وبقي على الهامش تلميذ أو تلميذة وأستاذة أو أستاذ ورب أسرة همه ضمان تعليم لفلذات كبده. من أخطأ الموعد مع الإصلاح ومن جعل من نظام التعليم في بلدنا مجالا لحل مشكلة معقدة اسمها "محاربة العطالة" عبر فتح بوابة التربية والتعليم لكل متخرج من جامعاتنا. مهنة المعلم والأستاذ لا يمكن أن تكون متاحة لكل من تخرج من تكوين جامعي.
وتظل الرهينة في معركة لي الذراع هي الأسرة ويظل المستوى التعليمي المتراجع هو النتيجة ويستمر الصراع من أجل حل مشاكل مادية مشروعة وتسكين وظيفي وصراعات جانبية وأخرى سياسوية عوامل إدخال التعليم إلى مستنقع كبير. صحيح أن معضلة التعليم عميقة ولكن كرامة الأستاذ تتطلب الكثير من العدالة في توزيع موارد الدولة. كيف سيتم الوفاء للمهنة والذي "كاد أن يكون رسولا" يعيش على الكفاف والكثير من الهشاشة.
في البدء وجب التذكير والتأكيد على أن مهنة التعليم أساسية في كل مجتمع أراد أن يدخل معركة النمو والتغيير والولوج إلى درجة التحضر والتنمية الحقيقية والاقتصاد الصاعد.
وثانيا، وجب التأكيد على أن مهنة التدريس والتعليم ليست مهنة من لا مهنة له. التعليم والتربية مهمة لها مقوماتها ومتطلباتها وكثير من المراحل التي يجب تجاوزها بمهنية وتكوين
وتداريب واختبارات. تم تخصيص حيز موضوعاتي وزمني لإشكالية التعليم والتربية في لجنة النموذج التنموي الجديد وانكب المجلس الأعلى للتعليم وأشياء أخرى مكلفة ماليا، على الموضوع دون أثر يذكر. تحول هذا المجلس إلى نوع من التباري حول قضايا هامشية بل وصراعات بين "فاعلين" لا فعل لهم في الواقع.
ويستمر العمل فيه بصفة رسمية وبدون مخرجات واقعية ذات أثر على تدبير قطاع حيوي يهم الآلاف من المعلمين والملايين من المتعلمين.
أصبحت القضية التعليمية
والتربوية ملفا، مجرد ملف، يستدعى للتفلسف في شأنه خبراء تعودوا على كتابة تقارير كبيرة الحجم متواضعة المضمون ومكلفة ماليا وغير ذات تأثير على قطاع حيوي. وهكذا توالى على كراسي المجلس الأعلى للتعليم برلمانيون ونقابيون ووزراء سابقون بلغوا من الكبر عتيا. والنتيجة كلام على الهامش تنظيميا وتربويا وفوضى في التعامل مع من يؤطرون العملية التربوية. بالأمس كان مفتش التعليم يسهر على تأطير عدد من المعلمين والأساتذة وكانت الاختبارات المهنية الحقيقية معيارا للترقي في السلم والدرجة. دخلت شبكات التأثير الحزبي والنقابي والعائلي والسلطوي لتكسر هيبة التنظيم التعليمي التربوي. وهذا واقع يعرفه من أخلصوا لمهنة مقدسة هي التعليم وكثير منهم كان ضحية لظلم واضح وضوح النهار. تمت ترقية من لم يشتغل وكثير الغياب أصحاب الشهادات المرضية طويلة الأمد وتم تجميد من قام بدوره طوال السنوات على أحسن وجه.ولكن هذا الأخير لم يكن عضو نقابة أو حزب أو تنسيقية.
واستمر تلاعب بعض الأساتذة بمستقبل التلاميذ. من جهة يؤججون الصراعات ويدعون إلى إنجاح الاضرابات ومن جهة أخرى يستغلون فترة الإضرابات لزيادة دخلهم عبر المدارس الخاصة والدروس الخصوصية.
الآباء يعرفون جيدا من يتخلف عن أداء الواجب المهني لأغراض انتهازية ويعرفون الأستاذ الذي يسكنه هم أداء مهمته التربوية في أحسن الظروف. وهذا الموضوع تتغاضى عن طرحه النقابات
والتنسيقيات لأنه محرج سياسيا واجتماعيا ومدمر لمسار تلميذ وأسرته.
وابتكرت حكومات متتالية حيلة التعاقد وربطها بالأكاديميات وإفراغها من كل الشروط الضامنة لاستقرار العملية التربوية. العاقل يرفض التعاقد مثلما يرفض ولوج أي أحد لمهنة التعليم دون الخضوع للامتحان. ولكن الوضع الاجتماعي ووقعه على ممارسة السياسة أوقع بعض المسؤولين في غلطة خلق اطارين لمهنة واحدة تمارس في مؤسسة واحدة هي المدرسة أو الإعدادية أو الثانوية التأهيلية. وتم فرض التوظيف عبر الاكاديميات دون أن يخفف عدم الطمأنينة إلى نفسية الأستاذ. المتخصصون، وأقصد بهذا التوصيف من خبروا الميدان من جميع أبوابه وجوانبه، يعرفون أن المعلم أو الأستاذ ليس مجرد رقم ولكنه كائن متعدد التجارب والتواجد وكثير المعاناة. أغلبية من يعانون دخلوا إلى جامعات كانت بدورها ضحية غياب التأطير والمتابعة والتقييم. هذا الكائن لا يتملك كل الوسائل لممارسة العملية التعليمية على أحسن وجه.
والأمر صعب ويتطلب الكثير من الجهد في مجال التكوين المستمر. الأمور تزداد تعقيدا حين يتعلق الأمر بالعالم القروي وبالأماكن البعيدة في هوامش المدن وفي المرتفعات.
إشكالية التعليم متعددة الأوجه وضرورة تعميمه على كافة ربوع الوطن واجب وطني كبير. الكثير من المتابعين للموضوع يظنون أن الأمر مرتبط بالأجور والتعويضات. الأمر أكبر من ذلك بكثير. تعميم التعليم ملف كبير يحتاج إلى سياسة تضم جهود عدة وزارات. تعيين معلمة في مدرسة ابتدائية أو في إعدادية بالعالم القروي قد يبدو عملية عادية مع الأسف. تدبير الخريطة المدرسية يحتاج إلى جهد لتهيئ ظروف ممارسة التعليم مناسبة للمكان وللبيئة. معلمات ومعلمين كانوا مضطرين إلى طلب العون والحماية من مجالس أو جمعيات لأداء دورهم التربوي.
أما أداء الدور التعليمي في القرى وفي محيط المدن فيتطلب الكثير من الدعم المباشر. شاءت ظروفي المهنية أن أقف على حالات نفسية لمعلمات ومعلمين يدرسون في قسم يضم ثلاث أو أربع مستويات.
دخلت إلى مجموعة من المدارس التي لا وجود فيها للكتب والدفاتر والأقلام.
وجدت معلمات ومعلمين يحاربون الزمن ط والواقع من أجل فعل يساهم في التعليم. العملية التربوية التعليمية تحتاج إلى كثير من الصبر والمعرفة بالواقع. الخبراء والتقنيون وأصحاب الجاه التعليمي يوجدون في الرباط ويعتبرون غيرهم مجرد كائنات لا تفهم قراءة المذكرات التي تغير البرامج والمناهج المرتبطة بالتلقين وبتقييم مستوى تحصيل المتلقي للبرنامج وللدروس.
حين استمع للمختصين أدرك أن من يسيرون هذا القطاع يحتاجون إلى الغوص في مكنوناته. سبق لي أن قضيت بعض الشهور في افتحاص عمليات أكبر الاكاديميات التعليمية بالمغرب قبل سنين، وتأكدت أن نظام الاكاديميات نقل نقلا حرفيا عن فرنسا دون إدراك لتاريخ هذه المؤسسات التي ولدت في إطار تاريخي بعيد عن واقعنا. حين عاينت عن قرب تدبير هذه الاكاديميات تبين لي أن وزارة التعليم أو التربية أو التكوين تخلصت من كل المهام التربوية لتحول الاكاديميات إلى مؤسسات عمومية. وأصبح دور الرقابة المؤسساتية يركز على صرف الأموال وتمويل الامتحانات الجهوية والوطنية ومتابعة أوراش بناء المدارس فقط لا غير.
أصبح مندوب وزارة التربية والتعليم الخاضع للأكاديمية موظف يدبر ميزانية ويتقن ضبط قواعد التسيير التربوي والإداري والتمكن من تقديم الحساب ماليا وإداريا.
وفي هذا الجو البيروقراطي تحملت الوزارة تدبير ملفين كبيرين. الأول تربوي وكل ما يلزمه من كتب مدرسية وتأطير وتفتيش
وتوجيه، والثاني. وهو الأهم إعطاء مدلول عملي لتنزيل الخريطة المدرسية.
انشغلت الوزارة بأمور ليست من اختصاصها لتنسى أنها في البدء مؤسسة سياسية للتربية والتعليم. وزاد من حدة هذا الموضوع تنافس بين وزراء للتعليم ووزراء للتجهيز حول تدبير ميزانيات بناء وتجهيز المؤسسات التعليمية. وكانت النتيجة مضيعة للزمن التربوي
وتسابق من أجل استهلاك اعتمادات الميزانية التي تواصل كبر حجمها خلال السنين العشر الأخيرة. وقد وجدت كثيرا من الحقيقة فيما قاله الوزير السابق بلمختار عن كون الوزارتين المتحكمتين في القطاع هما المالية والداخلية
وليس وزارة التعليم.
في زمن سابق دفع الراحل الحسن الثاني بكل المسؤولين السياسيين والنقابات الى المشاركة في مناظرات بإفران وليشركهم في اتخاذ القرار والمساهمة في تنزيله. لكن المسألة التعليمية خضعت للتسييس المفرط وللإفساد.
بلادنا تشهد حاليا فترة عصيبة تحتاج إلى جرأة سياسية تتسم بالشجاعة والحكمة. نعم لتحسين أوضاع الأستاذ ولكن ألف نعم لإخضاع ولوج مهنة التعليم لمقاييس صارمة وتأطيرها بمناهج تكوينية مستمرة. ليس كل مجاز من الجامعة قادرا على القيام بمتطلبات هذه المهنة. وفي الأخير وجب عدم الاستخفاف بقرار الإضراب وآثاره على التلميذ وعلى الأستاذ. قرار الإضراب مكلف للدولة ويجب أن يكون مكلفا لمن قرر التوقف عن العمل. وهذا الأمر يجب ألا يتم النظر إليه بانتهازية. ومحاسبة الجميع في كل القطاعات مدخل إلى بناء المجتمع الديمقراطي ومحاربة كل أشكال الريع بما فيها ذلك الذي يضرب عن العمل ليتسلل إلى المدرسة الخصوصية "بلا حياء".