الخميس 30 نوفمبر 2023
كتاب الرأي

محمد هرار: الزلزال في مناطق الهشاشة

محمد هرار: الزلزال في مناطق الهشاشة محمد هرار
قد تتقدّم العلوم وتتطوّر ولكنّها تبقى غير محيطة بما يجري في كون تكفّل بتدبير كلّ ما فيه خالق الأرض والسّماء جلّ جلاله، ومن هنا فقد كان زلزال جنوب مرّاكش منطقة الحوز الآخذ بسلسلة الأطلس، مفاجئا قد حدث بليل.
ساعد الزّلزالَ ضعفُ عناية الحكومات المتعاقبة بأعماق البلاد وقراها، حيث الفقر والهشاشة والحاجة والنّقص في أغلب الموادّ والمستلزمات بشكل لا يليق بمغربٍ عملت قيادته العليا جاهدة مشكورة، على الرّفع من مستوى المعيشة فيه، وعلى تمليك المواطن كرامة غفل عن أدائها المسؤولون التّنفيذيّون.
انبرى النّاس حسب توجّهاتهم يُعلّقون على الحدث، فمنهم من لا يأخذ بعين الاعتبار قدرا ولا خالقا مقدِّرا؛ فيعدّه حسب مراجعهم العلميّة المتأرجحة "مجرّد ظواهر طبيعيّة، راجعة لتصدّع باطن الأرض". ومنهم من يراه - وقد تقصى من المسؤولية والاهتمام بالشأن العام وبالمسلمين - عقوبة سلّطها الله على أولئك الذين شملهم الزّلزال، فيتقوّلون دون خشية في الأعراض وفي المقامات، مع أنّ المصابين يعيشون على الفطرة في أماكن لم تلوّثها وسائل الإلهاء عن ربّ العالمين. ومنهم من اجتنب هذا اللغو كلّه واندفع يبذل الوسع ويسعى في خدمة إخوانه المنكوبين، يصلّي على موتاهم موقنا بتصديق نبيّه الحبيب صلّى الله عليه وسلّم أنّهم من أهل الهدم، أي من الشّهداء الأبرار نحسبهم، ويسعف جرحاهم ويواسي مبتلاهم دون أن يغفل عن رسالة الزّلزال، فإنّ الله جلّ وعلا ينبّه عباده به وبغيره من المصائب كي يراجعوا أنفسهم وينضبطوا في سلوكهم فيحرصوا على الاستقامة والتّمسّك بصراط العزيز الحميد، في مشاهد تثلج الصّدور وتطمئن القلوب والنّفوس وتذكّر بأنّنا جسد واحد يتداعى جميعُه لبعضِه.
لقد خلّف الزلزال الآلاف بين شهيد وجريح وشريد ومفقود، ودمّر المباني وزحزح الجبال وأشاع الخوف والرّعب حتّى انطلق بعض النّاس بلا وجهة يردّدون دعاء الخوف والفزع الذي علمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنقوله عند النّوازل متضرّعين مستغفرين..
نحن نؤمن أنّ كلّ شيء بقدر وأنّ الله تعالى خالق الأرض والسّماء وما بينهما هو المتصرّف في جميع خلقه وأنّ كلّ شيء يحدث لحكمة أرادها تعالى.
نؤمن أنّ الكون، بما فيه من مخلوقات علِمنا منها أو لم نعلَم، مسخَّرة بأمره سبحانه وتعالى، يُمسك ما يشاء عمّن يشاء، ويُرسِل ما يشاء إلى مَن يشاء. وإنّني لا أنكر تدخّل الٱدمي في الطّبيعة مصلحا أو مفسدا، وقد سجّل المولى عزّ وجلّ ذلك الإفساد في كتابه العزيز فقال جلّ في علاه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}..
لقد ظلّت الجهات المنكوبة منسيّة يغشاها التّعتيم لعقود طويلة من الزّمن، حتّى جاء الزّلزال يفضح سلوك المسؤولين المحلّيّين والجهويّين، ممّن قصّروا في العناية بهذه الجهات التي لم تصلها الأنوار ولا الصّحافة والإعلام إلا نادرا، جاء الزّلزال يحمّل الجميع المسؤوليّة، ليس لردّه كما قد يتبادر لبعض العقول، فهو أمر الله تعالى ولا رادّ لأمره ولكن يحمّلهم مسؤوليّة الأداء الحسن وخدمة النّاس حتّى لا يكون في المغرب العزيز، ما تغشاه الشّمس فيُبرِز المغربَ المتقدّم، ومنها ما هي حبيسة الزّوايا المظلمة المعبّرة عن توقّف ساعة الزّمن عن الدّوران فلا تليق بالمغرب؛ إذ فيها الهشاشة والعزلة والبعد عن الحضارة وعن التّمدن.
وإنّي لن أغادر قبل أن أحيّي من هذا المنبر الإعلامي الحرّ كلّ الغيورين الذين تحرّكوا منذ الوهلة الأولى، وأولهم وعلى رأسهم عاهل البلاد، جلالة الملك محمد السّادس بتعليمات سامية منه؛ فكان انتشار القوات المسلّحة الملكيّة ليلة الزّلزال بشكل مستعجل، خدمة للمواطن الذي قدر المولى أن يصاب بهذ الزّلزال العنيف. كما أتوجّه في الختام إلى الله عزّ وجلّ سائلا إيّاه أن يرحم شهداء الزّلزال، وأن يعجل بالشّفاء للمصابين، وأن تقوم الدّولة بإعادة البناء وفكّ العزلة عن سكان تلك المناطق المنكوبة للتّخفيف من آثار الكارثة، فإنّه واجب لا يحتمل التّأخير ولا التسويف.
كما على الدّولة أخذ الاحتياطات لكلّ طارئ من الطّوارئ مثل الانزلاقات ونقص المياه.. مع العمل على تقريب الإدارة من المواطنين في تلك المناطق وإيجاد الخدمات اللّازمة من الاتّصال والتّنقّل وغيرهما من الضّروريات وحتّى المكمّلات، والله من وراء القصد.