الأربعاء 7 ديسمبر 2022
سياسة

المحامي الإدريسي: لهذه الأسباب ينبغي التعجيل بإقالة وهبي، وزير العدل

المحامي الإدريسي: لهذه الأسباب ينبغي التعجيل بإقالة وهبي، وزير العدل عبد اللطيف وهبي (يمينا) والمحامي خالد الادريسي
لقد سبق لي أن دونت بتاريخ 13 أبريل 2015 مقالا بعنوان "ليس دفاعا عن عبد اللطيف وهبي "، وذلك دفاعا عن هذا الأخير الذي كان محاميا وبرلمانيا، وتعرض لهجوم شرس من طرف القضاة عقب رسالته التي وجهها إليهم تحت عنوان "رسالة إلى زملائي القضاة " منتقدا استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، لأسباب ذاتية وموضوعية، وقد كان دفاعي عن الزميل آنذاك عبد اللطيف وهبي ليس لأننا نلبس نفس الجبة، ولكن لتشاركنا في نفس القناعات والأفكار المرتبطة بتدبير هذا المفهوم والموضوع الذي ثبت بعد سنوات من تفعيله وتنزيله، أنه لم يحقق النتائج المتوقعة على مستوى تطوير تدبير السياسة الجنائية وتحقيق الأمن القضائي. وبطبيعة الحال فإن هذا الموقف الصادر عن عبد اللطيف وهبي كان ضمن سلسلة من المواقف، التي كان يتبناها ويتخدها بكل جرأة مهنية بصفته محاميا، وبكل شجاعة سياسية بصفته سياسيا ونائبا برلمانيا.

ومرت السنوات واعتلى عبد اللطيف وهبي منصب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الذي حقق نتائج إيجابية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، خولته المشاركة في التحالف الحكومي إلى جانب حزب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة ، وخولت زميلنا عبد اللطيف وهبي تعيينه في منصب وزير العدل. وهذا ما جعل جميع الزميلات والزملاء يستبشرون  خيرا بهذا التعيين، لما يمكن أن يشكله ذلك من إمكانية لتحقيق مكاسب نوعية لفائدة مهنة المحاماة العتيدة.

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، لأنه لوحظ منذ الأيام الأولى بعد تعيين وزير العدل على أنه يوجه ضربات متتالية للجسم المهني للمحاماة، ويتهمهم اتهامات باطلة من قبيل التهرب من الضرائب أو تزييف التصريحات الضريبية، ورغم أنه اعتذر لمكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن هذه التصريحات ثلاث مرات متتالية في الاجتماع الأول الذي جمعهما، إلا أنه فيما بعد، تمادى في إهانة المحامين عبر عدة تصريحات وقرارات وتدابير، ويمكن التذكير في هذا الصدد بأزمة الجواز الصحي التي منع فيها الزملاء من الدخول إلى المحاكم واشترط عليهم الإدلاء بهذا الجواز وفق ماجاء في المذكرة الثلاثية المشؤومة التي وقعها إلى جانبه كل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، والتي أسقطها المحامون باحتجاجاتهم وتضحياتهم ونضالاتهم المستميتة. وبعد ذلك توالت الضربات عن طريق السياسة التشريعية التي انتهجتها مع مسودات قوانين مرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر بمهنة المحاماة، وهكذا تم إصدار مسودة قانون المسطرة المدنية التي جاءت بمقتضيات من شأنها التأثير سلبا على اختصاصات ومهام الدفاع نحو تقليصها والمساس بالحق في الدفاع، ثم مع صدور مسودة قانون المسطرة الجنائية، التي لم تستجب لطلبات المحامين المتعلقة بتوسيع مجال الحق في الدفاع وفي الحق في المحاكمة العادلة، ولاسيما عدم الاستجابة لمطالب حضور المحامي أثناء مرحلة البحث التمهيدي بشكل مطلق وبدون أي قيود، بعد ذلك صدرت مسودة مشروع قانون المهن القانونية والقضائية وكتابة الضبط التي جاءت بأحكام تخالف التزام الدولة منذ قانون مهنة المحاماة سنة 1993، بتأسيس معهد تكوين وطني خاص بالمحاماة وليس مشتركا مع أي مهنة أخرى لا تشترك مع مهنة المحاماة في الطابع التاريخي والرمزي والحقوقي، كما تضمنت مقتضيات ماسة بالاستقلال المؤسساتي والمالي والتأديبي الخاص بمؤسسة النقيب ومؤسسة مجلس الهيئة. إضافة إلى الإعلان بشكل أحادي ومن دون اعتماد أي مقاربة تشاركية مع المؤسسات المهنية للمحامين عن امتحان الحصول على الأهلية لولوج مهنة المحاماة، في إجراء من شأنه إغراق مهنة المحاماة بأعداد كبيرة من المرشحين للولوج إلى مهنة ليس لها بنية استقبالية ضعيفة لا تستوعب الأعداد الكبيرة، التي من المتوقع أن يكون لها الحق في الالتحاق بمهنة تعيش شتى أنواع الأزمات. لتختتم الحلقة الأبرز من هذا المسلسل الدرامي بتسريب نسخة من مسودة مشروع قانون مهنة المحاماة غير مقبولة شكلا لمخالفتها للمقاربة التشاركية المفروضة والموعود بها، وأيضا المرفوضة موضوعا لتضمنها أحكاما تنتقص وتقلص من استقلالية وحصانة مهنة المحاماة.

ولم ينحصر تدخل وزير العدل استهدافا لمهنة المحاماة على التشريعات التي تدخل في اختصاصه، بل حشر أنفه أيضا في التشريعات والقوانين التي لها علاقة بقطاعات وزارية أخرى بعيدة عن اختصاصات وزارة العدل، وخير دليل على ذلك تدخله في ملف نظام الحماية الاجتماعية الذي تحاول الحكومة فرضه فرضا على مهنة المحاماة رغم تشبثهم بتعاضديتهم التي يعتزون ويفتخرون بها، لتقديمها خدمات أوسع من خدمات نظام الحماية الاجتماعية وبمقابل مالي أقل بكثير مما يفرضه النظام المذكور، ولذلك فهو كان حاضرا إلى جانب الوزير المنتدب في الميزانية فوزي لقجع الذي أصبح مكلفا بهذا الملف الذي تم سحب أمر تدبيره من وزارة الشغل، وذلك في اللقاء الذي جمعه بمكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، والذي أكد فيه هذا فوزي لقجع أن قطار نظام الحماية الاجتماعية سيدهس الجميع، والمحاماة لن تكون استثناء، وأن التعاضدية يمكن أن تكون إطارا مؤسساتيا من أجل التغطية التكميلية فقط. وفي حقيقة الأمر لم يكن يعلم المحامون بالضبط الدور الذي كان يقوم به عبد اللطيف وهبي إلى جانب فوزي لقجع في التصدي لمطالبهم المشروعة المرتبطة باستثنائهم من نظام الحماية الاجتماعية واحتفاظهم بتعاضديتهم العامة. و لم يقتصر الأمر على هذا الملف الاجتماعي، بل إنه أقحم نفسه إقحامًا أيضا في الملف الضريبي بعدما تجاوز التصريحات المهينة للمحامين إلى تفعيل إجراءات وتدابير قصد التضييق عليهم، في هذا الصدد من دون مراعاة طبيعة مهنة المحاماة التي يعرفها أكثر من غيره، والتي ترتبط بمعايير رمزية وحقوقية وإنسانية وواقعية، تجعل التدابير المتخذة والتعديلات المقترحة في مشروع قانون المالية لسنة 2023 تخالف مبدأ العدالة والمساواة في المجال الضريبي وتعارض طبيعة وخصوصية مهنة المحاماة، لا سيما أنه اعترف بعظمة لسانه على أنه هو من كان وراء هذه التعديلات المستجدة في مشروع قانون المالية للسنة المقبلة.

إن كل هذه المعطيات المذكورة أعلاه، تجعل الكثير من التساولات تطرح حول سبب هذا الاستهداف الممنهج والمتواصل على جميع المستويات المتعلقة بمهنة المحاماة سواء في الجانب القانوني أو الحقوقي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، ولكن مع ذلك فإن الجميع يعجز عن الإجابة عن هذه التساؤلات لا سيما أنها تصدر من وزير له صفة محام في مواجهة زملائه وأبناء جلدته. وإذا أردنا أن نجد تأويلات تبدو منطقية لتفسير هذا الوضع الغريب والشاذ لوزيرنا غريب الأطوار، فإن الأمر لن يخرج عن ثلاثة تفسيرات أساسية، التفسير الأول هو أن وزير العدل يفتقد للحنكة السياسية التي تجعله قادرا على تدبير وزارة بحجم وزارة العدل بكل حمولتها التاريخية والحقوقية وموقعها المتميز بين باقي الوزارات، حتى لو أنها لم تبق لها السلطة على الشأن القضائي بعد استقلال السلطة القضائية. وربما يظهر ذلك بجلاء حجم الارتباك الذي تعرفه مجالات اختصاصات وزارة العدل سواء على مستوى عدم القدرة على إخراج قوانين أساسية ومهمة في مجال العدالة، وأيضا ما تعرفه من ارتجال على مستوى طرح هذه المشاريع قوانين وسحبها بشكل غير متوقع، وأيضا يظهر سوء تدبير قطاع العدل من خلال وضعية المحاكم والموظفين الذي يعيشون وضعا كارثيا أثر على دورهم في تدبير حكامة الإدارة القضائية، وعلى واجبهم في مساعدة القضاء على تصريف مجال العدالة بشكل يضمن النجاعة والفعالية. بينما التفسير الثاني الذي يمكن اسقاطه على حالة الوزير، هو أنه مجرد آلة متحكم فيها من طرف جهات معينة تحركه كيفما شاءت من أجل تحقيق غايات معينة، وترسيخ توازنات معينة على حساب طبقات ومهن معينة. وربما وتيرة استهداف مهنة المحاماة أصبحت كبيرة ومثيرة بعد الخبر التي نشر في مجلة "جون أفريك" والإشاعات التي تم تداولها بشكل كبير في أوساط الإعلام والصحافة بالمغرب في شهر غشت، حول وجود تعديل حكومي سيسقط رؤوس بعض الوزاراء من بينهم الوزير عبد اللطيف وهبي لفشله في تدبير القطاع الذي يشرف عليه، ذلك أنه مباشرة بعد عطلة المحامين القضائية فوجئ الجميع بقرارات وتدابير وتصريحات الوزير التي كانت مرتبطة بإصدار المسودة المسربة من قانون المهنة ، وبإلاعلان عن امتحان الحصول على الأهلية للولوج إلى مهنة المحاماة من جانب أحادي من دون استشارة الجمعية أو الهيئات السبعة عشر التي تضم المحامين بالمغرب، واتهام رئيس الجمعية كونه هو من اقترح عليه إجراء الامتحان وهو ما كذبه هذا الأخير.

وأخيرا وليس آخرا ماورد في مشروع قانون المالية لسنة 2023 من مستجدات ضريبية مجحفة، وما تبعها من تصريحات وتهديدات النقباء ولعموم المحامين وتوعدهم بعدم سحب أي من مسودات ومشاريع القوانين التي قام ببلورتها، تعميقا لجراح مهنة أعطته الكثير ولم يعطها أي شيء يذكر. ولذلك فهذا التغيير الكبير والحدة والعنف الذي أصبح يمارسه الوزير على زملائه المحامين ربما مرده إلى ضغوطات خارجة عن إرادته، ونابعة من مساومته بين البقاء على كرسي وزارته، وما بين تسهيل تنزيل كل هذه الإطارات التشريعية السلبية على المحامين أفرادا ومؤسسات.
والتفسير والتأويل الأخير، هو المتعلق بأن الرجل ذو طبيعة نفسية وبسيكولوجية خاصة تجعل منه شخصا لا يعتد بأقواله ووعوده، لا سيما أن هذا الأمر ظهر من خلال العديد من تصريحاته التي أثارت صدمة وردود فعل داخل المجتمع مثل أنه يعرف "تقاشر" التي يرتديها المغاربة، أو ما صرح به في اجتماعه الأول مع مكتب الجمعية حينما اعتذر عن تصريحاته بكون المحامين يتهربون من الضرائب ولا يلتزمون بأداء واجبهم الوطني، بهذا الخصوص، حيث أكد لهم أنه "هبيل و مايبقاوش يديو عليه". ولذلك فهذه التصريحات وأخرى توضح أن وزير العدل غير سوي نفسيا وأن التعامل معه يفرض الحذر وعدم الالتفات إلى وعوده، وأن التنسيق والتعاون معه يبقى مسألة صعبة وغير محسوبة العواقب.

إن كل الأحداث والوقائع المذكورة أعلاه، وما أثارته وستثيره على مستوى مهنة المحاماة بشكل خاص وعلى مجال العدالة بصفة عامة، تجعلنا نؤكد أن هذا الشخص إضافة إلى فشله في تدبير قطاع عام وحيوي ومؤثر على باقي المجالات الأخرى في البلاد، فإنه شخص خطير إذا استمر في المسؤولية على رأس وزارة العدل، لما يمكن أن يخلقه من تأثيرات سلبية على الأمن المهني والأمن القانوني والأمن القضائي الذي سيؤدي بالضرورة إلى التأثير على الأمن والسلم الاجتماعي وعلى الاستقرار الذي يعتبر من أهم مقومات بلادنا السعيدة ومن أكبر مقومات رأسمالها اللامادي. ولذلك رغم أنني دافعت عنه في أطروحته حول عدم صوابية قرار استقلالية النيابة العامة والقضاء عن وزارة العدل، إلا أنني أعترف أنني كنت مخطئا في هذا الدفاع، خاصة أنني لا يمكن أن اتخيل كيف سيكون تعامل هذا الوزير لو بقي القضاء تحت سلطته ووصايته، لأنه من الأكيد أنه كان سيتحفنا بقرارات وتدابير غير مسبوقة وغير متوقعة وأكثر خطورة. وهذا ما يجعلني أوكد وأجزم على أنه من أجل تحقيق النجاعة والحكامة في مجال العدالة التي تعتبر القاطرة التي تستند عليها باقي القطاعات مادام أن العدل هو أساس الملك، وأيضا من أجل الحفاظ على السلم والأمن والاستقرار داخل المجتمع، فإنه يجب التعجيل بإقالة عبد اللطيف وهبي من على رأس وزارة العدل، ومنحها لشخصية مسؤولة ومتزنة ولرجل دولة بالمعنى الحقيقي يزن تصريحاته ويكون حكيما في قراراته ووفيا بوعوده.