الاثنين 6 فبراير 2023
كتاب الرأي

جمال المحافظ: مؤتمر "لاميج".. الاستمرارية وإعادة البناء

جمال المحافظ: مؤتمر "لاميج".. الاستمرارية وإعادة البناء جمال المحافظ رفقة الفقيد محمد الحيحي والراحلة زهرة طراغا
تتفتح مساء يوم الجمعة 18 نونبر 2022، بالرباط أشغال فعاليات المؤتمر الوطني السادس عشر للجمعية المغربية لتربية الشبيبة "لاميج" تحث شعار “من أجل إقرار سياسات عمومية مندمجة تعنى بقضايا الطفولة والشباب والمرأة.

وإذا كانت محطة المؤتمر الوطني ل "لاميج"، التي أسسها الشهيد المهدي بنبركة سنة 1956، تشكل "مناسبة لمنخرطي الجمعية المؤتمرين، لدراسة وتحيين مشاريع مقررات الجمعية، منها المقرر التربوي والمقرر الثقافي، وكذا القوانين والأنظمة للجمعية، فضلا عن تجديد الأجهزة الوطنية المقررة والتنفيذية" حسب منظمي المؤتمر، فإنها تشكل بالمقابل فرصة لتقييم الممارسة الجمعوية التطوعية في ظل التحولات المتسارعة في الألفية الثالثة.

فالحديث عن مسار العمل الجمعوي والأداء المدني بالمغرب، لا يستقيم، بدون استحضار تجربة جمعية "لاميج"، التي كانت لها إسهامات في مشاريع وطنية كبرى، في مقدمتها طريق الوحدة سنة 1957 والذي قال المهدى بن بركة عنها " لولا المساهمة الفعلية لأطر الجمعية، لما كان لهذا المشروع أن يحقق أهدافه".
 
فطريق الوحدة لم يكن العلامة المضيئة الوحيدة، في مشاريع هذه الجمعية الوطنية التي احتضنت أجيال كثيرة تحملت مسؤوليات ومتعددة، بل ساهمت في السنوات الأولى للاستقلال الحملات الوطنية لمحاربة الأمية والتشجير والخدمات الاجتماعية، إلى غيرها من البرامج، فضلا عن كونها كانت من أولى المنظمات التي انتبهت إلى أهمية الاستثمار في الإنسان خاصة الشباب والاعتماد على البعد الاجتماعي والتربوي لبناء المغرب الجديد.
 
ومع بزوغ فجر الاستقلال سعي رواد الحركة الوطنية إلى توسيع نطاق الشبيبة المنظمة، وبإشراف خاص من طرف مخططها الميداني المهدي بن بركة الذي كان يرى ضرورة تدعيم المنظمة الرئيسية الناشئة، الشبيبة الاستقلالية (تأسست في مارس 1956) بمنظمات جمعوية موازية، تختص كل منها بمجال محدد على الصعيد الوطني، فكان تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لتأطير الطلاب، والشبيبة العاملة لتأطير الشباب العامل، وحركة الطفولة الشعبية للاهتمام بالطفولة، والجمعية المغربية لتربية الشبيبة للتأطير الفكري والثقافي والبدني لعموم الشباب، وفتيات الانبعاث لتأطير الفتيات، وبناة الاستقلال لمواصلة روح طريق الوحدة.
إن مواصلة "لاميج"، طيلة هذه المدة الزمنية الطويلة العطاء رغم ما صادفته من صعوبات وعراقيل، لكن بفضل صمود أطرها وأعضائها، تمكنت الاستمرارية، بإيمان لا يفتر بالعمل التطوعي، وبالتربية على الديمقراطية وقيم المواطنة والحداثة وحقوق الإنسان.
وشكلت سنوات الرصاص بالنسبة لها، أنوية لثقافة بديلة، مما جعل الانتماء إليها يكتسى صبغة " انتماء مؤسس" ومرجعية قيمية برؤية نقدية وحمولة تقدمية، مما جعلها تساهم– حسب شهادات مختلف الأجيال التي مرت بها - في غرس فكرة الالتزام كتعبير عن قيم المواطنة والمساهمة في خدمة المجتمع.
 
وإذا كانت الأجيال التي مرت ب"مدرسة لاميج "، متنوعة في تصوراتها وانتماءاتها السياسية والاجتماعية والمجالية، بيد أن كل هذه الأجيال تجمع على أهمية الاستقلالية مع الاعتراف بالدور الهام الذي لعبته هذه الجمعية، في تنشئتها الاجتماعية وفي اختياراتها ومساراتها.
 
وباعتمادها على العمل التطوعي، شكلت الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، بالفعل مدرسة حقيقية لإعداد الأجيال الصاعدة، بترسيخ روح التضامن والمساواة والحق في الاختلاف ونبذ الأنانية والانتهازية والانغلاق في صفوف الشباب. إن جمعية "لاميج" بهذا العمق التاريخي والرصيد التاريخي والرمزي الذي راكمته الأجيال التي تعاقبت على تسييرها، كان يرتبط بمسألة جوهرية، تحتاج الى التأمل والدراسة، تتمثل في أن الجمعيات الجادة، لا تموت أبدا، رغم ما قد تعرفه من الفتور أحيانا، لأسباب ذاتية أو موضوعية.
 
وإن كانت أزيد من ستة عقود من حياة الشعوب ليست بالفترة الطويلة بمقياس الزمن، لكن لمن مارس العمل التطوعي والجمعوي الجاد في سنوات الرصاص وسياسة التقويم الهيكلي، يدرك أهميته ودلالاته العميقة، وما كان يشكله صمود الحركة الجمعوية الجادة " وسط الأعاصير" منذ بداية الاستقلال إلى زمن الثورة الرقمية.
 
بيد أن مؤتمر "لاميج" هذه السنة يأتي في ظروف استثنائية ترتبط بالخروج التدريجي من انعكاسات جائحة كورونا، وهو ما يتطلب من أطر ومسيري الجمعية ليس فقط تجديد الهياكل والخطاب التربوي والثقافي والاجتماعي وإعادة بناء التصورات، بقدر ما يقتضى تطوير الانشغال ببناء الانسان وصيانة الذاكرة حية مع حماية استقلالية الجمعية السبيل الرئيس لضمان استمراريتها وتوهجها خاصة في تأطير الأطفال والشباب عماد المستقبل.
 
ما بين سنة 1956 و2022 سنة المؤتمر الحالي، جرت بالفعل مياه كثيرة، وطرأت متغيرات عديدة، وتوسعت قاعد المنظمات والجمعيات، فإن الجمعية - رغم مجهودات الجيل الجديد للاميج- مطالبة بالانفتاح على أسئلة شباب الألفية الثالثة، والمساهمة الفعالة في الديناميات والحركات الاجتماعية، وهو ما يقتضى إعادة النظر في أساليب عملها وطرق تواصلها ليس فقط فيما بينها وأجيالها المتنوعة وبين مثيلاتها بالحركة الجمعوية، ولكن مع التعبيرات الجديدة المتولدة عن التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، من أجل إعادة الوهج للهوية الجمعوية والرهان عليها، كشكل من أشكال " المقاومة الثقافية والتربوية" بفعل الالتباسات الطارئة على حالة الانتقال من المواطن الجمعوي إلى الفاعل المدني وإشكالات التمويل العمومي والخاص والأجنبي، فضلا عما يلاحظ من فقدان مؤسسات الوساطة لمصداقيتها وتراجع منسوب العمل الجمعوي الجاد وتقلص إشعاعه وامتداداته، مما يتطلب منها المساهمة في الارتقاء بمستوى التعاون ما بين المنظمات والهيئات الجادة بهدف استعادة زمام المبادرة للتموقع الإيجابي والفاعل من جديد بالساحة المدنية، كما كانت الى حين.
لكن قيادة "لاميج" الجمعية بهذا العمق التاريخي والرصيد الرمزي الذي راكمته الأجيال التي تعاقبت على تسييرها، والذي ارتبط بمسألة جوهرية، تتلق بقيم الوفاء والاعتراف وصيانة الذاكرة حية. ويبدو أنها على وعي تام بذلك حينما دعت " المؤتمرات والمؤتمرين في هذه المحطة الى تعميق النقاش في عدد من الأسئلة المطروحة ، بعد الكثير من المستجدات والمتغيرات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك بعد تداعيات جائحة كورونا التي أبانت مجددا حاجة البلاد إلى إعادة الاعتبار للعمل المدني في عملية التغيير والبناء الاجتماعي".