السبت 17 نوفمبر 2018
في الصميم

المدينة القديمة .. المجال المحفوظ للملك

المدينة القديمة .. المجال المحفوظ للملك

رغم أن المدينة القديمة بالدار البيضاء (داخل السور) لا تتعدى مساحتها 47 هكتار من أصل 102 ألف هكتار المساحة الإجمالية للولاية (أي 0.04 في المائة من المجموع العام)، فإن المدينة العتيقة هي المسرح المفضل لترجمة كناش تحملات محمد السادس منذ مجيئه إلى الحكم.

ففضلا عن زياراته المتكررة لها بمعدل 3 إلى 4 زيارات كل عام، نجد أن الملك محمد السادس خص المدينة العتيقة بامتياز لم تحظ به أي منطقة بالمغرب. ويظهر ذلك من خلال مشروع التأهيل الذي رصد له في الشطر الأول (2010 - 2013) مبلغ 300 مليون درهم. وهو مبلغ مهم إذا استحضرنا الساكنة المستهدفة (47 ألف نسمة) واستحضرنا الرقعة الجغرافية المعنية بالتأهيل الحضري (47 هكتار)، أي أن الملك خصص ما مجموعه 2.127.659 درهما للهكتار الواحد بالمدينة القديمة كل عام. وهي نسبة عالية إذا قارنا مجموع الاستثمارات العمومية المرصودة لباقي تراب الدار البيضاء في باب التأهيل الحضري (طرق، ماء، تطهير، إنارة، نقل...إلخ.)، حيث لم تتعد مبلغ 36.350 درهم لكل هكتار بباقي تراب الدار البيضاء كل عام. بمعنى أن المكانة التي تحتلها المدينة القديمة في الأجندة الملكية تساوي 58 مرة مقارنة مع باقي التراب الجهوي.

المؤشر على ذلك أن المبالغ المرصودة إذا وزعناها باحتساب كل فرد، نجد أن القاطن بالمدينة القديمة استفاد من 2127 درهم للتأهيل الحضري كل عام بينما لم تتجاوز النسبة عند باقي البيضاويين 836 درهما لكل فرد كل عام.

هذا المجهود سيتم ترسيخه يوم الثلاثاء فاتح أبريل 2014 بإعطاء الملك الإذن لمباشرة الشطر الثاني من برنامج تأهيل المدينة القديمة (INTRA MUROS) بغلاف مماثل (30 مليار سنتيم) خلال 2014 - 2018، وتكليف الوكالة الحضرية للدار البيضاء بالاستمرار في الإشراف على الملف بدل منحه للبلدية خوفا من توظيف المشروع في حسابات سياسية تافهة وخوفا أيضا من أن يتم إقبار الملف مثلما أقبر مجلس المدينة ملفات عديدة تولى الإشراف عليها من قبل.

هذا التمييز الإيجابي لفائدة المدينة القديمة يندرج في سياق الأوراش الأربعة الكبرى المفتوحة بالمملكة منذ عام 2000، ونعني بها ورش المصالحة مع الماضي وورش المشاريع الكبرى المهيكلة وورش محاربة الاقصاء والهشاشة وورش الملفات المنتجة للثروة. ففي ما يخص الورش الأول، يفسر الاهتمام الملكي بالمدينة القديمة بالرغبة في المصالحة وطي سنوات الرصاص الجماعي الذي حول المدينة القديمة إلى مجال مقصي من كل الخدمات الدنيا، أي إلى «خربة». أما الورش الثاني فيجد سنده في ترجمة التوجهات الكبرى للمخطط المديري الذي نص على وجوب فتح الميناء على مدينة الدار البيضاء مع ما يستتبعه ذلك من مشاريع ضخمة مهيكلة سترى النور عما قريب. وبالتالي من العار أن تنهض أساسات هذه المشاريع بساحل الميناء لتطل على منبت هش. وهذا ما يقود إلى الورش الثالث المتمحور حول إعطاء الأولوية لمحاربة الهشاشة الاجتماعية، خاصة وأن الإحصائيات بينت أن المدينة القديمة هي الحاضنة لأعلى المعدلات على الصعيد الوطني. أما الورش الرابع (المشاريع المدرة للثروة) فيجد مشروعيته في الالتزامات المسطرة في الشطر الثاني من برنامج التأهيل الحضري للمدينة القديمة التي تنص على وجوب تنمية ورد الاعتبار للأنشطة التقليدية وفتح ورشات الصناعة التقليدية على الفضاء العام وإعادة تأهيل الأحياء التجارية وخلق أسواق متخصصة بما يضمن تنشيطا للدورة الاقتصادية بهذه المنطقة.

وحتى تعطى لهذه التوجهات الوثوقية اللازمة تم تخصيص المدينة القديمة بالأسبقية في تغطيتها بوثيقة تعمير خاصة (تصميم تهيئة قطاعي) تحدد التوجهات الكبرى الهادفة إلى إعادة دمج هذه المنطقة في النسيج العمراني البيضاوي. ومن المنتظر أن تخرج هذه الوثيقة التعميرية عما قريب. وإذا كان إبعاد مجلس المدينة من هذا الملف الهدف منه تجنب «التلويث السياسي»، فإن الأمل يبقى معقودا لتصل العدوى (عدوى الاهتمام بالمدينة القديمة) إلى الكورنيش المجاور للمنار بالعنق وإلى المحج الملكي لإخراجه إلى حيز الوجود في أقرب وقت لربط مسجد الحسن الثاني بمحيطه. فأجمل ما في جسد المرأة هو عنقها، وهو العنق الذي يسيل لعاب الرجال لتزيينه بالقلادة (Collier).. لذلك من العار أن نترك عنق الدار البيضاء (مسجد الحسن الثاني) أجْرَد بدون تزيينه بقلادتين أو تحفتين عمرانيتين عن يمينه وعن شماله.

عبد الرحيم أريري