الخميس 20 سبتمبر 2018
في الصميم

ورقة الفيزازي للتخلص من عبء حزب بنكيران

ورقة الفيزازي للتخلص من عبء حزب بنكيران

10 دقائق و15 ثانية، هي المدة التي قضاها الملك محمد السادس في مسجد طارق بن زياد بطنجة لأداء صلاة الجمعة يوم 28 مارس 2014، وهي مدة موزعة بين الخطبة (9.13 دقيقة) والصلاة (1.02 دقيقة).

هذه المدة رغم قصرها كانت مشحونة جدا بالرسائل والدلالات. فمحمد السادس بوصفه أمير المؤمنين أدى منذ توليه الحكم عام 1999 بمختلف مساجد المملكة وبمساجد الدول الإسلامية التي زارها 672 صلاة جمعة. وحدها صلاة الجمعة الأخيرة بمسجد طارق بن زياد بطنجة التي استأثرت أكثر باهتمام المراقبين داخليا وخارجيا بالنظر إلى ثلاثة معطيات:

أولا: أن خطيب المسجد المذكور ليس إلا الشيخ محمد الفيزازي أحد أقطاب الفكر التكفيري والتيار الجهادي بالمغرب الذي حوكم بـ 30 سنة عقب الأحداث الإرهابية بالبيضاء واستفاد من عفو ملكي بعد قضاء 8 سنوات وراء القضبان.

المعطى الثاني يكمن في أن المسجد المذكور يوجد في مدينة أضحت عاصمة الجهاديين بعد أن كانت عاصمة دولية لكل المتنورين والمنفتحين على الثقافات والحضارات.

أما المعطى الثالث فيتجلى في أن الحدث (صلاة أمير المؤمنين) يتجاوز حدود طنجة، بل ويتجاوز المغرب لتمرير رسائل للغرب ولدول الجوار:

للغرب أولا من كون المغرب يضبط ديناميته على الساعة الداخلية وليس الساعة الأمريكية أو الفرنسية، أما الميساج الموجه للجوار فيتمحور حول دور مؤسسة إمارة المؤمنين بالمغرب في الاستيعاب، وبأن العقوبة في المغرب ليست أبدية، على اعتبار أنه في إطار التدافع المشروع هناك مساحة واسعة تشمل الجميع بمن فيهم أولئك الذين كانوا يعتنقون الفكر التكفيري الذين راجعوا أنفسهم وعادوا إلى قلعة التدين المغربي المتسم بالاعتدال والوسطية.

لكن مع ذلك تبقى هناك بياضات يتعين ملؤها، فإذا كان هذا الحدث قد استأثر باهتمام كل المتتبعين في الداخل والخارج، فإن الملاحظ كذلك أن الحركة الإخوانية هي الوحيدة التي تعاملت بجفاء مع الموضوع رغم أن الخطيب الفيزازي كان أحد حلفاء حزب العدالة والتنمية. الجفاء قد يفسر ربما بأن قادة حزب العدالة والتنمية أحسوا بأن زمنهم قد انتهى أو على وشك الانتهاء، خاصة وأن حزب عبد الإلاه بنكيران أضحى عبئا على العلاقات الاستراتيجية للمغرب مع دول الخليج. إذ رغم إبعاد سعد الدين العثماني من وزارة الخارجية فإن شوكة العدالة والتنمية مازالت تدمي أقدام المصالح الكبرى للمغرب، بدليل الخرجات المدروسة والمتكررة للإخوان المسلمين في المغرب -في شخص أحمد الريسوني- للتهجم إما على مؤسسة إمارة المؤمنين أو على الديمقراطية أو على العلماء أو على حلفاء المغرب بالخليج.

الحرائق الكثيرة التي أحدثها حزب بنكيران قد تدفع في اتجاه فتح منفذ لرسم خريطة أخرى تضمن حضور التيار السلفي التقليدي وامتصاص ما تبقى من متشددين آخرين. فاستحضار ما حدث في حزب الفضيلة الذي يقوده الخليدي حين استقطب سلفيين وغاضبين من حزب المصباح، وما قام به الشيخ الفيزازي من مراجعات يدفع إلى الاعتقاد أن الفيزازي والفضيلة خطان متوازيان: الأول يشتغل في المجال الديني والثاني يعمل في المجال السياسي لترتيب وتحضير المغرب لمرحلة قادمة.

فإن تحالف الشيوعيون عقب انتخابات 2011 مع الإخوانيين لتشكيل حكومة بنكيران، فما المانع من عدم تحالف الأحزاب التقليدية الأخرى (اتحاد + استقلال + بام...) مع السلفيين لإدارة المرحلة القادمة؟ للجواب عن السؤال علينا العودة إلى خطبة الجمعة بمسجد طارق بن زياد التي كانت محطة فاصلة في تجاوز المرء للانحباس في طهرانية النص والمرور إلى رحمة النص من خلال الوعي بالسياق. فلما استشهد الفيزازي بقوله تعالى «لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» فإن ذلك دلالة على المرور من طهرانية النص إلى رحمة النص وتبني هموم الخلق. فما من نعمة أعظم من نعمة أمن الإنسان على نفسه وعرضه وماله ووطنه. وهذا ما ينهض كظرف تشديد للتنبيه إلى أنه إذا كانت الدولة قد نجحت في ضمان الولاء السياسي فالحذر واجب واليقظة مضمونة لضمان الولاء المذهبي.

فالحكومات تُعتمد بالمغرب لدى أمير المؤمنين وليس لدى مرشد الإخوان المسلمين، وهذا ما ينبغي أن تعيه «نخب الكافيار وخودنجال».

عبد الرحيم أريري