الاثنين 5 ديسمبر 2022
خارج الحدود

كوكبة من العلماء من مختلف دول المعمور يختتمون مؤتمرهم الإسلامي الدولي في القاهرة بحزمة من التوصيات

كوكبة من العلماء من مختلف دول المعمور يختتمون مؤتمرهم الإسلامي الدولي في القاهرة بحزمة من التوصيات جانب من المشاركين في فعاليات المؤتمر الإسلامي الدولي في القاهرة
انطلقت فعاليات المؤتمر الإسلامي الدولي في القاهرة، يوم السبت 24 شتنبر 2022، والذي ينظمه كل سنة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية تحت عنوان: الاجتهاد ضرورة العصر (صوره .. ضوابطه .. رجاله .. الحاجة إليه).
وفي كلمته في الجلسة الافتتاحية رحب محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري بضيوف مصر الوزراء والمفتين والعلماء والمفكرين، ناقلًا لهم جميعًا تحيات الدكتور المهندس/ مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء وتمنياته للمؤتمر وللحضور جميعًا بكل التوفيق، كما وجه كل الشكر والتقدير لعبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية على تفضله برعاية هذا المؤتمر ودعمه المستمر والكبير للفكر الوسطي والاجتهاد العصري.
كما أكد وزير الأوقاف على أن الاجتهاد ضرورة العصر، وأن ما نحن فيه اليوم إنما هو نوع من هذا النفير في طلب صحيح العلم، وأن الاجتهاد الذي نسعى إليه يجب أن ينضبط بميزان الشرع والعقل معًا، وأن المساس بثوابت العقيدة والتجرؤ عليها وإنكار ما استقر منها في وجدان الأمة لا يخدم سوى قوى التطرف والإرهاب، وإذا أردنا أن نقضي على التشدد من جذوره فلا بد أن نقضي على التسيب من جذوره.
أما كلمة وزير الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية الشيخ الدكتور/ عبد اللطيف بن عبد العزيز آل الشيخ فقد أشاد فيها بالرئيس عبد الفتاح السيسي، باني بنى مصر الحديثة وجمهوريتها الجديدة. وأكد وزير الشئون الإسلامية أن العالم يمر هذه الايام بأوقات عصيبة، تضع أهل العلم والاجتهاد أمام أحمال ثقيلة ومسؤوليات جسام، تتطلب منهم بذل جهود كبيرة لربط الناس بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، على أن تكون جهود جماعية مؤسساتية تكّون نظرة شاملة وعامة، محذرًا من أن الاجتهادات الفوضوية التي تسود هذا الزمان، تتطلب من أهل العلم تأهيل المجتهدين وإعدادهم، ليكونوا قادرين على دراسة الأحداث وبيان صلاحية النص الشرعي في حل قضايا المجتمعات وتوضيح أحكامه، على قاعدة وسطية الإسلام وسماحته.
وفي السياق نفسه شوقي علام مفتى الجمهورية الشكر لمحمد مختار جمعة وزير الأوقاف على الدعوة الكريمة وعلى اختياره لهذا الموضوع الهام والذي يحمل قضية الاجتهاد على أكتافنا جميعًا، وهي مهمة كبرى ينبغي أن نعطيها الاهتمام الذي تستحقه، مؤكدًا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) شجع أصحابه على الاجتهاد وأقرهم عليه ومن هذا الأمر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما بعث معاذ بن جبل (رضي الله عنه) إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي رسول الله".
ومع تطور العصور والأزمان وتغير الواقع فقد أصبح العمل المؤسسي التخصصي سمة من سمات هذا العصر وتطورت صور الاجتهاد ويظل أصل مفهومه ثابتا من حيث الماهية وهو بذل الجهد، ومن حيث الغاية وهي تحصيل الظن من الحكم الشرعي، إلى أن ظهر أول مفهوم الاجتهاد الجماعي، ونظرًا لتطور مفهوم الواقع للناس وتشعبها وطبقاً لقواعد العمل المؤسسي الحديث فقد يدخل في مفهوم الاجتهاد الجماعي الحديث الاستعانة بتخصصات أخرى كالطب والهندسة وغيرها وما ذلك إلا لتبلغ قضية الاجتهاد أقصى مداها الممكن، وهو يحقق معنى بذل الوسع في تحقيق الاجتهاد.
والاجتهاد الجماعي المؤسسي هو الاجتهاد الآمن الذي يحقق لنا مفهوم الفتوى الآمنة التي تدعم الأمن والسلامة والاستقرار للمجتمعات كافة وهو الضمانة الحقيقية لوحدة الأمة من هجمات الفتاوى الشاذة والمتطرفة التي يطلقها قوم تجرؤا على الشريعة الغراء فأفتوا بغير علم، كما سبّبوا كثيرًا من الفتن والاضطرابات والقلاقل فدمّروا دولًا وشرّدوا شعوبًا .
ومن جهته أكد معالي الدكتور/ محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشئون الإسلامية والأوقاف بدولة الإمارات العربية المتحدة أن الاجتهاد ضرورة حتمية في كل زمان ومكان، وتزداد الحاجة إليه في هذه الأوقات التي يشهد العالم فيها تحديات كبيرة وظروفا صعبة، فما كادت البشرية تتنفس الصعداء من جائحة كورونا حتى وجدت نفسها في دوامة صراعات وحروب دولية وضائقات اقتصادية ومتغيرات بيئية وتوترات طائفية، وفي خضم هذه التحديات الكبيرة يتطلع عالمنا الإنساني إلى قادة فكر ونظر ينقلون الناس من ضيق الحال إلى سعة الشريعة بما تنتجه الأفكار من رحابة الفكر وشمولية الأحكام واستقراء الأدلة واستنباط معاصر للأحكام منضبط بأصول الاجتهاد وفروعه.
مبينًا أن من واجب الوقت أن تقوم المجتمعات باجتهاد جماعي مؤسسي على سبيل المباحثة عنوانه التيسير على المكلفين ومراعاة مقاصد الشريعة والقيم الحضارية، فدوائر الاجتهاد يجب أن تراعي واقع الناس وتتحرى انطلاق الآراء الاجتهادية من مظلة الدولة الوطنية ومبادئ المواطنة، وأن يكون ذلك معيار نظرها في استنباط المقاصد والمصالح والحكمة وتحقيق المناط، وقد جاءنا القرآن الكريم موضحًا مراد الله تبارك وتعالى قال تعالى: "مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ "، مع مراعاة النظر في هدي نبينا الكريم القولي والفعلي والتقريري وآراء الأئمة المجتهدين وأن يضع العلماء في اعتبارهم حال الاجتهاد الضرورات الكلية للشريعة من حفظ الدين والنفس والمال والعرض والعقل وحفظ الوطن.
وفي ختام المؤتمر الذي حضره أكثر من 50 دولة وما يزيد عن 200 عالم ومفكر وباحث في شؤون قضايا إسلامية معاصرة بالإضافة وبحضور ومشاركة كوكبة من وزراء الأوقاف والشئون الإسلامية، والمفتين، والعلماء ، حيث أجمع المشاركون في الختام على توجيه الشكر لعبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية لرعايته لهذا المؤتمر، وعلى ما لمسوه من إنجازات عظيمة تُذكر فَتُشكَر في عهد سيادته، مقدرين ما أجراه الله (عز وجل) على يدي سيادته من حفظ أمن وأمان مصر واستقرارها، والعمل الدؤوب على نهضتها وتقدمها، وعلى دعم سيادته للفكر الوسطي المستنير ونشر أسس السلام العالمي والعيش المشترك بين الناس .
وباستقراء بحوث المؤتمر، وبعد يومين متتابعين من العمل العلمي المتواصل في ثماني جلسات علمية انتهى المشاركون إلى إصدار وثيقة القاهرة لتعزيز ثقافة الاجتهاد.
ومما جاء فيها:
1- الاجتهاد ضرورة العصر وكل عصر ، وبابه مفتوح بل مُشرَع إلى يوم القيامة، غير أن له أصوله وضوابطه ورجاله الذين أفنوا حياتهم في طلب العلم الشرعي وفهم أصوله وقواعده ومآلات الأمور ومقاصدها ممن يدركون فقه المقاصد والمآلات والأولويات، وتقديم المصلحة على المفسدة، ومتى تحتمل المفسدة اليسيرة لتحقيق المصلحة العظيمة، وكيف يكون الترجيح بين مصلحة ومصلحة باختيار أعظمهما نفعًا، وكيف يكون الترجيح بين مفسدة ومفسدة باختيار المفسدة الأخف منهما ضررًا.
2- التأكيد على الحاجة الملحة لإرساء وترسيخ قواعد الاجتهاد وضوابطه، وبخاصة الاجتهادُ الجماعيُّ في القضايا التي لا يمكن الاعتماد فيها على الأقوال الفردية، والتي تتطلب الفتوى فيها خبرات متعددة ومتكاملة، ولا سيما في القضايا الاقتصادية والطبية والبيطرية والمناخية وشئون الهندسة الزراعية والوراثية وغير ذلك من مفردات حياتنا ومستجدات عصرنا التي تحتاج إلى رأي أهل الخبرة لتُبنَى عليه الفتوى، فالرأي الشرعي في القضايا الحياتية المستجدة يُبنى على الرأي العلمي ولا يسبقه.
3-أن الاجتهاد الذي نسعى إليه يجب أن ينضبط بميزان الشرع والعقل معا، وألا يُترك نهبًا لغير المؤهلين وغير المتخصصين أو المتطاولين الذين يريدون هدم الثوابت تحت دعوى الاجتهاد أو التجديد، فالميزان دقيق، والمرحلة في غاية الدقة والخطورة؛ لما يكتنفها من تحديات في الداخل والخارج.
4-أن المساس بثوابت العقيدة والتجرؤ عليها وإنكار ما استقر منها في وجدان الأمة لا يخدم سوى قوى التطرف والإرهاب وخاصة في ظل الظروف التي نمر بها؛ لأن الجماعات المتطرفة تستغل مثل هذه السقطات أو الإسقاطات لترويج شائعات التفريط في الثوابت؛ مما ينبغي التنبه له والحذر منه، فإذا أردنا أن نقضي على التشدد من جذوره فلا بد أن نقضي -كذلك -على التسيب من جذوره، فلكل فعلٍ ردّ فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه.
5-أن شروط المجتهد الفرد يجب أن تتوفر في مجمل أعضاء المؤسسات العلمية الاجتهادية الجماعية المعتمدة متكاملين.
6-الدعوة إلى تجريم الفتاوى الفردية لغير المتخصصين في قضايا الشأن العام، والعمل على توسيع دائرة الاجتهاد الجماعي المؤسسي .
7-ضرورة الاهتمام بقضية الثابت والمتغير، والاستفادة من القياس على الأشباه والنظائر في ضوء فهم علل الأحكام ومقاصدها، وسعة الشريعة ومرونتها، وذلك لمواكبة النوازل والأمور الحادثة والطارئة والمستجدة مع الحفاظ على ثوابت الشرع الشريف .
8-أن الاجتهاد في القضايا المستحدثة التي تواجه المسلمين وغيرهم في مختلف أنحاء العالم وبخاصة قضايا الأقليات المسلمة هو واجب الوقت؛ لرفع الحرج والمشقة عنهم، والإسهام في اندماجهم الجاد والبناء في مجتمعاتهم التي يعيشون فيها.
9-التأكيد على أن الاجتهاد العصري المنضبط وتعزيز ثقافته بين المجتمعات والأمم والشعوب هو الضمانة الأساسية لإثراء العقل الجمعي بالتجديد المستدام، وحماية البلاد والعباد من مغبة الجمود والتشدد والشذوذ الفكري والسلوكي، وأن الاجتهاد المعتبر هو الاجتهاد المبني على قواعد الشرع الراسخة، وأن مفهوم الاجتهاد بمعناه الصحيح يؤكد عظمة الشريعة الإسلامية ومرونتها وسعتها، ويعفي الأمة من فتاوى الجهال والمنحرفين وغير المؤهلين .
10-التنبيه على خطورة الجمود وتداعياته ومخاطر الأخذ بظواهر النصوص أو استدعاء بعض الفتاوى التي ناسبت ظروفًا معينة في أوقات معينة وإسقاطها على غير مظانها، مع ضرورة تأهيل المجتهدين بالتأهيل العلمي: تفسيرًا وحديثًا وفقهًا وأصولًا ولغة، مع دراسة الواقع وظروف الناس، وصولا لصحيح الفهم والاجتهاد الذي يتسق وفقه الواقع ومقاصد الشرع.
11-على علماء كل عصر أن يجتهدوا لزمانهم في ضوء مستجداته الحضارية، ومشكلاته الجديدة، من خلال التفكير والبحث العلمي، وإعمال العقل في فهم صحيح الشرع، مع التوصية بعمل موسوعة عصرية لقضايا الاجتهاد، وهو ما كلفنا به فريق العمل بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة.
12-أهمية الاجتهاد الجماعي والمؤسسي؛ لأنه أكثر عمقًا ودقة، وأحرى إصابة، كونه يضم الكثير من العلماء والخبراء المتخصصين، كما أنه سبيل ضامن إلى اتحاد الرؤية في حل كثير من المشكلات.
13-ضرورة إعداد جيل من العلماء وتكوين الكوادر العلمية الكافية التي تدرك مقاصد الشرع والمراد منها وتتوفر فيها شروط الاجتهاد؛ لتقوم بفرض الكفاية في تعاملها مع الأحداث والوقائع وإعمال العقل فيما يقع من النوازل الكبرى والحوادث المعضلة، والبحث عن حلول شرعية لها تتسق وفقه الواقع.
14-ضرورة تفكيك خطاب التطرف، والعمل على نشر سماحة الإسلام ووسطيته، وبناء الوعي الصحيح حول مفهوم المواطنة التي هي ركن أصيل في بناء الدول.
15-بيان أهمية التجرد في الاجتهاد، بألا يشوبه ميل حزبي أو طائفي أو عرقي أو قبلي أو أي علة تخرج به عن مساره الصحيح.
16-ضرورة نشر الوعي بين الناس بالتفرقة بين الاجتهاد والتقول بالرأي، فالاجتهاد قائم على أسس وقواعد وضوابط وشروط، أما التقول بالرأي فلا أساس له وقد يَنْسِب صاحبه إلى الشرع الشريف ما ليس فيه لعدم فهمه للنص وعدم تعمقه ومعرفته به.
للإشارة فقد حضر المؤتمر كل من محمد عبد الرحمن الضويني وكيل الأزهر الشريف نائبًا عن فضيلة الإمام الأكبر-أحمد الطيب شيخ الأزهر-الشيخ الدكتور عبد اللطيف آل الشيخ وزير الشئون الدينية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية- عادل بن عبد الرحمن العسومي رئيس البرلمان العربي- عبد الرحمن بن عبد الله الزيد نائبًا عن محمد بن عبد الكريم العيسي أمين عام رابطة العالم الإسلامي- شوقي علام مفتي جمهورية مصر العربية- محمد أحمد مسلم الخلايلة وزير الأوقاف والشئون الإسلامية بالمملكة الهاشمية الأردنية- محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشئون الإسلامية والأوقاف بدولة الإمارات العربية المتحدة، وضيوف مصر من الوزراء والمفتين والسفراء والعلماء والمفكرين من مختلف دول العالم، كما شارك في هذا المؤتمر وفد من اتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل يترأسه سعادة الدكتور محمد الزغبي وفضيلة الشيخ الصادق العثماني مدير الشؤون الإسلامية والأستاذ بسيم الزغبي المدير العام التنفيذي للاتحاد..