الجمعة 9 ديسمبر 2022
كتاب الرأي

محمد بنمبارك: أداء الدبلوماسية المغربية بين الرسمية والموازية

محمد بنمبارك: أداء الدبلوماسية المغربية بين الرسمية والموازية محمد بنمبارك
يحمل صراع المغاربة مع حكام الجزائر حول الصحراء، عدة مسميات: الصحراء المغربية، استكمال الوحدة الترابية، استرجاع الأقاليم الجنوبية، الوحدة الترابية، لكن أدقها وأعمقها: القضية الوطنية، تسمية بالغة الدلالة تفيد أن جميع المغاربة بالداخل والخارج معنيون بالدفاع عن وحدة الوطن وسيادته.
ذاك هو الفارق بين المغرب والجزائر. فإذا كانت الصحراء عند حكام الجزائر مسألة حياة أو موت مرتبطة بدوام نظام حكمهم، فإنها ترقى عند المغاربة، ملكا وشعبا، إلى درجة التراب المقدس.
يصطدم المغرب بجزائر عليلة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا، رغم ما تجنيه من ثروة هائلة من العائدات النفطية. فحكامها يتجاهلون مشروع التنمية الملح في البلاد، ويركزون على الإنفاق العسكري والجهد المالي الموجه للمعارك الدبلوماسية وصفقات المناورات ضد المغرب. يوازي هذا العبء المالي سياسة اللاآت: لا حوار لا تفاهم لا وساطة.
حالة شاذة تدعو إلى التساؤل عن غاياتها. هل يبحثون عن مغامرة عسكرية؟ أم وجدوا ضالتهم في وضعية لا حرب وعرقلة السلم، كمفتاح لبقاء نظام عسكري على قيد الحياة في قلب عاصفة من التناقضات.
كلها مؤشرات تفيد أن المغرب لازالت أمامه متاعب جمة تتطلب تعبئة سياسية شاملة في إطار دبلوماسية متعددة الأبعاد. وهي مسؤولية غير منوطة فقط بالدبلوماسية الملكية واختصاصات وزارة الشؤون الخارجية. فالباب أصبح مفتوحا، بعدما غير الملك محمد السادس من نهج الدفاع عن الصحراء المغربية، ومنح الفرصة لكافة المغاربة بالداخل والخارج للانخراط في عملية الدود عن الوحدة الترابية، بدلا من الوضعية السابقة لعهده، التي كانت تعتبر قضية الصحراء ضمن المجال المحفوظ لدوائر القرار العليا بالبلاد.
بات من حق كل مغربي أن يعبر عن مواقفه وتخوفاته بشأن تطورات القضية الوطنية، إلا أنه يجب توخي الحذر، من بعض الآراء التي تحاول أن تشكك فيما تحقق مما يبعث على التشويش لما هو قادم. فقد تردد في بعض الصحف والمواقع الإخبارية، إثر الأزمة الأخيرة مع تونس، سلسلة من الاتهامات بالتقصير والتشكيك في القدرة على تحمل المسؤوليات، مست أساسا شخص السيد بوريطة وزير الخارجية، الذي وصفه البعض ب " صانع الأزمات" لكن في حقيقة الأمر يستحق لقب " صانع اللكمات للخصوم".
لا يخفى على أحد ما حققته الدبلوماسية المغربية من انتصارات في السنوات الأخيرة، على الساحة الإفريقية والأمريكية والأوروبية، بدل فيها الملك محمد السادس جهدا كبيرا بما يمكن تسميته بثورة الدبلوماسية الملكية أربكت حسابات الجزائر وعززت موقف المغرب دوليا، لاسيما بعد رفع الأعلام الوطنية لعدة دول عربية وافريقية ومن أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بسماء مدينتي العيون والداخلة، والتنويه بمبادرة الحكم الذاتي كحل فريد لهذا النزاع.
كما لا يمكن تجاهل أيضا الدور الفعال لرجل الثقة، وزير الخارجية السيد بوريطة، الذي تستاء منه الجزائر كثيرا، لكونه غير من نمطية تدبير وتسيير ملف الصحراء، وفتح أوراش عمل جديدة ساهمت في توسيع شبكة علاقات المغرب الخارجية، وضيقت الخناق على الدبلوماسية الجزائرية، بمختلف المحافل الدولية، مع استحضار دينامية الممثل الدائم للمغرب بالأمم المتحدة، السيد عمر هلال.
ومع ذلك، هناك مؤاخذات على الدبلوماسية الرسمية تستوجب الوقوف عندها، وفي مقدمتها موضوع تعيينات السفراء، التي أصبحت تثير الكثير من الالتباس والاستفهام لدى الرأي العام الوطني، حول أسماء بعينها من حيث خلفياتهم ومواقعهم ومدى أهليتهم لتقلد هذا المنصب الدبلوماسي السامي، الذي لا يحتمل المحسوبية والوساطات، وهو ما يدخلنا في تنازع بين المصلحة الشخصية وتلك المرتبطة بالمصالح الوطنية. وقد سجلت في هذا الجانب بعض المواقف والتجاوزات التي أساء أصحابها لسمعة ومصالح المغرب.
ويجب أن لا تفوتنا ملاحظة في غاية الأهمية لها علاقة بالأداء الدبلوماسي وجب تداركها، تتمثل في الغياب الشبه التام لرئيس الحكومة عن الواجهة الدبلوماسية، وهي حالة تنطبق على باقي مكونات فريقه الوزاري وفي مقدمتهم الأمين العام لحزب الاستقلال، والأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، المختفين عن كل الواجهات، ليظل جلالة الملك ووزير خارجيته وحدهما في معترك الدفاع عن قضية وحدتنا الترابية.
وجب التذكير هنا، بالدور الدبلوماسي المتميز الذي لعبه المرحوم عبد الرحمن اليوسفي، كوزير أول في حكومة التناوب التوافقي ( 1998 ــ 2002) الذي تحققت بفضل شخصيته السياسية الوازنة ونشاطه الدبلوماسي الفعال والمكثف، وعلاقاته الواسعة بقادة ورؤساء حكومات دول بآسيا وأمريكا اللاتينية وأخرى عربية وإفريقية وأوربية، مكاسب لصالح قضيتنا الوطنية. دون أن نغفل المرحوم عبد اللطيف الفيلالي، والسيد أحمد عصمان، اللذان كان لهما نفوذ وصيت في العواصم والمنتديات و الدولية تركت بصماتها على المسار الدبلوماسي.
بمنطق تحصين الذات وتقوية جبهة الدفاع الوطنية، على الدبلوماسية المغربية أن تفعل جناحها الثاني وتدفع به بقوة إلى المعترك، ويتمثل في الدبلوماسية الموازية لما يمكن أن تلعبه من أدوار حيوية هامة. وهنا تبرز المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق البرلمان، بمجلسيه النواب والمستشارين. فالبلاد باتت بأمس الحاجة إلى برلمانيين من كفاءة سياسية وتجربة واطلاع واسع، لاسيما أن هذه المؤسسة الدستورية أصبحت في الواجهة، فلها مسؤولية تمثيل المغرب في المنتديات القارية والإقليمية والدولية، وهي فضاءات للصراع والتنافس مع الخصوم لكسب المواقف الداعمة للمغرب.
غير أن الانتخابات التشريعية 2021، لم تمكن مجلس النواب، رغم تمثيليته الحزبية، من تدعيمه بطاقات سياسية وازنة قادرة على تحمل واجب الدفاع عن القضية الوطنية بالخارج، والخلل بالأساس يعود للحسابات الضيقة للأحزاب السياسية التي سعت لضمان مقاعد أكبر لها عن طريق التزكيات ودوافع نخبوية، أقصت العديد من أطرها وطاقاتها الفاعلة، التي كان بإمكانها أن تشكل قيمة مضافة لمجلس النواب والمغرب.
الأمر يختلف بعض الشيء عند مجلس المستشارين الذي يضم في عضويته مستشارين من قطاعات حيوية مختلفة: نقابات، غرف مهنية، جماعات ترابية وغيرها، معظمهم متمرس على قواعد العمل التنظيمي المبني على الصراع والتنافس والمناورة. لذلك فإن تشكيلته تخضع عموما لحسابات وضوابط تبدو جدية، وهذا النوع من الممارسات والتجربة هو ما يفيد الدبلوماسية المغربية، لذلك نلاحظ أن الأنشطة الدبلوماسية لمجلس المستشارين، الذي يرأسه السيد النعم ميارة أحد أبناء الأقاليم الجنوبية، لها حضور وفعالية أكبر في هذا الميدان.
وهذا الأمر يحيلنا، على ضرورة إعطاء بالغ الأهمية لتشكيلة الوفد الرسمي لبلادنا في مفاوضات الموائد المستديرة حول الصحراء المغربية التي تشرف عليها الأمم المتحدة. والتي ينبغي أن تضمن لأبناء أقاليمنا الجنوبية مشاركة فعالة في هذه المفاوضات.
هناك قصور أيضا يعتري الدبلوماسية الموازية، يتجسد في افتقاد المغرب لتلك الثروة البشرية المتميزة، التي كانت تضمها الأحزاب السياسية، فغاب رجل السياسة وحل المحسوب على السياسة. لذلك يظل الرهان قائما على، ملجأ النفور السياسي المتمثل، في مؤسسات المجتمع المدني والإعلام ومراكز الدراسات والباحثين، الذي يضم خزانا من الطاقات والكفاءات الجديرة باقتحام مجالات ومنابر الدفاع عن الوحدة الوطنية.
ويعد الحقل الديني بإفريقيا من بين أشد ساحات المعركة مع الجزائر، حيث تسجل الدبلوماسية الدينية حضورا وازنا، من خلال الدور الهام والحيوي في التأطير والتوجيه بالعديد من البلدان الإفريقية، والتصدي للمناورات الجزائرية، التي تعمل في إطار منافستها للمغرب على اختطاف رموزه الدينية من الأولياء والصالحين والزوايا وتزوير التاريخ والحقائق. وقد بدل المغرب بقيادة الملك محمد السادس جهودا جبارة على مدى سنوات بإفريقيا عبر سياسة بناء المساجد وتأطير الطلبة والأئمة الأفارقة بالمغرب وببلدانهم، طاف على مدى سنوات عدد من علماء المغرب بمدن إفريقية في إطار التوجيه والتنوير ونهج سياسة مكافحة التطرف والتعصب الديني.
لكن المنافس الجزائري يلاحق المغرب أينما حل، لذلك وجب الانتباه للتحركات الجزائرية منذ أكثر من عام بكل من مالي والسنغال والنيجر وغيرها لاستدراج الفقهاء والعلماء الأفارقة ومحاولة تبوأ مركز ديني متقدم بدعم من إيران التي تسعى إلى استغلال هذا المنفذ الجزائري لنشر ثقافة المذهب الشيعي. هذه المعركة بدورها تتطلب جهدا مضاعفا ومزيدا من التأطير والحضور في معاقل المراكز الدينية الإفريقية، ليس بالأموال بالضرورة بل بأساليب أكثر حكمة ومصداقية في إطار سياسة متقدمة، تعيد تقييم ما أنجز وتحضر لخطة بديلة وبنفس جديد، وذلك بالإنصات والتشاور مع خيرة علماء المغرب المطلعين والعارفين بأوضاع الشؤون الدينية بإفريقيا.
وتفرض الدبلوماسية الرياضية نفسها كفاعل رئيسي في الحراك الدبلوماسي المغربي أساسا بإفريقيا. وأشير هنا إلى انجازات الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، التي تمكن رئيسها بفضل حنكته ودهائه، من ضمان حضور مغربي قوي بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم " الكاف"، واكتساح الجزائر بإفشال كل مناوراتها. حيث تحول المغرب معها إلى وجهة إفريقية مركزية استعاد فيها مكانته اللائقة، وتم تصحيح العديد من الاختلالات والتلاعبات التي كانت تجري في السابق لأغراض سياسية مناوئة.
على صعيد آخر حرص الملك محمد السادس، في العديد من خطبه، على استحضار الجالية المغربية المقيمة بالخارج والإشادة بدورها فيما تبذله من جهود بروح وطنية صادقة وعفوية دفاعا عن قضية وحدتنا الترابية. غير أن تعدد الدوائر الرسمية والمؤسسات والمجالس التي تدبر شؤون الجالية يؤدي إلى تضارب المصالح وصراع المناصب واختلاف الرؤى والسياسات، مما لا يساعد على التدبير الأمثل لهذه الطاقة البشرية بالمهجر.
كان بإمكان النادي الدبلوماسي المغربي أن يشكل قوة اقتراحية ومنبر رأي واستشارة في القضية الوطنية وغيرها من الملفات، كما هو عليه الحال في عدد من النوادي الدبلوماسية بالعالم، لكنه ظل نقطة ضوء خافتة على خارطة الدبلوماسية الموازية، انحصر مجاله في مناسبات اجتماعية وطباعة مجلة وإحياء ذكرى ورسائل وبلاغات تصفيق وإشادة.
لا تختلف مهمة الدبلوماسي عن العسكري المرابط على الحدود، فكلاهما منوطة به مهمة دفاعية عن الوطن، لكن الاختلاف يكمن فقط في الوسائل بين الناري والناعم. وهنا وجب التنويه بالدور الفعال والمشرف لأفراد القوات المسلحة الملكية للدفاع عن وحدة الوطن، والحفاظ على أمنه واستقراره. وهذا المجهود الحربي يتكامل مع الدور السياسي للدبلوماسية الرسمية والموازية، من أجل مناصرة قضية الصحراء التي هي جوهر الوحدة الوطنية للمملكة.
 
محمد بنمبارك، بلوماسي سابق