الجمعة 9 ديسمبر 2022
فن وثقافة

توأم التْبَوْرِيدَةْ و اَلْعَيْطَةْ وكنوز التراث اللامادي بأرض شرفاء ومْجَادِيبْ سَلَّامْ بالرحامنة

توأم التْبَوْرِيدَةْ و اَلْعَيْطَةْ وكنوز التراث اللامادي بأرض شرفاء ومْجَادِيبْ سَلَّامْ بالرحامنة الزميل أحمد فردوس في منصة إذاعة المهرجان
كان حدث انطلاق النسخة الأولى من مهرجان سَلَّامْ لفن التْبَوْرِيدَةْ و اَلْعَيْطَةْ والتراث اللامادي صباح يوم الخميس 14 يوليوز 2022، فرصة سانحة لانخراط النسيج الجمعوي المحلي بالجماعة الترابية أولاد إملول بإقليم الرحامنة، بشكل تلقائي وفعال لتنفيذ برنامج إدارة المهرجان إلى جانب شركاء ذات الجماعة الترابية، وترجمة شعار الدورة الأولى الموسوم بـ "التراث اللامادي بوصفه رافعة للتنمية".

 يوم الخميس 15 يوليوز 2022 ، من عاصمة الرحامنة مدينة بن جرير رافقني على متن سيارة أجرة صوب أرض شرفاء ومْجَادِيبْ سَلَّامْ بتراب جماعة أولاد إملول في رحلة الاستمتاع بالثقافة الشعبية صديقي الأستاذ عبد العالي بلقايد الباحث في التراث، وكان حديثنا مركزا على طول مسافة الطريق حول شرفاء "سَلَّامْ"، وطقوس العبور بقبائل الرحامنة ودلالاتها ورمزيتها العميقة، ومجموعة من العادات والتقاليد ذات الصلة بالعمران البشري.

تحت سقف خيمة الثقافة، حضرت وجوه طلابية وأساتذة وباحثين ومختصين في التراث المادي واللامادي والثقافة الشعبية، حيث انطلقت فعاليات ندوة فكرية شارك في محاورها الغنية الأستاذ عبد العالي بلقايد والأستاذة الجامعية الدكتورة سعيدة عزيزي إلى جانب الشاعر والزجال إدريس بلعطار، حيث قام الأستاذ عبد الغني الحميدي بتسيير محاورها وتقديم أطباقها الغني بشكل احترافي.
مدير النسخة الأولى لمهرجان التْبَوْرِيدَةْ واَلْعَيْطَةْ والتراث اللامادي الأستاذ ربيع عز الدين اعتبر في كلمته الترحيبية أن: "ضيوف النسخة الأولى هم من نوع خاص. باعتبارهم من طينة مْجَادِيبْ سَلَّامْ. يمارسون جَدْبَةْ خاصة. جدبة الصدق والوفاء للذاكرة والمشترك. جدبة النقد. جدبة الثقافة". إنها بالتأكيد جدبة الانفتاح على سؤال الموروث الثقافي الشعبي، على اعتبار ـ يقول مدير المهرجان ـ أن سؤال الموروث وسؤال التراث ينهل "من سؤال من نحن وماذا نريد؟". ليجيب بتلقائية المؤمن بضرورة وأهمية العوامل الثقافية التي تساهم في نهضة المجتمع.
 
الباحث عبد العالي بلقايد رفقة الباحثة الاستاذة الحامعية سعيدة عزيزي

ورغم قساوة الطبيعة، التي اختارت أن تذكرنا بـ "بيئتنا" التي نحيا بها و بأفضالها ومن أجلها، وتحت رحمة حرارة الطقس المفرطة، فقد بقيت الوجوه السَّلَّامِيَةْ وضيوف المهرجان مرابطة فوق الكراسي تحت سقف خيمة الثقافة بأرض سَلَّامْ للإصغاء بتمعن ويقظة لعروض المحاضرين والاستمتاع ببحوثهم الراقية. لأن المثقف من واجبه اليوم أن يظل يقظا لتحصين وتثمين كل ما يرتبط بالثقافة والتراث والموروث الشعبي. لذلك قالت الدكتورة سعيدة عزيزي التي سافرت بالجمهور وهي تعدد طقوس العبور بقبائل الرحامنة: "من يريد أن يبحث ويترافع عن الموروث الثقافي والتراث الإنساني عليه أن يتحمل مشاق ومتاعب البحث والنبش في مثل هذه الظروف القاسية، التي يعيشها الإنسان في المغرب العميق، وليس أن يختار المكان والزمان ليتلذذ بمكيفات فنادق الخمس نجوم".

طبق سنابك الخيل والبارود في الفترة المسائية من نفس اليوم، والذي انتظره جمهور السَّلَّامِيَّاتْ والسَّلَّامِيِّينْ وضيوف مهرجان التبوريدة و العيطة والتراث اللامادي، كانت لحظة مميزة بعد تحقيق هذا الحلم: "منذ طفولتي وأنا أحلم بتحقيق هذا الحلم، حلم صناعة الفرح والفرجة ورسم ابتسامة السعادة على إيقاع عروض التبوريدة وإحياء عادات وطقوس "الرّْمَا" وفرسان أرض سَلَّامْ بتراب جماعة أولاد إملول". يقول رئيس الجماعة الترابية في كلمة افتتاح عروض التبوريدة أمام جمهور غفير عاشق للخيل والبارود.

عند ساعة الصفر، وعلى إيقاع مغيب الشمس، لعلع الْبَارُودْ على ﯕْصَاصْ اَلْخَيْلْ، وسمع دويه في أرجاء أرض سَلَّامْ الطيبة، فهلل الجمهور بمختلف التعابير الشعبية متفاعلا مع جمالية لوحات الفرسان على صهوات خيولهم الثائرة والجامحة، حيث انتصبت مْكَاحَلْ عَلَّامَةْ اَلْعَلْفَاتْ في عنان السماء تتوسل الخير والبركة (17 سربة)...فكانت زغاريد السَّلَّامِيَّاتْ مقدمة لفتح أوراق تراث منطقة غنية بموروثها المتعدد والغني.

تمدد الفرح وتمددت فقرات صناعة الفرجة، فكان لابد من العودة لخيمة الثقافة التي تنتظر صوت بلبل الشعر البدوي الزجال بَابَا إدريس بلعطار سفير قبلية أحمر المنافح عن مدرسة النواصر للرماية وركوب الخيل.
 
الشاعر ادريس بلعطار خلال أمسية الزجل وحفل توقيع ديوانه

إدريس بلعطار الذي كتب وقرأ أشعاره الجميل ذات النفحة البدوية المتفردة في انتقاء لغتنا الأم عبر ربوع المملكة وخارج الوطن، كان عريس ليلة الخميس المائزة بأرض سلام، حيث استمتع الجمهور بالقراءة الرائعة التي قدمها الأستاذ الناقد عبد الغني الحوميدي في ديوان "أُمْ هَانِي" التي لحنها وغناها ذات سنة الفنان الشعبي المحفوظي بصوته العذب وخامته الساحرة، فضلا عن توقيع ديوانه الأخير "مْقَامْ اَلْمَا". 

من الصور الجميلة ذات النفحة الدينية والصوفية، والتي لن تفارق مخيلتي تلك المرتبطة بِخَيْمَةْ شرفاء سَلَّامْ والتي شكلت نقطة عبور نحو طقوس وعادات "الرّْمَا"، (خيمة الوبر السوداء) حيث تسمع أدعية وتهليلات  الْحَبْحَابَةْ مْجَادِيبْ سَلَّامْ، في لحظة تقاسم فيها الجميع أحاسيس ترتقي بالإنسان لملكوت السماء.

مْجَادِيبْ شرفاء سَلَّامْ، داخل خيمة "الرّْمَا" لهم جدبتهم الخاصة، جدبة صادقة تعبر عن بساطة الإنسان الرحماني الذي ظل وفيا لعاداته وتقاليده وطقوسه الضاربة في عمق أرض سَلَّامْ، رجال يرمون كلامهم العميق النابع من قلوب مؤمنة بالتسامح وقيم الإنسانية. رجال ونساء لهم مكانتهم في المجتمع "السَّلَّامِي"، ويمكن الرجوع لأغنية المجموعة الشعبية تَكَادَّةْ لاستخلاص عمق انتمائهم لأرض الرحامنة.