الأربعاء 10 أغسطس 2022
مجتمع

حبيبي: وفاء لمعلمي عبد الرحمان الذي انتشلني من الجهل والضياع.. لولاك لما كنت أنا!!

حبيبي: وفاء لمعلمي عبد الرحمان الذي انتشلني من الجهل والضياع.. لولاك لما كنت أنا!! عبد الالاه حبيبي
معلمي الذي انتشلني من الجهل والضياع لا زال حيا في الحياة وفي ذاكرتي..
معلم يستحق أن أؤبنه حتى ولو هو حي يرزق... لولاه لكنت من الذين غادروا مبكرا طاولات المدارس نهاية الستينيات، كان تعليما قاسيا، حينما أتفقد الوجوه على الصور الجماعية لا أعثر على الناجحين إلا قليلا، الأغلبية انسحبت بعد شهادة الدروس الابتدائية، لم يكن تعليما ناجحا كما يصوره البعض، كان قطارا بطيئا ضيق المقطورات، لا يتوقف إلا في محطات  بعض المدن الكبرى، أما في القرى والمداشر فلا توجد محطاته ... كان ينبغي أن يقطع الراغبون في امتطاء عربات المعرفة مسافات طويلة مشيا على الأقدام حرا وقرا، وفي الغالب يعودون القهقرى بعدما يجدون هذا القطار الغبي قد استأنف المسير لمحطة كبرى في مدينة كبيرة... 
 معلمي الوحيد الذي زرع في عقلي بذرة الذكاء، وجعلني أستوعب بسرعة كل أسرار المعارف في اللغات والرياضيات وغيرهما كان أنيقا، نظيفا، حريصا على أن يفهم التلاميذ كل القواعد والمفردات والعمليات الحسابية، حينما يريد أن يعاقب الشاردين كان يضغط على أرنبة الأذنين وينظر في عينيك مليا ويطلب منك أن تظل هكذا منتبها، يقظا حتى انتهاء حل العملية الحسابية أو حفظ القطعة الشعرية طبعا باللغة الفرنسية... 
يوم امتحان الشهادة الابتدائية بثانوية ابي القاسم الزياني بخينفرة ، لم  يكن هناك أي فرد من أفراد أسرتي في استقبالي بعد انتهاء الحصة الصباحية بحكم وضع خاص، لكن حينما وليت وجهي شمالا رأيته هناك ينتظرنا قرب باب الثانوية، انطلقت بسرعة أركض نحوه، ضمني إلى صدره كوالد حنون، كان فرحا حينما رآني، لكن سرعان ما حضر آخرون لم يكن هناك من يقف في انتظارهم خلف سور الثانوية، كان يحمل معه موزا وتفاحا، وزبيبا وخبزا، وبعدما هنأنا على ما أنجزناه طلب منا العودة في الحصة المسائية بحماس أكثر وإرادة نجاح أصلب... 
لقد نجح كل هؤلاء المقاتلون القادمون من القرى والمداشر المحيطة بمدينة خنيفرة، وقد قضينا معا تقريبا كل المسار الدراسي حتى حصولنا على الإجازة بفاس...
بعد مرور أكثر من أربعين سنة، قررت أن أقيم عرسا أكرم فيه أستاذي الذي بفضله أصبحت هذا الشخص الذي يكتب ويفكر وينشر ولا يتوقف عن الإبداع وممارسة الحياة، وهكذا تكفلت إحدى الجمعيات المحلية بخينفرة بتنظيم هذا الحفل، الذي قدمت فيه كتابي "حوار العقل والروح" ...كان أستاذي بالقسم الخامس ابتدائي بمدرسة الحي الحسني بخينفرة حاضرا، لم تتغير ملامحه كثيرا، ظل محتفظا بأناقته وشبابه، وابتسامته الخجولة، لما ناديت عليه، صعد إلى المنصة، عانقته عناقا حارا، وتوجهت إلى الحاضرين وفي يدي كتابي الذي منحته إياه هدية وتقديرا لما أسداه لي من جميل في سبيل انتشالي من الجهل والضياع، وهكذا توجهت إلى الجمهور لأقول لهم " لولا هذا الرجل لما عرف هذا الكتاب طريقه إلى الحياة"...
بعد انتهاء الحفل وما اعتراه من خشوع وشجن وإجلال حملت أستاذي في سيارتي وفي صندوقها الخلفي وضعت الهدايا التي قدمت له، وحينما بلغنا قبالة بيته، نزلت لأفتح الصندوق و اسلم الهدايا... هنا أمسك بذراعي وقال لي: 
أتعرف ماذا فعلت اليوم يا حبيبي ....
قلت له ماذا فعلت غير شيء يسير في حقك أستاذي..
قال لي: لقد جعلت قلبي يستيعد نبضه الأصلي إ لعشرين سنة أخرى... لقد أحييتني يا ابني ...
اسم استاذي  : موكان عبدالرحمان... اللهم بارك في عمره واجعل ما تبقى من أيامه  فرحا وسعادة آمين يارب العالمين....