الأحد 14 أغسطس 2022
كتاب الرأي

حبيبي: حين نعبر كل مواسم العمر نحصل على أهم لوحة فنية على الإطلاق.. 

حبيبي: حين نعبر كل مواسم العمر نحصل على أهم لوحة فنية على الإطلاق..  عبدالإله حبيبي
لاحظ وجهك على المرآة، والتقط تفاصيله، وحاول أن تحتفظ بنسخة في ذهنك عنه، بعد مرور شهر تقريبا، عد للمرآة للقائك نفسك، قد ترى شيئا جديدا في هذه الصورة المنعكسة على الزجاج، تفصيل لم يكن بارزا في الرؤية السابقة، أو أثر ضئيل لتغيير حصل في غفلة منك، لن ترى طبعا فرقا شاسعا لأنها صورتك التي ألفتها تتغير تدريجيا، لهذا فهي لا تخلق فيك الدهشة المطلوبة التي يفترضها تتبع و ملاحظة التغيرات التي تطرأ على صورة الناس منذ الصغر حتى الشيخوخة والموت...
التعود السلس هو الذي يفوت علينا فرصة الاندهاش، والتعجب، لأنه يحرمنا من رصد الجديد الذي يحصل بين تفاصيل القديم الذي ألفناه وصار هوية لنا، لهذا لا نرى العلامات الدالة على أن الثابت فينا هو التغيير والانتقال من شكل إلى آخر،  ومن صورة إلى أخرى، متى يحصل الاندهاش إذن ؟ 
مشاهدة صورة جماعية لمرحلة تعليمية مثلا من المدرسة الابتدائية، يفاجئك بها صديق دراسة قديم، حينما ترى الصورة ستتعرف بسهولة على نفسك، لأن صورتك كطفل لا تزال حية في خيالك، تحتفظ بها ذاكرة الصور في مخيلتك، لكن رغم ذلك ستحب كثيرا هذه الصورة وتتمسك بها بشكل غريب كأنك تريد العودة إلى ذاك الزمن المنقضي، ... 
الغريب في هذا الأمر هو أن الصورة القادمة من مرحلة طفولة بعيدة قد جعلتك تنبهر بشكل كبير بما تقدمه لك من مشاهد أصبحت غير مألوفة في حاضرك وذلك رغم مسحة الحزن التي ستجتاحك وأنت تتابع تفحص الوجوه التي قد تكون نسيت أصحابها، ولم تعد تتعرف عليهم، وهنا مكمن السؤال: أي حينما انقطع الاتصال بهم، ولم تعش طويلا قريبا منهم، لن تعتاد أبدا على التغيرات التي طالت شكلهم الخارجي، ستصاب بالذهول حينما يقال لك هذا الطفل الواقف جوارك هو فلان، الذي كان وقتها جارك، لكن أسرته رحلت لوجهة لا يعرفها أي أحد من الجيران القدماء، منذ ذلك التاريخ انقطع خبرهم وأصبحوا في عداد الغائبين، هنا ستبذل جهدا خياليا لاسترجاع صورة هذه الأسرة لتأطير صورة هذا الجار المجهول، وحين تعجز ستصاب بخيبة عميقة، لكنك ستظل تسلط نظرك على الآخرين الذين تعرفت عليهم، ومنهم من وافته المنية، ومنهم من انقطع خبره بعدما هاجر خارج الوطن، لكن صورتك الشخصية ستستقطب كل اهتمامك، وستستبد بكل كيانك، أي ستخلق لك الدهشة المأمولة لأنها أصبحت جزءا من لوحة فنية لحياة بكل مساراتها ومنعرجاتها...
الخلاصة من كل هذا الحديث هو أن كل واحد منا كتب له أن يعيش كل مواسم عمره من الطفولة حتى الشيخوخة  سيكون قد حصل على لوحة فنية متكاملة الأبعاد والألوان والأضواء لحياته التي لم تستقر على حال لأن ريشة الزمن كانت تخط على الجسد، دون انقطاع، تعديلات وتصويبات وأحيانا تشويهات، أو إبراز عيوب ى كانت متوارية خلف البشرة ... وهكذا حين يبلغ الإنسان مرحلة متقدمة من  العمر تكون ريشة الزمن قد تعبت من نقش تعديلاتها وإضافاتها على جسد أصبح غير قادر على تجمل مزيد من التدخلات الجراحية العميقة، وبالتالي سيترك للموت مهمة إنهاء ما تبقى من العمل، وذلك بنسف اللوحة كلية وتحويلها إلى رميم...
كم إذن من لوحات فنية غاية في الروعة والجمال يقدمها لنا الزمن من خلال اشتغاله على أجسادنا، لكننا لا نعير هذا المنجز الطبيعي كبير اهتمام، بقدر ما نستشعر خطر الزوال، لهذا نبلور مشاعر المقاومة وردود فعل مرتبكة ضد  حتمية التغيير الذي لن نفلت منه، ونظل نسعى في شبه نوبة تراجيدية التمسك بنفس الملامح التي هي نفسها غير مستقرة على حال، كما سنعمل المستحيل حتى نظهر في صورة مقبولة لدى الأجيال الصاعدة وكأننا نرفض التعديل الذي يحدثه فينا الزمن لأجل منحنا هدية العمر بعد حياة مليئة بعبور كل المواسم والإفلات من السقوط المبكر في الطريق....أي تلك اللوحة الفنية التي ليس لها مثيلا على الإطلاق...هكذا يبدع الخالق فينا باستمرار عبر وسائطه المتعددة، ونحن  بدل تأمل ذلك وتقبله نظل نتبرم من هكذا إبداع لنسلم أجسادنا طوعا لأوهام التعديلات  الجراحية البشرية المقاومة لريشة الزمن وإرادة السماء...