الأربعاء 17 أغسطس 2022
كتاب الرأي

كريم مولاي: عدو الجزائر في الداخل وليس في الخارج

كريم مولاي: عدو الجزائر في الداخل وليس في الخارج كريم مولاي
أعادت محاكم النظام الجزائري هذا الأسبوع ملف السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس المعزول الميت إلى الواجهة، بتهم ثقيلة غالبها ينحو باتجاه الفساد والإثراء غير المشروع.. تهم يعرف القائمون عليها أنها عنوان لكل الحقب السياسية التي عرفتها الجزائر الجريحة في عقود الوكالة عن الاستعمار في إدارة البلاد..
تربطني علاقات شخصية بالسعيد بوتفليقة، فقد سبق لي أن التقيته في مناسبات عديدة أيام كنت جزءا من أدوات النظام الفاسد، وأعلم أنه لا يختلف في شيء عن باقي القيادات التي حكمت ولا تزال تحكم الجزائر، وينتابني حزن عميق عندما أقرأ لائحة التهم الموجهة إليه، ليس لأنني مع الفساد ولا مع المفسدين، ولا لأنني أحن لسنوات الجمر التي كابدت تفاصيلها في دهاليز مخابرات بائسة، وإنما حزنا على بلاد تغرق في مزيد البؤس والفوضى والعبث..
لا أحد من الجزائريين يرضى أن تصل بلاده إلى هذا المستنقع من الانسداد السياسي والتراجع الاقتصادي على الرغم من أن المرحلة تقتضي أن تكون الجزائر في صدارة العالم المتقدم.. كيف لا وهي ترقد على ثروة ربانية من الغاز والذهب والنفط المسال، الذي تتجه أنظار العالم كله صوبه، بينما الروس غارقون في دماء وأوحال الأوكرانيين.. لكن إصرار المتحكمين والمتنفذين والوظيفيين على عدم الإنصات لصوت الشعب ولأنين العائلات التي تموت جوعا وفي صمت، جعل بلادنا محلا للتندر بين دول العالم..
نظام غابت عنه هموم الجزائريين ووضع نصب أعينه فقط الحرب مع الجيران، فلم يكتف بإغلاق الحدود البرية والجوية وأخيرا الديبلوماسية مع الجارة المغرب، بل أغلقها أيضا مع الجارة التي قال بأنها تشبه الجزائر، وأعني تونس، إضافة إلى حدود ملتهبة مع ليبيا ومالي والنيجر وباقي دول الساحل.. محولا بذلك الجزائر من دولة امبراطورية ذات مقدرات اقتصادية وعسكرية ذات أبعاد استراتيجية إلى جزيرة معزولة غير قادرة حتى لا تأمين غذاء أبنائها، بعد انقطاع قمح أوكرانيا المنشغلة برد العدوان الروسي عنها..
هل يختزل السعيد بوتفليقة ومعه قادة نظام شقيقه الراقد تحت التراب المسؤولية عن خراب الجزائر؟ بالتأكيد لا يمكن قول ذلك، فما آل بوتفليقة ونزار والتوفيق إلا محطات في نظام قام على الفساد أصلا، وعلى نيابة الفاعل الحقيقي في إدارة البلا..
بالتأكيد هذا هو الجانب المظلم في الجزائر، نظام يرهن شعبه وبلاده لنزوات أقلية لا علاقة لها بهموم الشعب ومشاغله، لكن الجانب المشرق من حياة الجزائريين، هو هذه الروح العالية والسامية التي عبر عنها الحراك وأنصاره في مواجهة سياسات التعمية والهروب إلى الأمام..
لم تفلح سياسات الاستئصال والقمع وتجفيف الينابيع في إجبار عناصر الحراك على التراجع عن قضاياهم التي نذروا أرواحهم، وهي السلطة المدنية بديلا عن هيمنة العسكر.. كما فشلت مبادرات لم الشمل المزيفة والتضليلية في خداع الأحرار من أبناء الشعب الجزائري الذي واجه رئيسه المزيف في روما الإيطالية بالبيض وحبات الطماطم..
إنها مطالب الحرية والكرامة في مواجهة سياسات التصحير التي تنتهجها العصابة، بعد أن سيطرت على كل شارة وواردة في بلادنا، مستغلة قلة ذات يد شعبنا المسالم.. وهي تسعى للاستقواء بإيطاليا في مواجهة إسبانيا، وللأسف الشديد بأموال الجزائريين الذين يحتاجونها هذه الأيام لمواجهة لا أقول جائحة كورونا التي بدأنا نتأقلم معها، وإنما اتقاء لموجة جوع تهدد العالم أجمع، وفي مقدمته بلداننا العربية..
فلا معنى لأن يتم استبدال صداقة إسبانيا بالتقارب مع إيطاليا، ولا العداء مع المغرب بالانفتاح على الانقلاب في تونس.. وإنما معالجة الملفات الداخلية بوضوح وشفافية، وترك الشعب يختار تقرير مصيره بعيدا عن الوصاية العسكرية المحسوبة والمرفوضة من غالبية الجزائريين..
مقاومة الفساد التي بدأت بها هذه المقالة، لا تكون فقط بالقوانين الظالمة والثارات العابرة، وإنما بالجدية السياسية اللازمة، وبخلق الآمال التي توقف نزيف اليأس والإحباط والرغبة في الانتحار التي تودي بحياة العشرات من خيرة أبناء الجزائر..
 
كريم مولاي، خبير أمني جزائري/ لندن