الخميس 14 ديسمبر 2017
سياسة

هشومي يسلط الضوء على أول مجلس وطني استشاري كان بالتعيين

هشومي يسلط الضوء على أول مجلس وطني استشاري كان بالتعيين

في 17 غشت 1956 صدر بالجريدة الرسمية الظهير الذي يؤسس بمقتضاه المجلس الوطني الاستشاري، ويتكون من أربعة أبواب وتسعة عشر فصلا. يشير الفصل الأول إلى أن المجلس «يمثل الرأي العام الوطني في الظروف الراهنة تمثيلا واسعا بقدر الإمكان»، أما الباب الأول فيتضمن اختصاصات المجلس، حيث «يؤخذ نظره في ميزانية الدولة العامة وفي الميزانيات الإضافية من جهة، كما يستشار في جميع القضايا التي تقتضي نظر جلالتنا عرضها عليه، وبالأخص منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويبدي رأيه بواسطة الاقتراع...»، وهكذا تأسس المجلس الوطني الاستشاري في 12 نونبر 1956، بعد تسعة أشهر على استقلال المغرب، وبعد ثلاثة أسابيع من تكوين الحكومة الثانية برئاسة امبارك البكاي.

لقد اعتبر المجلس استشاريا لدى الملك من دون صلاحيات تقريرية أو تشريعية، بموجب الاتفاق على حساسية المرحلة التي يجب أن تنطلق بهذا النهج التمهيدي في أفق التحول نحو صورة أكثر ديمقراطية؛ وهو ما عبر عنه الملك الراحل محمد الخامس خلال افتتاح هذا المجلس، (أنظر النص الكانل للخطاب ضمن عناوين جريدة "أنفاس بريس")..

لم يكن أعضاء المجلس الوطني الاستشاري منتخبين، ولهذا لا يمكن القول بان ذلك المجلس كان يعكس صورة مطابقة كل المطابقة للواقع السياسي المغربي. ومع ذلك فإن البنية السياسية التي كان يقوم عليها المجلس الوطني الاستشاري قد تأثرت إلى أبعد حد من جراء التحولات السياسية التي عرفتها الحركة الوطنية في يناير 1959.

كان لحزب الاستقلال حضور مكثف في المجلس الوطني الاستشاري لا فقط من خلال الأعضاء الذين يمثلون الحزب بصورة مباشرة، بل على الخصوص من خلال المنتمين إلى الحزب واكتسبوا عضوية المجلس بوصفهم يمثلون النقابات والهيئات المهنية والثقافية وغيرها، أما الباقي فلم يكونوا ينتمون إلى أحزاب أخرى وهذا ما فسح مجالا واسعا لتحالفات سياسية ستؤدي بعد خمسة أشهر إلى قيام الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

وفيما يتعلق بتركيب المجلس، فقد ساهم رئيسه المهدي بنبركة في هندسة تركيبته بالتنسيق مع مختلف المكونات ومحمد الخامس حيث تم تشكيله عن طريق الاختيار، فكان يتكون من 76 عضوا؛ 16 شخصية تمثل النزعات السياسية 10 منها تنتمي لحزب الاستقلال (المهدي بنبركة، محمد غازي، أبوبكر القادري، عبد العزيز بن إدريس، محمد طنانة، أحمد مكوار، الحاج محمد البعمراني، الدكتور بناني، علي بوعيدة، مولاي عبد الله بن محمد العلوي). 6 لحزب الشورى والاستقلال (محمد فاضل موقيت، علي الكتاني، حمزة العراقي، الحاج أحمد معنينو، الداودي محمد، إبراهيم الهلالي). 6 شخصيات سياسية لا تنتمي إلى أي حزب من الحزبين السابقين (عبد اللطيف الصبيحي، المكي الناصري، الحاج عابد السوسي، لوسيان إبن سيمون، أحمد الجندي، عبدالله الصبيحي)، 37 ممثلا للمنظمات الاقتصادية والاجتماعية، 10 منها ينوبون عن الاتحاد المغربي للشغل (المحجوب بن الصديق، الطيب بن بوعزة، عبد الرزاق محمد، التباري محمد، الحسين حجبي، محمد الشوفاني، المهدي الورزازي، الهاشمي بناني، إدريس المذكوري، المختار ابارودي)، و18 عن الفلاحين (الحسين ولد يحيى بن يماني، الحاج احمد المذكوري، الحاج بوشعيب الجبلي، الحاج إبراهيم بن المامون، مولاي مصطفى بن شريف العلوي، عبد القادر بوعنان، إبراهيم السنوسي، حاج محمد برشيد، التهامي بن قدور بن زوينة، موسى بن بوشعيب الدكالي، الحاج إدريس بن شقرون، الحاج حمو اسكور، صلاح موحى اوطالب، موحا أوحدو، الشاهد الوزاني، محمد ولد العيساوي، الحاج عمر بن القايد العيادي)، و9 عن التجار ورجال الصناعة (محمد العراقي، احمد أولحاج، عمر الدويري، محمد الدباغ، مبارك الجديدي الفرجي، جو أوحنا، داوود بن أزراف، عبد الحي العراقي، عبد الكريم الهلالي). و15 ممثلا عن هيآت مختلفة، المهندسون في الصناعة والفلاحة (عبد الهادي صبيحي، احمد تازي)، الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان (محمد الحلو، بنسالم جسوس، عبد السلام حراقي)، معهد ثقافية (التهامي عمار، أحمد ميدينة)، المحامون (جاك الكايم)، العلماء (االشيخ ماء العينين محمد، محمد بن الطاهر اليفراني، شلومو بن السباط «حبر عن رجال الدين اليهودي»، الحاج محمد تطواني، محمد داوود) محام لدى المحاكم الشريفية (عبد السلام الورديغي). كما تم تعيين مجموعة من الاعضاء في أماكن فارغة بحكم تعيين اصحابها في مهام اخرى حيث تم في 5 نونبر 1957 تعويض مقعدين باسم حزب الاستقلال (احمد بن منصور النجاعي في مكان محمد غزاي الذي عين سفيرا للمغرب بالسعودية، ومحمد بن محمد بن شقرون مكان الحاج محمد العمراني الذي عين عاملا بأكادير)، وبالهيئات الثقافية (تعيين عبد الرحمان القادري عن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب مكان احمد مدينة الذي عين كاتبا عاما بعمالة تطوان)، وفي صنف الفلاحين (الحسين جاع مكان الحاج محمد بن ابراهيم الذي لم يحضر قط لأي اجتماع، والجيلاني خربيش مكان موحا وحدو الذي عين قائدا)، ومن بين العلماء (محمد بن محمد عرماس مكان الحاج محمد بن الطاهر اليفراني الذي توفي).

وقد حدد الظهير مدة انتداب أعضاء المجلس الوطني الاستشاري في سنتين مع إمكانية تجديد تعيينهم. وبالنسبة لتسيير المجلس فيعقد دورتين عاديتين في كل سنة (دورة في الربيع ودورة في الخريف) أو دورات غير اعتيادية إن اقتضى الحال ذلك. ولا يمكن أن يعقد جلسة إلا بحضور ثلثي أعضائه.

في جلسته الأولى، انتخب المجلس الوطني الاستشاري المهدي بنبركة رئيسا له بواسطة الاقتراع السري وبالأغلبية المطلقة وهو الذي ستكبر مع الاستقلال شخصيته الكاريزمية، حيث سنحت له الفرصة بهذا الانتخاب آنذاك للدفاع عن أطروحاته في مجال السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية، كما انتخب المحجوب بن الصديق والتهامي عمار نائبين له، والدكتور بناني والهاشمي بناني أمينين، والحاج أحمد المذكوري، والفقيه الحاج محمد داود، وأحمد أولحاج مستشارين، وأحمد مكوار رئيس اللجنة السياسية، والطيب بن بوعزة رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية ومحمد العراقي رئيس لجنة الميزانية وبنسالم جسوس رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية.

لما تحمل المهدي بنبركة مسؤولية رئيس المجلس أعطى المؤسسة قيمة كبيرة كرئيس ونظمها بشكل كبير، وجعل منه مجلسا حقيقيا ومقررا رغم كونه استشاري لكن تحلي أعضاءه بالجد وروح المسؤولية جعله «برلمانا»، وساعده في ذلك عبد الرحيم بوعبيد الذي كان يقدم قانون المالية بشكل رسمي ويناقش الأعضاء، وهو ما يساعد على إضفاء الشرعية والمسؤولية على المجلس. لقد أراد هذا التوجه الذي كان يعرف بالتوجه التقدمي واليساري والذي كان يمثله رئيس المجلس الوطني الاستشاري، رغم الصفة الاستشارية لهذا المجلس، أن يصبغ على عمله صفة المسؤولية والمصداقية، واعتباره شاهدا على البداية الأولى لمسار التحول التدريجي نحو الخيار الديمقراطي في المغرب، والاتجاه نحو مشاركة الشعب في تدبير الشؤون العامة من خلال ممثلين للأمة، إذ كانت تتم الدعوة للوزراء إلى المجلس من أجل الإجابة على أسئلة الأعضاء في جو ديمقراطي، وخصصت أولى الجلسات للاستماع إلى عرض قدمه وزير الاقتصاد والمالية عبد الرحيم بوعبيد (الأسبوع الأول من دجنبر 1956)، وتمحور النقاش حول شروط التحرر الاقتصادي والمالي والفني ....

ونص الفصل 15 من الظهير المؤسس لهذا المجلس، أنه يمكن لكل عضو من أعضاء المجلس أثناء انعقاد الدورة أن يوجه أسئلة إلى أي وزير حول المسائل التي هي من اختصاص وزارته وتكون هذه الأسئلة موجهة مباشرة وشفويا في أثناء المناقشات. وفي غير هذه الحالة تكون مكتوبة وموجهة إلى الوزير الذي يهمه الأمر بواسطة رئيس المجلس ... وعلى الوزير المعني أن يجيب كتابة عن الأسئلة المكتوبة الموجهة إليه في ظرف أسبوع.

كانت الاحتفالات بالذكرى الأولى لعودة المغفور له محمد الخامس من المنفى. وكان المغرب رسميا طيلة نهاية الخمسينات وإلى حدود وفاة محمد الخامس في نهاية فبراير 1961، يحتفل بما يسمى بالأيام المجيدة الثلاثة: 16 نونبر؛ اليوم الذي عاد فيه محمد الخامس من المنفى، و17 نونبر؛ اليوم الذي سمي بعيد الانبعاث، و18 نونبر؛ يوم عيد العرش الذي كان يخلد ذكرى جلوس محمد الخامس على العرش. كما ظل المغرب طيلة نفس الفترة يحتفل بعيد الاستقلال في 2 مارس من كل سنة.

فبعد أربعة أيام من تدشين المجلس الوطني الاستشاري، والذي صادف يوم 16 نونبر 1956 اليوم الذي رجع فيه محمد الخامس من المنفى، ألقى المهدي بنبركة رئيس المجلس الوطني الاستشاري خطابه بقصر المامونية أمام محمد الخامس وقد كان مشهدا مؤثرا جدا لحظة مثوله بين يدي الملك، جاء فيه: «إننا نحن الذين تشرفنا بثقة جلالتكم فاخترتمونا لنكون الناطقين الأمناء باسم شعبكم المجيد، لنشعر بعظمة الفخر وكبير الغبطة بحلول هذه الذكريات التي عملت بداية نهضة الوطن واستقلاله وانطلاقه في سبيل البناء والعمل لربط ماضيه النبيل بمستقبله الذي سيكون بإذن الله كذلك عظيم. ولقد رأينا في هذه السنة من آثار النصر والتحرر ما قرت به أعيننا، حيث أن بلادنا حصلت على استقلالها ووحدة أراضيها وأصبح لديها بفضل جلالتكم حكومة عصرية وجيش منظم وأمن وطني وتمثيل خارجي، وغير ذلك من المنشئات العظيمة التي تحققت في مدة قصيرة، والتي تستحق أن ينظر إليها بعين التقدير والإعجاب، وقد توجتم ذلك كله بإنشائكم لهذا المجلس، الذي قصدتم به توجيه شعبكم إلى المشاركة في الحكم تدرجا إلى ما تريدون تحقيقه من ديمقراطية قائمة على أسس النضج السياسي والتهذيب الوطني والوعي الاجتماعي....».

بعد مرور سنة من عمل المجلس، قدم المهدي بنبركة في خطاب له بحضور الملك محمد الخامس الحصيلة :»...لقد تمت السنة الأولى من حياة هذا المجلس الذي أسسته جلالتكم وجعلتم منه خطوة نحو حياة نيابية تمكن الشعب من تدبير شؤونه العامة في دائرة ملكية دستورية صحيحة البنيان وديمقراطية سليمة حقيقية.... ورأت جلالتكم من الجلسات التي خصصت خلال السنة المنصرمة لاستعراض الحالة الاقتصادية والمالية ومناقشة ميزانية التسيير ودراسة برنامج التجهيز، مدى تقدير المجلس للمسؤوليات واهتمامه بالقضايا الوطنية والمشاكل المتنوعة التي تواجهها بلادنا اليوم، معبرا عن رأيه في ملتمسات كانت تبشر بحلول دقيقة واقعية وباقتراحات توجيهية نتمنى أن تكون موفقة ومطابقة لرغبات شعبكم». وأبرز المهدي في خطابه مساهمة المجلس في مسؤولية النهوض بالبلاد «...والعمل على استكمال تحريرها سواء من القيود الاقتصادية والفنية والعسكرية التي خلفها الاستعمار أو من قيود الجهل والرجعية والإقطاعية التي كانت السبب في تمكنه من التسرب والاحتلال»، وتطرق رئيس المجلس الوطني الاستشاري إلى مشروع طريق الوحدة الذي أنجز سنة 1957 «..الذي كان بمثابة مدرسة تخرج منها أحد عشر ألف من الشباب النشط « كما تطرق لعملية «استصلاح الأراضي الزراعية وحرثها بوسائل ميكانيكية جماعية التي تحقق ثورة عظيمة في البوادي المغربية».

في سنة 1958 استقبل المهدي بنبركة من طرف محمد الخامس بالقصر الملكي كرئيس للمجلس، وذلك في إطار الاستشارات لمعالجة أزمة وزارية، وبعد ذلك أدلى المهدي بتصريح للإذاعة الوطنية جاء فيه: «سألني صاحب الجلالة حول رأيي بصفتي رئيسا للمجلس الوطني الاستشاري في الأزمة الحاضرة وفي كيفية حلها، وقبل التوجه إلى القصر الملكي العامر، كان المجلس قد عقد اجتماعا عاما من أجل مناقشة الميزانية واقترح علي أحد أعضاء المجلس أن يتصل بي رؤساء الهيئات الممثلة في المجلس قبل أن أتوجه إلى القصر حتى يمكنني أن أحمل معي صورة كاملة عن التيارات الفكرية الموجودة في المجلس. وفعلا عندما حظيت بالمثول بين يدي الملك، أمكنني أن أعطي لجلالته نظرة كاملة عن اتجاهات الرأي العام في الأزمة الحاضرة. وقد قلت لصاحب الجلالة؛... إن الحالة في المغرب دقيقة وأن الظروف التي تجتازها البلاد ظروف حيوية ويجب أن نواجهها بكل حزم بعد الاستفادة من التجربة السابقة، وسألني جلالة الملك في موضوع الانتخابات فكان رأيي هو أن الانتخابات البلدية المقبلة هي أهم البنود التي يتكون منها برنامج المغرب الجديد وإننا نرى جميعا أن بناء الديمقراطية في المغرب ينبغي أن يكون من الأساس على مستوى البلديات والجماعات القروية التي يجب أن تمكن الشعب من مباشرة شؤونه بصفة علمية. وطبيعي أن الديمقراطية تقتضي الحرية الصادقة، الحرية السليمة، يعني الحرية البنائية».