السبت 20 أغسطس 2022
مجتمع

د. منصف اليازغي: هذه حكايتي مع كورونا في مطار محمد الخامس

د. منصف اليازغي: هذه حكايتي مع كورونا في مطار محمد الخامس منصف اليازغي

يوم الثلاثاء ما قبل الماضي، أحسست بدوار غريب وبسيلان في الأنف، مرت على ذهني الكثير من الصور المحتملة وغير المحتملة للإصابة بداء شكل الحدث في العالم، تذكرت أني قضيت اياما طوال في الصين شهر أكتوبر الماضي رغم أني أعرف مسبقا أن الفيروس لا يستمر أكثر من 12 ساعة وأن الحالة تظهر في 14 يوم. استحضرت ايضا أنه قبل وصولي إلى العمل مررت على علبة الرسائل الخاصة بي بمكتب البريد لتسلم علبة اقتنيتها عبر موقع "علي إكسبريس" الصيني، وذلك رغم يقيني بصعوبة أن يظل الفيروس عالقا في شيء تنقل لأسابيع بين عدة مطارات في درجة حرارة عالية.

 

تناولت بعض الأدوية المسلمة لي من إدارة العمل مشكورة، عدت إلى المنزل ووجدت أن ضغط الدم عادي، تناولت مجددا حبة دواء قبل النوم استعدادا للسفر في اليوم الموالي إلى أكادير عبر الطائرة استجابة لدعوة كريمة من المدرسة الأمريكية بتنسيق مع جمعية صداقة ورياضة للمشاركة في ندوة حول "الرياضة ومشروع الجهوية"، على أن أعود مساء اليوم ذاته.

 

بمطار محمد الخامس على الساعة العاشرة والنصف، أي على بعد ساعة من إقلاع الطائرة صوب أكادير، أحسست وأنا جالس أشتغل على جهازي في المقهى الموجود في قاعة الإركاب، بصداع غير عاد في الرأس وبداية سخونة، إلى جانب حركة غير عادية أسفل الصدر، أغلقت جهازي على الفور وقررت التصرف. قبل التوجه إلى شرطة الحدود، انتبهت إلى وجود الاستاذ بدر الدين الإدريسي الذي حاول السلام علي كالعادة بالحرارة المعهودة بيننا، فاعتذرت مبعدا إياه بلباقة ومفسرا له بأن شيئا ما يتوجب التأكد منه.

 

توجهت إلى شرطية الحدود وأخبرتها بما أشعر به وبأني أرغب في الخضوع لفحص طبي، أجابتني بكل أدب بأنها ستتصل في الحال بالقسم الخاص بذلك، وهو ما فعلته بشكل سريع راجية مني الجلوس على أحد المقاعد المجاورة، مرّت ربع ساعة ولم يحضر أحد، جددت الحديث مع الشرطية التي عاودت في الحين طلبها بشكل أوضح عبر الهاتف، تمر مجددا حوالي ربع ساعة وعدت إلى الشرطية لأخبرها بأني مستعد للتوجه إلى القسم الخاص بالفحص عوض انتظار حضور أحد عناصره، تطلب مني الشرطية بلطف أن أنتظر متوجهة مجددا إلى الهاتف لتطلب بلهجة حادة حضور طبيب بشكل مستعجل.

 

حينها بدأ التوتر يحتل مساحة شاسعة من تفكيري، ولا أتمنى لأحدكم أن يعيش تلك اللحظات، توجه شرطي أقل رتبة (Grade) نحوي محاولا تهدئتي، طالبا مني التذكرة لتسجيلها لدى المرور الأخير ربحا للوقت، وايضا لإخبار طاقم الطائرة بوجود حالة تنتظر الفحص، كل ذلك والأستاذ بدر الدين الإدريسي إلى جانبي رافضا الصعود إلى الطائرة التي لم يعد ينقصها سوى راكبين فقط من أجل الإقلاع.

تمر ربع ساعة ثالثة (45 دقيقة)، ولا أحد حضر، والشرطية تشعر بحرج شديد وهي تتوجه للهاتف للمرة الرابعة لتتحدث إلى الطرف الآخر بلهجة أقوى وأكثر إلحاحا، حينها حضر الشرطي السابق رفقة مسؤول أمني رفيع للحديث معي، رفضت مصافحة الأخير حفاظا على سلامته في حال تأكد ما يجول في خاطري، حينها تحدثت معه بكل هدوء "أنا إبن هذا البلد، ولست من هواة الصراخ والتنديد، لكن أشعر بالصدمة أنه في الوقت الذي نتحدث فيه عن استنفار بالمغرب بسبب كورونا وعن كون المطار هو المكان الأكثر حساسية، أجد نفسي أنتظر أكثر من 45 دقيقة بدون أن يحضر أي طبيب، فهذا أمر يستحيل استيعابه، قد أتفهم الأمر في الأيام العادية، لكن في هذه الظرفية، الأمر غير مقبول"، أضفت وهو يتابعني بتفهم "كان بإمكاني أن أمارس لعبة الاستهتار وأصعد إلى الطائرة بكل ما يعني ذلك من أذى  للآخرين في حالة وجود إصابة لدي، لكني لا أقبلها على نفسي".

 

ظهر على شرطة الحدود الحرج الكبير مما يحدث، محاولين في كل مرة التأكيد على أنه لا دخل لهم في الموضوع وأن مسؤوليتهم تنتهي عند حدود الإخبار في الحالات الطارئة، كل ذلك في الوقت الذي يلح قائد الطائرة على موظفة المرور الاخير، وبأن الطائرة على أهبة الإقلاع بعدما توجه إليها جل المسافرين عبر الباص.

 

ظهرت الطبيبة رفقة مساعدة لها، اعتذرت بأدب شديد وأكدت لي أنها كانت منشغلة بحالة أخرى، ممتاز، لكن أنا حسب علمي هناك تعزير للطاقم الطبي بالمطار حسب ما تداولته وسائل الإعلام الرسمية، أجبتها وهي مبدية أقصى درجات اللطف.

 

قامت بفحصها، وجدت أن الحرارة لا تتجاوز 37، سألتني بعض الاسئلة، وأكدت لي أن الامر يتعلق بإرهاق شديد، وأعطتني ورقة أقدمها لمضيفة الطائرة من أجل تسليمي حبة دواء.

 

ليس في الأمر اختزالا لمجهودات أحد، لكن اثق في أن هذا البلد استشعر الإشكال في حينه، وهو على ما يبدو متحكم في زمام الامر إلى غاية الآن، لكن ليس مقبولا أن تنتظر قرابة الساعة من أجل فحص في مطار هو مصدر الخطر كله، تدوينتي للتنبيه الإيجابي وليس من أجل ممارسة هواية سخيفة لا اقبلها على نفسي. عموما شكرا لشرطة الحدود وللسيدة الطبيبة ولطاقم الطائرة.

 

ولأني أبحث دائما عن خاتمة لطيفة، أخبركم أنه تم نقلي رفقة الاستاذ بدر الدين الإدريسي صوب الطائرة على متن سيارة الشخصيات (VIP)، وعلّق الإدريسي بأن المرة المقبلة سيدّعي رغبته في إجراء فحص من أجل الاستفادة من نقل خمس نجوم.