الأحد 21 يناير 2018
كتاب الرأي

يزيد البركة:المشروع الاشتراكي.. إلى أين ؟

يزيد البركة:المشروع الاشتراكي.. إلى أين ؟ يزيد البركة
حلت ذكرى اغتيال الشهيد عمر بنجلون في 18دجنبرالماضي، واستحضارنا في هذه الذكرى ليس من باب التأبين والرثاء بل مساهمة في تمحيص وتدقيق ما وصلنا إليه في المشروع الاشتراكي الذي لا مناص منه للمجتمع المغربي لكي يستطيع أن يصبح مجتمعا سليما ومتوازنا ، ولكي نقف على ما فاتنا في سيرنا ، وما أخطأنا فيه وذلك على دأب الاشتراكيين في العالم في استحضار ذكرى شهدائهم وما تخللتها من محطات مشجعة يجب أن تنمى، وأحيانا الشاقة والكأداء في الطريق الطويلة من الكفاح والنضال لكي يعاد تناولها بأسلوب خلاق يسهل العمل ويكون أجدى .
بضع سنوات فقط وستكون قد مرت على الجريمة البشعة بكل المقاييس نصف قرن ، فهل تقدمنا على درب المشروع الاشتراكي أم أننا تراجعنا ؟ لا شك لدي أننا تراجعنا على ما كانت عليه الظروف في المجتمع المغربي ، ومن البديهي أن عددا من قراء هذه الحلقات سيصدمهم هذا الحكم القاسي ولكن الحقيقة أمام أعيننا وسأحاول أن أشرحها للقراء الأصدقاء في هذه الصفحة على ثلاث حلقات من غير هذا التمهيد .
من المعروف في الفكر السياسي أن الطنطنة بمفاهيم اشتراكية في بيانات أو أوراق ووثائق لا تجعل وحدها من أي حزب حزبا اشتراكيا ، وبناء على هذه الطنطنة يتهم غيره بأنه هو الحزب الاشتراكي، وغيره ليس إلا حزبا اصلاحيا أو يمينيا، هناك متطلبات أساسية ليكون الادعاء حقيقة ، ومن هنا اختياري لذكرى الشهيد عمر للحديث عن هذا الموضوع ، لأن الشهيد كان فعلا يربط بين المشروع الحلم ، وبين ما يتطلبه في الواقع، وأساسا تبوء الطبقة العاملة لمكانتها في الصراع الطبقي، وهنا يكمن الاختلاف بينه وبين الشهيد المهدي الذي كان يفضل الاعتماد على كل الطبقات الشعبية مع أفضلية الفلاحين الصغار والفقراء وقيادة شرائح من البورجوازية الصغيرة . وما تحضير الانتفاضة المسلحة من 1967 مرورا ب 3 مارس إلا سيرا على هذه الإستراتيجية مع بعض الاختلاف الذي كان يمثله الشهيد محمود بنونة الذي يؤكد باستمرار على أن زمن الانتفاضة المسلحة سيطول وستتغير بنية الطبقات المنخرطة في الصراع المسلح، لكن محاكمة مراكش بينت غلبة الفلاحين الفقراء والصغار وبينت أن 3 مارس لم يطرأ فيها إلا تحول طفيف لفائدة البورجوازية الصغيرة ( لا أتكلم هنا عن كل الاعتقالات التي حصلت بعد أيام من 3 مارس لأن تلك الاعتقالات كانت استباقية انتقاما من الحزب وبالتالي فهي اعتقالات توضح بنية الحزب وليس من حمل السلاح أو يزمع أن يحمله ).
ثلاث محاور أساسية لا بد أن تتوفر في أي حزب يطمح أن يكون اشتراكيا فعليا وحقيقيا :
- أولا : المشروع في الأوراق والأدبيات باعتبار الاشتراكية هي تحويل جوهري للملكية الخاصة لوسائل الانتاج إلى ملكية جماعية .
- ثانيا : أن يتمكن ذلك الحزب من جعل الطبقة العاملة منظمة وواعية لذاتها وأساسية في الصراع المجتمعي .
- ثالثا : أن تكون الاشتراكية لديه مرشدا ودليلا للتحليل وللعمل والممارسة ، وأن ينشر القيم الاشتراكية بمختلف الوسائل التواصلية.
ومعروف أن هذه القيم قديمة وتتطور باستمرار، الكرامة الحرية، الشرف ، التضحية ، الإيثار ..... لكن لكل فترة اجتماعية قيمها فالشرف في المرحلة العبودية ليس هو الشرف في الاقطاعية أو الرأسمالية وهذه القيم لا تحملها الطبقة العاملة من خلال بيانات أو أوراق بل من خلال الممارسة النضالية اليومية والتثقيف ، وكان الشهيد عمر يأخذ بكل هذا في استراتيجية واضحة تخدمها تكتيكات لا لبس فيها . لذا لا يتوفر أي حزب يساري في المجتمع المغربي حاليا وفي الدول العربية على جميع المقومات الضرورية لكي يتمكن في أي طفرة اجتماعية حدثت أن يجعل المشروع الاشتراكي حاضرا بقوة مثل المشروع الرأسمالي التبعي. وما حدث في تونس يعطي الدليل القاطع أن النيات لا تكفي إذ استطاعت البرجوازية التبعية أن تلتف على كل المكاسب الديمقراطية وما جعلها تنجح أمران :
* الأول : هو موقف الاتحاد العام للشغل الذي قام بدور شرطي مرور للطبقات في طرقات الصراع السياسي وهو موقف جعل الطبقة العاملة التونسية تائهة عن دورها الاستراتيجي .
* الثاني : هو دور الأحزاب اليسارية الذي لم يكن صحيحا من قبل هذا الظرف لأنها كانت أحزابا اشتراكية بالقول والخطاب فقط. وحتى 20 فبراير في المغرب وما يجري من حراك بين ويبين أن التغيير ولو حدث سيكون تغييرا في غياب الطبقة العاملة وهو غياب يفضح مآل التغيير وطبيعته على أنه ليس تحولا في البنية الطبقية ، إن أي تحول مجتمعي لا يكون بداهة مرهونا بالنيات ( نية حزب أو جماعة ) بل بالواقع الملموس أي حضور الطبقة المعنية في الصراع حضورا ميدانيا وسياسيا وفكريا . إن الطبقة العاملة المغربية في سلبية قاتلة لثلاث أسباب، الاول هيمنة الفكر البورجوازي الصغير عليها وزاد من مأساوية هذه السلبية دخول الفكر الإثني والعرقي وفكر الاسلام السياسي لتعيش اغترابا فظيعا ، ولكي لا نلقي اللوم على كل تلاوين فكر الطبقات السائدة وخدامها فإن اللوم هو بالأساس على الأحزاب التي تدعي الاشتراكية .
هذا الموضوع سأتناوله في ثلاث حلقات بمناسبة ذكرى الشهيد عمر، الأولى بعنوان الثلاثية الجدلية : التحرير والديمقراطية والاشتراكية ، وعلاقة هذه الثلاثية بالاشتراكية العلمية كمشروع للمستقبل، أو ما يسمى عادة بالبناء الاشتراكي بعد توفر شروط الانتقال إليها ، ثانيا الطبقة العاملة في الصراع الطبقي وتكتيكات الحزب الاشتراكي، ثالثا التجسيد الفعلي للفكر الاشتراكي وللقيم الاشتراكية داخل الحزب ووسط الطبقة العاملة وفي المجتمع .