وجه الكاتب والناشط البيئي المغربي محمد التفراوتي شهادة فكرية وأخلاقية مؤثرة، تفاعل معها العديد من النشطاء والفاعلين في الشأن البيئي والحقوقي، من خلال مقاله المعنون: «شهادة سنة 2025: حين احترق الكوكب وسقط القناع».
في هذه الشهادة العميقة، لا يكتفي التفراوتي بتشخيص الاختلالات المناخية والكوارث البيئية التي وسمت سنة 2025، بل يذهب أبعد من ذلك، رابطا بين انهيار المنظومات البيئية وانهيار القيم الإنسانية، ومتوقفا عند المأساة الفلسطينية، وخاصة ما تعرضت له غزة من دمار إنساني وبيئي ممنهج.
مقال يطرح أسئلة محرجة حول معنى الدفاع عن البيئة في عالم يبرر الإبادة، ويفضح ازدواجية الخطاب البيئي الدولي، داعيا إلى إعادة تموقع العدالة والكرامة الإنسانية في صلب أي مشروع بيئي حقيقي.
مع حلول رأس السنة، لا تأتي هذه الشهادة فضلا عن كونها تحية عابرة لزمن يمضي، وكتمرين بلاغي يواكب تقويما جديدا، فهي وقفة ضمير أمام عام "احترق فيه الكوكب"، وسقطت فيه أقنعة كثيرة. شهادة تكتب من منطقة الألم، حيث يلتقي الهم البيئي بالسؤال الإنساني العميق، وحيث يصبح الصمت تواطؤا، والكلمة مسؤولية.
في لحظة يفترض أن تستدعى فيها لغة الأمل والتفاؤل، اختار الكاتب والناشط البيئي المغربي محمد التفراوتي أن يكتب بصدق موجع، معترفا بشعور الخجل لا كضعف، بل كقيمة أخلاقية نادرة في زمن التبرير. خجل من الحديث عن حماية الطبيعة، بينما يترك الإنسان للجوع والقصف والموت البطيء، وخجل من خطاب بيئي فقد صلته بالعدالة، وانفصل عن جوهر الكرامة الإنسانية.
هذه الشهادة لا تعلن انسحابا من الدفاع عن البيئة، بل تعيد تعريفه. فالبيئة، كما يؤكد النص، لا تبدأ من الشجر ولا تنتهي عند البحر، بل تبدأ من الإنسان ذاته. وكل مشروع بيئي يتجاهل الإبادة، والتجويع، والحصار، ليس سوى خطاب تقني بارد، بلا روح ولا أخلاق.
سنة 2025 هي فصل إضافي في سجل الأزمات المناخية، و لحظة كاشفة لانهيار مزدوج: انهيار النظم البيئية، وانهيار القيم التي يفترض أن تحميها. موجات حر غير مسبوقة، جفاف خانق، فيضانات مدمرة، حرائق تلتهم الغابات والتنوع البيولوجي… وفي المقابل، عالم رسمي يكتفي بالبيانات والمؤتمرات، عاجزا عن تحويل الالتزامات إلى أفعال.
وفي قلب هذا المشهد القاتم، برزت غزة كجرح مفتوح في ضمير العالم، لا بوصفها مأساة إنسانية فقط، بل كجريمة بيئية مكتملة الأركان: تدمير للتربة، تلويث للمياه، اختناق للهواء، وانهيار لمنظومة بيئية كانت تؤوي الحياة. هنا، تصبح الحرب شكلا متطرفا من أشكال تدمير البيئة، ويصبح الصمت الدولي شريكا في الجريمة.
تكشف الشهادة، بوضوح مؤلم، ازدواجية الخطاب البيئي العالمي: تشدد وانتقائية حين يتعلق الأمر بدول ضعيفة، وصمت مريب حين تستخدم البيئة كسلاح في النزاعات. وكأن العدالة البيئية تجزأ وفق موازين القوة، لا وفق مبادئ الحق..
نص الشهادة:
"أعترف، وبقدر كبير من الألم، أنني صرت أشعر بالخجل ونحن على عتبة سنة جديدة، وفي لحظة وداع عام ثقيل بالألم والأسئلة، يبدو هذا الخجل أكثر إلحاحا، لا كضعف، بل كمراجعة ضمير.
أشعر بالخجل وأنا أكتب عن حماية البيئة البحرية والبرية، وعن صون الطبيعة، في وقت يباد فيه الإنسان في غزة وفلسطين، ويترك للجوع والعراء والموت البطيء.
هذا الخجل ليس تخليا عن القضية البيئية، بل بداية السؤال الحقيقي. ما معنى الدفاع عن الطبيعة إذا كان الإنسان نفسه يمحى من المعادلة؟
وهو صرخة في وجه عالم فقد بوصلته الأخلاقية. فالبيئة لا تبدأ من الشجر ولا تنتهي عند الكائنات الحية، بل تبدأ من الإنسان نفسه. وكل خطاب بيئي يتجاهل الإبادة والجوع والتجويع يفقد معناه، ويتحول إلى تمرين تقني بارد، منفصل عن جوهر العدالة والكرامة الإنسانية.
كيف يمكن للكلمات أن تظل متماسكة، ونحن نطالب بحماية السلاحف والأسماك والغابات، بينما يحرم أطفال من أبسط حقوقهم في الماء والغذاء والدفء؟ كيف ندافع عن البحر من التلوث، فيما تقصف المدن، وتسمم التربة، ويحاصر البشر حتى آخر أنفاسهم؟
لم يكن وداع سنة 2025 حدثا عاديا في الروزنامة العالمية. لم تأت السنة مثقلة بالكوارث المناخية والاختلالات البيئية المتراكمة فحسب، بل جاءت محملة أيضا بأسئلة أخلاقية عميقة حول معنى حماية البيئة في عالم لا يزال يبرر تدمير الإنسان والطبيعة معا.
لقد بدت الأرض خلال 2025 وكأنها ترسل إشارات إنذار متلاحقة. موجات حر قياسية، جفاف خانق في مناطق واسعة، فيضانات مدمرة، حرائق غابات تلتهم التنوع البيولوجي، وتراجع مقلق في قدرة النظم البيئية على التعافي. ورغم هذا المشهد القاتم، ظل الخطاب الدولي البيئي أسير المؤتمرات والبيانات، عاجزا عن تحويل الالتزامات إلى أفعال ملموسة.
غير أن ما يجعل 2025 سنة استثنائية، بل صادمة، هو أن الدمار لم يكن من صنع المناخ وحده، بل من صنع الإنسان أيضا.
غزة: حين تتحول الحرب إلى جريمة بيئية
في قلب هذا العام القاسي، شكلت حرب غزة واحدة من أكثر الصور فظاعة لانهيار العلاقة بين الإنسان وبيئته. كان الدمار إنسانيا، و بيئيا بامتياز. تدمير واسع للتربة الزراعية، تلويث مصادر المياه، تآكل الساحل، اختناق الهواء، وانهيار منظومة بيئية كاملة كانت تؤوي ملايين البشر.
ما جرى في غزة يطرح سؤالا جوهريا على الخطاب البيئي العالمي. كيف يمكن الحديث عن الاستدامة، والعدالة المناخية، وحماية الموارد، بينما تستخدم البيئة نفسها كسلاح في الحروب؟ وكيف يمكن الدفاع عن الكوكب، مع الصمت عن تدمير متعمد للإنسان والأرض معا؟
إن البيئة لا تدمر فقط بفعل الانبعاثات والاحتباس الحراري، بل تدمر أيضا بالقصف، والحصار، والتهجير، وحرمان البشر من حقهم في الماء والغذاء والهواء النظيف.
ازدواجية الخطاب البيئي العالمي
كشفت سنة 2025 بوضوح ازدواجية مقلقة في الخطاب الدولي. تشدد صارم تجاه الدول الهشة في ما يخص الالتزامات البيئية، مقابل تساهل أو صمت حين يتعلق الأمر بجرائم بيئية مرتبطة بالنزاعات المسلحة. وكأن حماية الطبيعة تجزأ، وتنتقى، وتخضع لموازين القوة لا لمبادئ العدالة.
إن الدفاع عن البيئة دون الدفاع عن الإنسان، ليس سوى خطاب تقني بلا روح. فالعدالة البيئية تبدأ من الاعتراف بأن الحق في بيئة سليمة هو حق إنساني غير قابل للتجزئة أو التسييس.
المغرب والمتوسط: هشاشة مشتركة ومسؤولية مضاعفة
لم يكن المغرب ولا حوض البحر المتوسط بمنأى عن قسوة سنة 2025. فقد كشفت التحولات المناخية المتسارعة هشاشة هذا الفضاء الحيوي الذي يعد من أكثر مناطق العالم تأثرا بالاحتباس الحراري. توالي سنوات الجفاف، الضغط المتزايد على الموارد المائية، تراجع الإنتاج الزراعي، وتهديد النظم البيئية الساحلية، كلها مؤشرات تؤكد أن المتوسط أصبح بؤرة إنذار مبكر لما قد يطال مناطق أوسع من العالم.
في المغرب، تداخلت آثار التغير المناخي مع إكراهات التنمية، ما جعل تدبير الماء، وحماية التربة، وصون الغابات والتنوع البيولوجي تحديات يومية لا تحتمل التأجيل. ورغم الجهود المبذولة والاستراتيجيات المعتمدة، يظل الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الصمود البيئي طويل الأمد، القائم على العدالة المجالية، وإشراك المجتمعات المحلية، وربط السياسات البيئية بالبعد الاجتماعي والإنساني.
أما البحر المتوسط، هذا الفضاء المشترك بين ضفتين غير متكافئتين، فقد واصل خلال 2025 دفع ثمن التلوث، والصيد الجائر، والتوسع العمراني، إضافة إلى توترات جيوسياسية جعلت البيئة آخر ما يؤخذ بعين الاعتبار. وهو ما يفرض مقاربة متوسطية جديدة، تعيد الاعتبار للبيئة كجسر للتعاون والسلام، لا كضحية صامتة للصراعات.
رسالة إلى قارئ «آفاق بيئية»
هذا المقال ليس جردا زمنيا لما وقع في 2025، بل شهادة سنة. شهادة على أن الكوكب لم يعد يحتمل مزيدا من التأجيل، ولا مزيدا من الصمت، ولا مزيدا من الفصل المصطنع بين قضايا البيئة وقضايا الإنسان.
البيئة ليست ترفا فكريا، ولا ملفا ثانويا، بل هي جوهر معركة الكرامة البشرية. وكل حديث عن مستقبل أخضر، لا يمر عبر السلام والعدالة، سيظل وعدا مؤجلا.
إلى سنة 2026… بأمل مشروط
ندخل سنة جديدة دون تفاؤل ساذج، ودون تشاؤم قاتل. ندخلها بوعي أشد بأن حماية الأرض تبدأ بحماية الإنسان، وبأن الكوكب لن ينقذ بالبيانات وحدها، بل بالشجاعة الأخلاقية، وبإعادة تموقع القيم في صلب السياسات البيئية. هكذا فقط، يمكن أن يكون للأمل معنى."
محمد التفراوتي، الناشط والاعلامي البيئي