وبحسب تقرير هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، استخدمت واشنطن في ذلك أدوات متعددة تراوحت بين التدخل العسكري المباشر، والضغط الدبلوماسي، والملاحقة القضائية، والنفي القسري.
وغالبًا ما جرى تبرير هذه التحركات تحت عناوين كبرى مثل حماية الأمن القومي، ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، أو الدفاع عن الديمقراطية، لكنها في المقابل أثارت جدلًا واسعًا حول انتهاك السيادة الوطنية وتجاوز قواعد القانون الدولي.
مانويل نورييغا - بنما (1989)
وفق التقرير نفسه، يُعدّ مانويل نورييغا، الحاكم الفعلي لبنما، المثال الأوضح على رئيس أجنبي اعتقلته الولايات المتحدة بيدها مباشرة.
ففي دجنبر 1989، أطلقت واشنطن عملية عسكرية واسعة عُرفت باسم “السبب العادل”، أطاحت خلالها بنظام نورييغا.
وقد برّرت الإدارة الأمريكية الغزو باتهامه بتجارة المخدرات وغسل الأموال وتهديد المصالح الأمريكية، رغم كونه عميلًا سابقًا لوكالة الاستخبارات المركزية.
وبعد أسابيع من الاختباء، استسلم نورييغا للقوات الأمريكية ونُقل جوًا إلى الولايات المتحدة، حيث خضع لمحاكمة أمام محكمة فيدرالية وصدر بحقه حكم بالسجن، في سابقة لافتة تمثلت في محاكمة رئيس أجنبي داخل الأراضي الأمريكية.
صدام حسين - العراق (2003)
في العراق، جاء اعتقال صدام حسين عام 2003 نتيجة مباشرة للغزو الذي قادته الولايات المتحدة لإسقاط نظامه، بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل وعلاقته بالإرهاب.
ورغم أن صدام لم يُحاكم في الولايات المتحدة، فإن القوات الأمريكية هي من عثرت عليه واحتجزته قرب تكريت في ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، قبل أن تسلّمه لاحقًا للسلطات العراقية.
وانتهت محاكمته أمام القضاء العراقي بإعدامه عام 2006، لكن القبض عليه ظل مرتبطًا بالكامل بالعملية العسكرية الأمريكية.
سلوبودان ميلوسيفيتش – يوغوسلافيا/صربيا (2001)
في يوغوسلافيا السابقة، اتخذ التدخل الأمريكي شكلًا غير مباشر، إذ لم يعتقل الجنود الأمريكيون الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش، لكن واشنطن لعبت دورًا محوريًا في الضغط على السلطات الصربية لاعتقاله وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي
وقد ربطت الولايات المتحدة المساعدات الاقتصادية لصربيا بضرورة تسليمه، ما يعكس كيف يمكن للنفوذ السياسي والمالي أن يكون أداة فعالة في إنهاء حصانة رؤساء سابقين
جان برتران أريستيد – هايتي (2004)
تبقى قضية الرئيس الهايتي جان برتران أريستيد من أكثر الملفات إثارة للجدل، ففي عام 2004، وعلى خلفية تمرد مسلح، غادر أريستيد بلاده على متن طائرة أمريكية نُقل بها إلى خارج هايتي.
وصفت واشنطن ما جرى بأنه استقالة طوعية، بينما أكد أريستيد أنه تعرّض لعملية اختطاف.
ورغم عدم سجنه أو محاكمته، فإن إخراجه القسري من البلاد سلط الضوء على منطقة رمادية بين الاعتقال والنفي وتغيير الأنظمة بدعم خارجي.
معمر القذافي - ليبيا (2011)
في ليبيا، لم تعتقل القوات الأمريكية معمر القذافي بشكل مباشر، إلا أن التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2011، بقيادة الولايات المتحدة، مهّد لانهيار نظامه.
وفي خضم الفوضى التي أعقبت ذلك، أُلقي القبض على القذافي من قبل مقاتلين ليبيين وقُتل لاحقًا.
ورغم غياب الاعتقال الرسمي، فإن الدور الأمريكي في خلق الظروف التي أفضت إلى نهايته يضع قضيته ضمن سياق أوسع للتدخلات التي تستهدف قادة في السلطة.
نيكولاس مادورو – فنزويلا (2026)
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجر السبت أن القوات الأمريكية ألقت القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلتهما جواً خارج البلاد، عقب ما وصفه بـ «غارة عسكرية واسعة النطاق»، تزامناً مع ورود أنباء عن انفجارات عنيفة في العاصمة كراكاس ومناطق أخرى داخل فنزويلا.
وبحسب ما نقلته شبكة سي بي إس نيوز عن مسؤولين أمريكيين، فإن قوة «دلتا»، إحدى أكثر وحدات النخبة سرية في الجيش الأمريكي، هي التي تولّت تنفيذ عملية اعتقال مادورو، في خطوة تمثل تصعيداً غير مسبوق في المواجهة بين واشنطن وكراكاس.
تأييد ونقد
تكشف هذه الوقائع عن نمط متكرر في السياسة الأمريكية يتمثل في الاستعداد لتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية عندما يُنظر إلى زعيم أجنبي بوصفه تهديدًا مباشرًا.
يحدث ذلك سواء عبر الغزو العسكري، أو الملاحقة القضائية، أو الضغط الدبلوماسي، أو الترحيل القسري، وقد أظهرت واشنطن قدرتها على فرض إرادتها خارج حدودها.
ويرى مؤيدو هذا النهج أنه يخدم الأمن العالمي ويعزز العدالة الدولية، في حين يعتبره منتقدوه تقويضًا لمبدأ السيادة الوطنية وإرساءً لسابقة خطيرة تُحدَّد فيها الشرعية بميزان القوة لا بالقانون.
عن: العين الإخبارية