الأربعاء 12 يونيو 2024
جالية

أريري: السلالة الجافة في باريس الفاتنة والجذابة !

أريري: السلالة الجافة في باريس الفاتنة والجذابة ! الزميل عبد الرحيم أريري رفقة النادل كريستوف بمطعم dupont versailles بباريس
"الشئ الوحيد الحقير بباريس هو رداءة الإنارة العمومية والأكل السيء بالمطاعم الفرنسية، وما عدا هذا، فباريس أحلى وأبهى".
 
هذه هي الانطباعات التي كان يسجلها الأوربيون ( وخاصة البريطانيين)، كلما زاروا العاصمة الفرنسية في القرن 18.
 
منذ ذاك الوقت وقعت تحولات، وهنا المفارقة ، لدرجة أن فرنسا أضحت اليوم رائدة دول العالم في مجال الإنارة العمومية وأصبح المطبخ الفرنسي يفتح شهية مختلف شعوب الكرة الأرضية، بل وتم تسجيل المطبخ الفرنسي كثراث للإنسانية في اليونيسكو.
 
لكن مع ذلك أقتبس من البريطانيين قولتهم لأعدلها وأقول :" الشيء الوحيد المقرف في باريس هو جفاء النادلين بالمقاهي والمطاعم وعبوسهم وسلوكهم الأجلف، وماعدا ذلك فباريس فاتنة وجذابة".
 
انطباعي ليس من باب التجني أو الاتهام المجاني، بل مبني على معاينة شخصية في العديد من المقاهي والمطاعم، ويرتكز على شهادات وثقتها الكتب والرحلات والمقالات الصحفية لعدد من صحف أوربا وأمريكا. ألم تكتب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية بأن نادلي المقاهي والمطاعم بباريس هم "سلالة جافة"؟!
 
وهذه هي المفارقة العصية على الفهم، بحكم أن باريس مدينة يحج إليها السياح من دول المعمور ومن مختلف الثقافات والحضارات، وبالتالي يفترض في مطاعمها ومقاهيها وحاناتها وكاباريهاتها أن تكون واحة لاسترخاء الزبون وضمان رفاهيته وراحته وحسن خدمته، ( مثل نابولي أو بوينس أيريس أو مراكش أو لندن أو نيويورك أو القاهرة أو دبي أو مالقا، أو داكار، أو ريو ديجانيرو....)، على اعتبار أن نصف رقم معاملات المطاعم والمقاهي بالعاصمة الفرنسية يتحقق بفضل السياح القادمين من مختلف الأرجاء. لكن للأسف تحولت مطاعم ومقاهي باريس إلى ماكينة لصنع "العبوسية" و"التكلس" و"البرودة"، وافتقاد الحس التواصلي أو الخدماتي عند معظم نادليها.
 
ففي باريس لوحدها تم إحصاء 30.000 مطعم ومقهى من كل الأصناف ( التقليدية ومطاعم الأكل الجاهز،) من أصل 200 ألف بفرنسا ككل. أي أن مدينة باريس تحتكر لوحدها 15% من مجموع المطاعم والمقاهي الفرنسية، لدرجة أن هناك مطعما لكل 82 مواطنا بباريس( أتكلم عن بلدية باريس وليس عن جهة إيل دوفرانس)، وهي نسبة لا توجد في أي مدينة فرنسية، باستثناء المنتجعات السياحية من قبيل : Agde وBiaritzوNice وغيرها.
وحسب دراسة أجراها مكتب Gira عام 2023 عن العادات الغذائية خارج المنزل، فمطاعم باريس تحقق لوحدها رقم معاملات يشكل 20% من مجموع رقم معاملات مطاعم البلد ككل البالغ 144 مليار أورو، بكل مطاعم فرنسا.
 
شخصيا كلما أجبرتني الظروف المهنية على التنقل لباريس، أفضل ارتياد المقاهي والمطاعم التي يملكها أسيويون أو أفارقة أو لاتينيون أو هنود أو إيرلنديون، اللهم إن كانت هناك ضرورة قصوى. وهو ماحدث لي، أمس الأربعاء 24 أبريل 2024، مع مرافقي الفرنسي الذي يرتاح لتناول وجبته أو قهوته بمطعم Dupont versailles بشارع le febvre بالدائرة 15 بباريس.
في هذا المطعم وجدت "سلالة نادرة من النادلين" البشوشين والخدومين، لدرجة أن النادل كريستوف Christophe، لما تعرف عن انطباعي، أصر على أن أتناول مشروبا على حساب المؤسسة، قائلا:" أناشدك أن تلتمس العذر لكل نادل بباريس، مهنتنا شاقة ومتعبة، فالنادل يظل واقفا طوال اليوم تقريبا".
 
على افتراض أني التمست العذر لمعظم النادلين بمطاعم ومقاهي باريس، كيف سيكون الوضع عليه أثناء تنظيم الألعاب الأولمبية التي ستحتضنها باريس في صيف هذا العام، حيث يتوقع وصول 15.000 رياضي و15 مليون سائح في الشهر الذي ستقام فيه الألعاب؟!
 
أخشى أن يعاد نسج الحكاية التي رواها البريطانيون عن مطاعم باريس في القرن 18!!