الاثنين 26 فبراير 2024
في الصميم

الدار البيضاء.. من الحزام الأخضر إلى الحزام الناسف !

الدار البيضاء.. من الحزام الأخضر إلى الحزام الناسف ! عبد الرحيم أريري
عندما أرادت شركة «لوكاس فیلم أينميشن الأمريكية»، افتتاح أول استوديو لها في الخارج عام 2004، حاولت مجموعة من الدول اجتذابها إلى أراضيها. وروجت جميع هاته الدول لفعاليتها وتوافر اليد العاملة فيها وتدني كلفتها. 
 
غير أن سنغافورة، وهي دولة/مدينة، مشهورة بقلة إبداعها، فازت في المسابقة بكل سهولة بفضل ميزة لا علاقة لها بالحسابات المالية: ألا وهي كثرة الأشجار.
 
هذا النموذج، كان يحلو دائما لوالي الدار البيضاء السابق، محمد القباج، أن يقدمه لما كان يدفع في اتجاه جعل الدار البيضاء في وضع تنافسي مع كبريات المدن العالمية مثل: شنغهاي وبرشلونة وباريس. ولعل الولع بالحلم بـ "مدينة الحدائق" هو الذي عجل بأن يقدم الوالي القباج آنذاك، مشروع الحزام الأخضر بضاحية الدار البيضاء أثناء زيارة الملك للمدينة يوم 11 فبراير 2006.
 
ملف الحزام الأخضر بالمدار الجنوبي (la rocade) جعل مصداقية محمد القباج في الميزان. لأن الوالي كان في وضع يشبه الفرد الذي يشتري «الحوت في البحر». فالحزام الأخضر المقدم آنذاك للملك، شمل وعاءا عقاريا معقدا مثقلا باحتلالات متعددة. وهذا ما جعل العديد من المتتبعين يتساءلون عن السر وراء مجازفة محمد القباج بسمعته لتوريط الدار البيضاء في هذا الرهان، علما أنه كان رهانا يصعب مواجهته.
 
فالشريط المحاذي لأوطوروت المدار الجنوبي سبق وأن عرض على أنظار الملك الراحل الحسن الثاني. لدرجة أن سكان الدار البيضاء استعدوا آنذاك لـ "شراء" معدات النزهة (Pic-nic)، اعتقادا منهم أن ملفا مطروحا على طاولة الملك لا يمكن إلا أن يرى النور، فإذا بالسكان يصابون بخيبة أمل كبرى بسبب تقاعس الحكومة والسلطات المنتخبة والمحلية في أجرأة المشروع. 
 
وبدل أن تتحول ضاحية البيضاء إلى شريط أخضر، أصبحت شريطا قصديريا وعشوائيا.

وهنا يحق طرح الأسئلة التالية: 
1. إذا كانت السلطات العمومية قد عجزت عن إنجاز الحزام الأخضر فوق أراضي عارية في الماضي، فكيف سيتسنى لها إنجازه بعدما أصبحت معظم هذه الأراضي محتلة بالبراريك والدور العشوائية؟ 

2. هل تساءلت السلطات عن طبيعة العقارات الموجودة على امتداد المدار الجنوبي وبالتالي استحضار كلفة اقتنائها ومن سيمولها؟
 
3. على افتراض أن السلطات العمومية تمكنت من اجتثاث البراريك والأحياء العشوائية من الشريط الضاحوي لإتاحة الفرصة لتنفيذ الحزام الأخضر، من هي الجهة التي ستتولى اقتناء العقارات وتعويض السكان وشراء الغرس والتكفل بالصيانة؟
 
4. إذا كان مسؤولو الدار البيضاء مهووسين بالخضرة، ألم يكن الأجدر بهم تقديم ملف سهل التحقيق؟ فها هي غابة بوسكورة وغابة الشلالات «المغروسة من عند الله»، يرفض العديد من المواطنين التوجه إليها لعدم توفرها حتى على مراحيض عمومية، فأحرى على متطلبات «المنتزه العمومي»!
 
5. لنفترض جدلا أن السلطات العمومية حصلت على هية من الصندوق العالمي للبيئة أو على منحة من إحدى دول الخليج، لتصفية الوعاء العقاري وتعويض سكان الشريط الضاحوي. ألم يكن الأجدر الالتزام بتنفيذ «الحزام الأخضر» داخل الدار البيضاء والتقيد بما ورد في وثائق التعمير التي نصت على إنجاز 750 هكتار من الحدائق لم ينجز منها بكل أحياء المدينة، سوى بضع جنينات هنا وهناك على امتداد 23 سنة؟ 
 
6. سبق للسلطات أن التزمت أمام السكان في عام 2004 هي بغرس مليون شجرة بالدار البيضاء، فإذا بالبيضاويين يصعقون منذ ذاك التاريخ، بمليون حفرة. 
 
7.  في «عام الصبا» تشتري الدار البيضاء 90 ألف من الورود والأزهار، لا تحصل منها الأحياء الشعبية سوى على 1900 وردة (أي 2,11%)، فيما تزرع الأزهار بشوارع كاليفورنيا وعين الذئاب وراسين وأنفا العليا. وفي «العام زين» تشتري المدينة 20 ألف شجرة صغيرة (شجيرات) لا تغرس في الأحياء الشعبية سوى 4700 شجيرة تقريبا ( أي 23.5%)، ويتم توزيع الباقي على الأحياء الراقية! فهل يمكن أن نثق في خطاب «القرب» وتوظيف الإمكانيات العمومية لفائدة الفئات الأكثر حرمانا؟ 
 
إذا استطاع المسؤولون رفع هذا التحدي، وتمكين سكان الدار البيضاء من الحق في الخضرة وفي الحدائق وفي الأشجار، آنذاك يحق لسنغافورة أن ترتعد خوفا من أن  تتحول الدار البيضاء إلى قطب مغري ومنافس لها في جذب للاستثمار !!