الاثنين 24 يونيو 2024
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: لهيب الأسعار رماد الأجور.. "القادم أسوأ"

 
 
إدريس الأندلسي: لهيب الأسعار رماد الأجور.. "القادم أسوأ" إدريس الأندلسي
لا يمكن لعاقل أن يتغافل عن طرح سؤال محوري في ظل أزمة القوة الشرائية لأغلبية المواطنين. من يستفيد من هذه الأزمة التي ضربت جيوب الطبقات الفقيرة المتوسطة. الكل يعرف والبعض يتجاهل أن الشعب لا يعرف في أغلبيته معنى التضخم ومعدلاته وطريقة حسابه.  هذا الشعب الذي استثني منه أقلية تستفيد من كل شيء وتعرف كل شيء  ولا تعيش الزمن الذين تعيشه طبقات اجتماعية ذات دخل محدود. الذي يعرف من أصبحت أجرته رمادا أمام لهيب الأسعار هي ما تحتويه القفة من مواد غذائية بالأساس. هذه القفة تقل محتوياتها يوما بعد يوم. وهذا هو المقياس الشعبي الحقيقي للتضخم. القفة الغذائية عرفت تضخما زاد في سوق الخضر والفواكه واللحوم عن 100 %. لذلك فقياس التضخم حسب المناهج المعتمدة عالميا لا يعطي نظرة حقيقية عن تدهور القوة الشرائية. يحاول بعض "العارفين" مقارنة أسعار المغرب بأسعار مصر  وتونس والجزائر والحقيقية أنه لا قياس مع وجود الفارق.
 
وهذا الفارق هو سعر صرف العملة الوطنية في علاقته بمخزون البلاد من العملات الأجنبية. الجنيه المصري والليرة اللبنانية والدينار الجزائري والتونسي عرفوا تقلبات كبيرة كان لها أثر كبير على الأسعار وبالتالي على الارتفاع الصاروخي لنسب التضخم. المغرب وسياسة مؤسساته المالية اختار منذ عقود استقرار سعر الصرف الذي يجد في حجم الموجودات بالعملات الأجنبية دعما  لمستواه وقد تجاوزت هذه الموجودات 320 مليار درهم تغطي أكثر حوالي  خمسة شهور من الاستيراد. 

حين تدخل السوق في رمضان لا تسمع إلا أحاديث عن الغلاء والدعاء برفع هذا البلاء عن من اكتووا بنار الأسعار. ذوي الدخل المحدود أصبحوا لا يعرفون شكل  سعر الكماليات. والمستفيدين من الأزمة ومن كافة المشاريع الكبرى والسياسات القطاعية يصمون آذانهم عن الآلام التي تتسبب فيها المضاربات  والسمسرات واتساع مساحات الريع. و يستمر التغني الحكومي بالمغرب الأخضر الذي صرفت عليه عشرات الملايير من الدراهم الآتية من المال العام. قيل الكثير عن الأحلام التي قيل أنها ستتحقق في مجال الاكتفاء الذاتي الغذائي فسجل رقم استيراد الغذاء أكثر من مبالغ تصديره. وظلت الأقلية المستفيدة تطلب المزيد من نظام ضريبي لا يذر إلا القليل جدا من العائدات المحصلة من الاستغلاليات الفلاحية الكبرى. واستمر كرم المال العام مدرارا على الأغنياء من خلال منح التنمية الفلاحية واستغلال دعم الغاز من الميزانية المخصصة لصندوق المقاصة وغيرها من أشكال الدعم  التي لا يستفيد منها الفلاح الصغير. لذلك لم تعرف التنمية القروية تلك القفزة النوعية التي خصصت لها مبالغ بلغت 50 مليار درهم كان الآمر بصرفها  وزير الفلاحة السابق ورئيس الحكومة الحالي، السيد عزيز أخنوش. 

وفي ظل هذا الوضع يغيب الوضوح عن الخطاب الحكومي. الناطق الرسمي يخرج بعد اجتماع مجلس الحكومة ليخطب في الرأي العام بلغة "تضامنية و متفهمة" أمام جشع المضاربين الذين أصبحوا، بقدرة قادر،لا عنوان لهم  ولا قدرة للإدارات المختصة لحصارهم وإنفاذ القانون في حقهم. أللهم أرحم ضعف حكومتنا. أين هي تلك الصرامة التي ميزت فترة مراقبة الكمامات خلال الشهور الأولى لأزمة الكوفيد. لقي أؤلئك الذين حاولوا استغلال الأزمة جزاءهم بسرعة وفي إطار القانون. المضاربون الذين يشعلون لهيب الأسعار لا يهمهم السلم الإجتماعي ولا الإستقرار. لذلك تجب مواجهتهم بالحزم اللازم تفاديا للحركات الإجتماعية التي قد تشكل خطرا على صلابة جبهتنا الداخلية. هناك صنف من المغاربة يشكلون أقلية لا يعيرون أي اهتمام للعيش المشترك الذي أولاه الدستور الأهمية القصوى من خلال تأكيده تحمل تكاليف المجهود الوطني كل حسب قدراته. السلم الإجتماعي لا يجب أن يخضع لقانون العرض والطلب ولهمجية الليبرالية المتوحشة المختلطة لدينا بالريع والتهرب الضريبي والرشوة. إننا نعيش في سفينة واحدة تحتم علينا الحرص على المصلحة العامة بوعي وطني فاعل. أتمنى أن تعمل الحكومة على تغيير الواقع المعيشي للمواطنين حتى لا يتحقق ما تنبأ به المندوب السامي للتخطيط السيد الحليمي حول "القادم الأسوأ" بالنسبة لحالة الأسعار في الأسواق.