الأحد 3 يوليو 2022
كتاب الرأي

جمال المحافظ: مذكرات المهدي العلوي.. تاريخ ماض – حاضر

جمال المحافظ: مذكرات المهدي العلوي.. تاريخ ماض – حاضر جمال المحافظ
كتاب" أحداث ومواقف" لمولاي المهدي العلوي، يتناول محطات من التاريخ النضالي والسياسي للمغرب الحديث ، تقاطع سردياتها مع الفكرة التي مؤداها أن الممارسة التاريخية التحقيبية، تتطور وتتحول، وذلك بالموازاة مع تطور الفكر وتحوله، مرورا برصد التحول وإيقاعاته ومدده، وتحديد المنعطفات وتتبع الاستمرارية والانقطاع، أو الاتصال والانفصال ورصد النمو، لكن في النهاية عند التدقيق، " يتضح أن ما يتغير هو مفهوم الوحدة الزمانية أي الحقبة التاريخي، مما " يعنى أن كل تجديد عند النهاية هو إعادة النظر في تحقيب التاريخ" ، وفق ما كتبه المؤرخ عبد الله العروي في مؤلفه " مفهوم التاريخ " ( الجزء الثاني: ص 13) الصادر سنة 1992.
تأويلات ممكنة
من هذا المنطلق "التاريخاني"، يبدو أن مولاي المهدي العلوي حاول في كتابه، التعبير عن " أحداث ومواقف" تتجاوز الى حد ما " القراءة الانتقائية للماضي" كما هو معروف في الكتابات التقليدية، والانخراط بطريقة أو بأخرى – عن قصد أو غير قصد - في تجربة الكتابة التاريخية التي تعرف حاليا تطورا على المستوى المنهجي والمفاهيمي، وذلك بالرجوع إلى الأسئلة المطروحة، وإلى نقط الاهتمام، وإلى التأويلات الممكنة للمعطيات والمعلومات.
فهذا الأمر يجعل قراءة كتاب " أحداث وواقف " تحمل في طياتها، دلالات تنتقل من طبيعة هذا الإصدار الجديد كسيرة ذاتية ومذكرات ل"شاهد على العصر" الى رمزية تاريخية بمقرونة بحمولة سياسية، بنزعة فكرية وثقافية.
مغامرة كتابة المذكرات
ويلاحظ أن قليلا من الشخصيات السياسية والديبلوماسية، تجرأت على خوض "مغامرة" كتابة مذكراتها وتقديم شهاداتها على مرحلة عاشتها وتعايشت معها بأحلامها وانكساراتها كذلك. أبيد " تفجير" السير على الورق، تتطلب ربانا يجيد السياقة في منعرجاتها الوعرة وتجنب فخاخها أيضا، مما يجعل هذه المغامرة كالسير على بيض تخشى أن يتهشم تحت قدميك .
وإذا كانت أية كتابة لا تمس القارئ ليس لها قيمة، فإن حنكة صاحب "أحداث ومواقف" على ما يبدو، مكنته من تقاسم سيرته الذاتية مع الجمهور الواسع، وتقديم روايته عن وقائع وطنية ودولية، عايشها وأثر في بعضها وتأثر في بعضها الآخر ، فضلا عن القرارات التي اتخذها وشارك في هندستها وصناعتها أو تلك الصادرة عن أصدقائه وخصومه .
ويكتسى هذا الكتاب، أهمية بالغة في مجال حفظ الذاكرة، واثارته الانتباه الى وقائع وأحداث مغرب بداية الاستقلال، والتي كان لها ولازال دورا في تشكيل الوعي الجمعي حول قضايا يلفها الغموض والنسيان، وتصنع حول بعضها روايات وأساطير حولها اختلافات في التفسير.
خطاب هادئ وأسلوب مغاير وفي هذا الاطار تتجاذب كتاب " أحداث ومواقف" الكتاب المعزز بملاحق وصور فوتوغرافية، دالة ومختارة بدقة وعناية متناهية، ثلاثة مميزات رئيسة:
صياغة مذكرات بخطاب هادئ
محاولة عدم التمييز بين تاريخين: واحد متاح وآخر سري
أسلوب مغاير في تناول القضايا السياسية
ويتوقف المؤلف عند تسع محطات، تشكل متن وعصب الكتاب، وهي: "البئر الأولى" و"بداية الوعي الوطني"، و"ميلاد الاتحاد ( الوطني للقوات الشعبية ) و"المهدي بن بركة: الرجل والقضية" و"ثورة الطلاب (1968 والقضية الفلسطينية)" و"المحاولتان الانقلابيتان" و"عمر بن جلون الشهادة والاستشهاد" و"تستمر محن الاتحاد" و"بين الحزب والدفاع عن القضية الوطنية في الأمم المتحدة" و"مغادرة الحزب والمهام الدبلوماسية" و"حكايتي مع العراق" و"سفير المغرب بالأردن" و"مستشار ديبلوماسي في وكالة بيت مال القدس". فهذه العتبات/ العنوان التسع والمحطات لمذكرات المهدي العلوي، تصلح لكي تتحول كل واحدة منها الى كتاب مستقل بذاته.
أحداث بإيقاع حيادي
وإذا كان هناك من بري أن الصعوبة الحديث عن مختلف مسارات المهدي العلوي الذي جايل ثلاثة ملوك، فإنه تناول أحداثا سياسية في المغرب الحديث، بـ " إيقاع حيادي، بعيدا عن التحيز والتحامل والحسابات"، وحرص - حسب ما هو متاح ذاتيا وموضوعيا - على معالجة "أحداث ومواقف" بأسلوب مغاير على ما يبدو.
فالكتاب/ السيرة الذاتية، سفر جميل في محطات من الذاكرة الوطنية الجماعية، من الاستقلال إلى نهاية الألفية الثانية، تمكن فيها المهدي العلوي من تعبيد طرق ومسالك وشعاب، تختلف مساراتها أحيانا، لكن تتقاطع أحيانا أخرى لكن يظل البعد الإنساني واضحا، كما أن الكثير من التفاصيل والشهادات والأحداث التاريخية، يتوسل في تذكرها ب"خطاب هادئ خال من التحيز والانفعال" الأمر الذي يجعل من هذا الإصدار الجديد، قراءة مغايرة للتاريخ السياسي والحزبي الوطني، تتعاطى مع أحداث ووقائع ، كانت عنوان مرحلة من تاريخنا الوطني، ساهم فيها كفاعل ومشارك في رسم بعض ملامحها وقسماتها .
دور الماضي في فهم الحاضر
وقد تشكل هذه المذكرات " استرجاعا لهوية أصبحت قابلة للطمس"، بفعل اختيار عدد من الفاعلين السياسيين الصمت، أو الى المراجعة السياسية للمواقف السابقة. فالعمل الذي بين أيدينا له قدرة إيجابية على " تدوير الحقيقة التاريخية"، كما كتبها البعض، أو أعاد انتاجها من زاويا مختلفة.
وإذا كان التاريخ لا يسرد إلا ما تبقى من الماضي محفوظا في الذاكرة وذلك باعتبار أن التاريخ في أساسه أو في كنهه استحضار له كما نقرأه، لنا أن نتساءل، عن ما هو دور الماضي في فهم الحاضر؟ ودور الحاضر في فهم الماضي؟ فالتاريخ ماض – حاضر كما كتب عبد الله العروي: في مؤلفه المرجعي " مجمل تاريخ المغرب". إن كتاب: " .. أحداث ومواقف"، يفتح الباب على مصراعيه لقراءة جديدة للتاريخ النضالي والسياسي للمغرب المعاصر.
 
قراءة لكتاب" مولاي المهدي العلوي: أحداث ومواقف": الدورة 27 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط