الأربعاء 30 نوفمبر 2022
فن وثقافة

حمزة: حكاية علاقة القائد الوزير عيسى بن عمر بقبيلة أحمر ومحيطها الجغرافي (1)

حمزة: حكاية علاقة القائد الوزير عيسى بن عمر بقبيلة أحمر ومحيطها الجغرافي (1) المصطفى حمزة (يمينا) ورسم للقائد الوزير عيسى بن عمر العبدي البحتري

أجرت جريدتا "الوطن الآن" و"أنفاس بريس" حوارا مطولا مع الباحث الأستاذ المصطفى حمزة، بصفته متخصصا في التاريخ الجهوي والمحلي، من أجل الخوض معه في النبش حول أبرز القواد الذين عرفهم مغرب الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ويتعلق الأمر بشخصية القائد الكبير، والوزير عيسى بن عمر العبدي البحتري، وطبيعة علاقته بقبيلة أحمر وقيادها وأعيانها ومحيطها الجغرافي... فضلا عن تفاصيل أخرى يكشف عنها الباحث في سياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي... فكان لنا معه الحوار التالي:

 

+ لو طلبنا منك صياغة بروفيل عن شخصية القائد الكبير عيسى بن عمر، كيف تقدمه للقراء انطلاقا من بحثك ونبشك في مجموعة من الوثائق والمصادر التاريخية ذات الصلة؟

- أولا، يعد القائد عيسى بن عمر العبدي، من أبرز القواد الذين عرفهم مغرب الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وذلك بالنظر للأدوار المهمة التي قام بها في تاريخ المغرب المعاصر، وللمكانة التي كانت له لدى المخزن المغربي، والمسؤوليات التي أسندت له من طرف سلاطين المغرب. يضاف إلى هذه العوامل، ما نسج حول الرجل من روايات شفهية، يمتزج فيها الذاتي بالموضوعي.

 

+ ما هي الأسباب التي ساهمت في انتشار بعض الروايات الشفهية غير الموثوقة حول شخصية الرجل؟

- للأسف الشديد تناسلت بعض الروايات الشفهية بشكل كبير في غياب التدوين، في مجتمع قروي عرف بثقافته المتواترة، كما أن سكوت أفراد أسرة القائد، نتيجة ما تعرضوا له من تنكيل ومن نيل من كرامتهم وثرواتهم بعد عزل القائد زاد من استفحال الظاهرة، فاتخذت لبوسا متعددة بحسب طبيعة علاقة الرواة بالقائد (الرواية الشفهية)، وقد كان العديد منها، مصدرا للكتابة عنه، دون التأكد من مدى صحتها ومصداقيتها. ورغم تضارب وجهات النظر حول الرجل، وما أنجز حوله من أعمال فنية تفتقر لأدنى شروط الموضوعية، فقد شكل بالنسبة للمخزن المغربي، قوة سياسية وحربية يعتمد عليها في تدبير شؤون القبائل المجاورة (دكالة، الشياظمة، أحمر)، حيث ساهم في ضبط هذه القبائل، واستثاب الأمن بها لفترة من الزمن، اعتماد على قيادات محلية.

 

+ ما هي طبيعة علاقة القائد عيسى بن عمر العبدي بقبيلة أحمر، وما هي الفترات التي تمثلها. وكيف ومتى انتهت العلاقة بين القائد عيسى ابن عمر وقبيلة أحمر؟

- الحديث عن هذه العلاقة، يفرض علينا تناولها عبر سياقات زمنية، تعكس مكانة الرجل والرتب المخزنية التي ترقى إليها، لذا لا بد في البداية، من البحث في علاقة سي عيسى بقبيلة أحمر خلال مراحل ثلاثة؛ (عيسى بن عمر الخليفة، ثم القائد، انتهاء بالوزير). إن تناول علاقة عيسى بن عمر الخليفة وقبيلة أحمر، يفرض علينا في البداية، البحث ولو بشكل موجز، في علاقتها بجيرانها (قبيلة عبدة)، لِمَا لهذا المعطى من أهمية في فهم العلاقة بين الطرفين من جهة، ولِمَا له من أهمية بالنسبة للباحثين من أجل معرفة التاريخ المشترك بينهما، خاصة على امتداد القرن التاسع عشر.

طبعا هناك مجموعة من المصادر التاريخية تؤكد، بأن هاتين القبيلتين (عبدة وأحمر) تنتميان إلى عرب معقل، وأن دخولهما للمغرب تم في القرن 5ھ/ 11م، غير أن دخولهما لمنطقة الحوز حيث تتواجدان اليوم، تم في فترات متباينة؛ فبالنسبة لقبائل ذوي عبيد الله (عبدة)، كان في العصر الوسيط وخاصة في القرن 15م، حيث استقروا بالجهة الجنوبية الغربية لمدينة أسفي، في حين تأخر دخول أقرانهم قبائل ذوي حسان (أحمر) إلى بداية النصف الأول من القرن 16م، وآثروا الجهة الشرقية، مما يؤكد متانة الروابط التي تجمع بينهما منذ القديم، والشاهد على ذلك، ما بقي في الذاكرة الشعبية بصيغة "عَبْدَةْ وُحْمَرْ خُوتْ".

 

+ إذا هناك روابط تاريخية وجغرافية بين عبدة وأحمر؟

- نعم، ويعزز هذه الروابط، الموقع الجغرافي لقبيلة أحمر، الذي يجعل منها منطقة عبور، ربطت منذ القديم بين مدينة أَغْمَاتْ وكل من مرفأ أكوز ومدينتي أزمور والغربية، ثم فيما بعد ربطت بين مدينة أسفي ومدينة مراكش، وهي المعروفة بالطريق (المخزنية) التي كانت تمر منها الحركات السلطانية. وعرفت منطقة أحمر منذ القرن 10ھ/ 16م، تأسيس المدرسة الحمرية للرماية الشعبية وركوب الخيل التي يؤمها الناس للاستفادة من دروسها على يد شيوخ أحمر، ومن بينهم أناس قبيلة عبدة، وقد يكون سي عيسى بن عمر من بينهم.

معطى آخر يتعلق بتأسيس مدرسة الأمراء العلويين بقبيلة أحمر، بالقصبة الإسماعيلية سابقا (الشماعية حاليا)، على يد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، والتي شكلت منطقة جذبهم بمعية مرافقيهم لحفظ القرآن وتعلم مختلف العلوم، على يد خيرة أساتذة القرن 19م، وأخذ الرماية وركوب الخيل على يد شيوخ قبيلة أحمر، وغير مستبعد توافد أبناء نخبة قبيلة عبدة على هذه المعلمة، خاصة أن أحمد المرادسي مؤرخ السلطان المولى الحسن، كان من بين الأساتذة الذي درسوا بمدرسة الأمراء، وكان كثير التردد على مدينة أسفي. لذلك يفرض هذا السؤال نفسه علينا: ألا يكون لهذا التردد تعزيزا للعلاقة بنخبة قبيلة عبدة/ أسفي؟

هذا إلى جانب مشاركة القبيلتين، في كل الأحداث التاريخية التي عرفتها منطقة الحوز خلال العصر الحديث، واعتبارا للمعطيات السالفة الذكر، فان الروابط التي تجمع بينهما، تترجم نوع العلاقة التي كانت تربط بين الخليفة سي عيسى وقبيلة أحمر، كما يتبين من سيرة الرجل، أنها مرت آنذاك بمرحلتي: الحضور إلى جانب أخيه القائد محمد، وتكليفه بمهام. وتعتبر المرحلة الأولى بداية لتكوين سي عيسى بن عمر، واكتسابه خبرة كبيرة في مجال التدبير الإداري، والسياسي، والدبلوماسي، مما مكّنه من نسج علاقات مع أهم أجهزة المخزن المغربي والقبائل المجاورة، مما أهله إلى تولي قيادة فرع البحاترة بعد وفاة أخيه.