السبت 26 نوفمبر 2022
سياسة

هل أصيب قيس التونسي بجرثومة تبون الجزائري؟

هل أصيب قيس التونسي بجرثومة تبون الجزائري؟ الرئيس التونسي، قيس سعيد

على مدى أكثر من 3 سنوات من جلوسه على عرش قصر قرطاج، لم يتوقف الرئيس التونسي قيس سعيد، في ما يبدو، عن مراكمة الأخطاء الفادحة، محليا ودوليا؛ ولم يرخ يده لإنقاد المالية العامة لدولته "الخاصة" من الإفلاس المؤكد والوشيك. فقد ظل يتفاوض مع الاتحاد الأوربي للفوز بقرض مالي بقيمة 450 مليون يورو (500 مليون دولار)، كما أرغم على التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة إنقاذ بمليارات الدولارات ليتمكن من تجنيب تونس أزمة التخلف عن سداد ديونها؛ وهي الأزمة التي لم يجد لها الرجل حلا "جذريا" سوى الإناخة، كما تؤكد ذلك جميع المؤشرات، على أبواب قصر المرادية والارتماء في عمق أطماع العسكر الجزائري بزعامة الرئيس تبون والجنرال شنقريحة، ولو كان ذلك على حساب مصلحة المغرب الذي مد دائما يده لتونس، في أحلك أزماتها.

 

لقد نسي الرئيس التونسي(أو تجاهل) أن الملك محمد السادس، بخلاف النظام الجزائري، قام بزيارة لتونس، دعما للثورة الياسمين التي توجست منها أنظمة عربية، وعلى رأسها النظام الاستخباراتي والعسكري والاستبدادي لجارتها الشرقية؛ ونسي (أو تجاهل)  أن المغرب كان أول بلد سارع إلى نجدة التونسيين إثر الإنهاك الذي أصاب منظومة بلادهم الصحية بسبب ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا، حين أعطى الملك تعليماته بإقامة جسر جوي، يتكون من 12 طائرة لنقل ما يعادل 135 طنا من المعدات، وإقامة مستشفى ميداني بولاية منوبة في وقت قياس؛ ونسي أن الراحل الحسن الثاني عبر عن استعداد المغرب للدفاع عسكريا عن تونس التي كانت تعاني من نقص فادح في  قُدراتها العسكريّة والاستعداديّة، وذلك  بعد الهجوم الذي شنته ميليشيات "تونسية" مدعومة من الهواري بومدين على مدينة "قفصة"، في 26 يناير 1980، حيث تسلل المهاجمون إلى ثكنة عسكرية، وقتلوا حراسها، ثم انتقلوا أعدموا الجنود وهم نائمون، ثم عاثوا فسادا في المدينة كاملة؛ ونسي (أو تجاهل) أن وزير الخارجية التونسي السابق، أحمد ونيس، أكد أن الدولة الجزائرية العميقة سببت عدة مشاكل لتونس، وأنها المسؤولة عن تدبير الهجوم على «قفصة» سنة 1980، الذي كان اعتداء على تونس.

 

لم يتذكر سعيد قيس شيئا آخر سوى "الرشاوى" التي تقدمها الأوليغارشيا الجزائرية لكل من عبر عن استعداده للالتحاق بسياساته العدوانية تجاه المغرب. ولم يتذكر سوى أن عليه نسيان أن ثورتي ليبيا وتونس أنتجتا واقعا سياسيا وأمنيا واستراتيجيا جديدا لا يمكن القفز عليه في العلاقات الدولية الإقليمية. لم ينس العرض المغري لعبد المجيد تبون الذي لوح بالجزرة، ولم ينس أموال "النفط" و"الغاز" المسلوبة من شعب على حافة التمرد، مقابل "الغدر" بالحليف المغربي التاريخي. فلا تحالف للإفلاس إلا مع الإفلاس، ولا تحالف للاستبداد إلا مع الاستبداد، وإذا تحالف الإفلاس مع الاستبداد، فذاك هو الانهيار التام.

 

لقد قال وزير الشؤون الخارجية التونسي، عثمان الجرندي، بعد لقاء قيس بتبون في دجنبر 2021، "إن هناك توافقا كليا ومتينا بين الجزائر وتونس في كل القضايا الإقليمية". وبالفعل لقد أثبتت الوقائع اللاحقة أن قيس عقد صفقة بقصر قرطاج، وتقاضى ثمنها كاملا، وأن  الجزائر نجحت في جر تونس إلى صفها وأعادت تركيب موقفها من نزاع الصحراء، وظهر ذلك جليا لكل المراقبين حين امتنعت تونس عن التصويت، يوم 29 أكتوبر 2021، لصالح قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد عمل بعثة "المينورسو" لمدة سنة إضافية.

 

لقد شكل الموقف التونسي مفاجأة للجميع، واعتبر في حينه موقفا يؤكد رضوخ قيس سعيد للابتزاز الجزائري، بحثا عن مخرج سريع وآمن للأزمة السياسية والاقتصادية والمعيشية والمالية التي تعيشها تونس، خاصة مع استفحال البطالة، وموجة الغلاء الفاحش والتأخر في دفع الرواتب وغياب العديد المواد الغذائية الأساسية والأدوية، فضلا عن الأزمة السياسية المتلاحقة التي تكرس دخول البلاد إلى مرحلة الحكم الفردي، بدعوى إحكام القبضة لإعادة هيكلة النظام السياسي. إذ تولى الرئيس التونسي السلطة التنفيذية الصيف الماضي، وحل البرلمان، وأقال الحكومة، وفرض حالة الطوارئ، وحل المجلس الأعلى للقضاء، وأطلق مبادرة ما سماه "الاستشارة الوطنية الإلكترونية"، وقال إن دستورا جديدا سيحل محل دستور 2014 من خلال استفتاء في 25 يوليوز القادم.

 

وإذا كان الرئيس قيس ماض في طريقه لترسيخ الحكم الفردي، فهذا شأن أحرار تونس الذي سيجدون الرد المناسب للحفاظ على ديمقراطيتهم الفتية، أما ما ليس ما يطلبه المغاربة، فهو أن يكف هذا الرجل "الأكاديمي" عن استنساخ جنون الرئيس الجزائري، وعن تجنب الدخول في الحالة الباتولوجية العصابية التي أصابت الجنرال شنقريحة، حين أخذا يتهمان المغرب بالوقوف وراء كل الكوارث التي اعترت البلاد من حرائق وفيضانات واحتجاجات، إلى درجة جعلت الكثيرين يتحدثون عن إصابة حكام الجزائر بمتلازمة الرباط، وأن هؤلاء الحكام يفسرون شح المطر بتدخل المغرب، واندلاع الحرب الأوكرانية الروسية بتدخل المخزن، والهزائم الرياضية، والانتكاسة الديبلوماسية، والتضخم المالي، والإرهاب في مالي والسند والهند وبنغلاديش.. إلخ، بأنها مؤامرة من المغرب. وليس أدل على ذلك من اتهام الإعلام الموالي لقيس للمغرب بالوقوف أمام تسريب "رسالة" منسوبة لقيس حول الشيطان الأمريكي وصندوق النقل الدولي، واتهامه على نحو مضحك، ويكاد يكون مباشرا، بالتدخل في نتائج "الاستشارة الوطنية الإلكترونية"...

 

من الواضح أيضا أننا أصبحنا أمام رئيس تونسي نسخة طبق الأصل من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بل إنه يجتهد من أجل أن يكون شاهدا على زواج وشيك بين القصرين، قصر قرطاج وقصر المرادية، والمهر هو إعلان العداء الصريح للمغرب...