الخميس 11 أغسطس 2022
فن وثقافة

محمد بهجاجي: بمناسبة تكريمه بمقاطعة المعاريف بالدار البيضاء...عبد الرحيم أريري.. فضيلة الصداقة

محمد بهجاجي: بمناسبة تكريمه بمقاطعة المعاريف بالدار البيضاء...عبد الرحيم أريري.. فضيلة الصداقة عبد الرحيم أريري ومحمد بهجاجي(يسارا)
على هامش تكريم مقاطعة المعاريف بالبيضاء للزميل عبد الرحيم أريري، مدير موقع "أنفاس بريس" و"الوطن الآن"، في حفل احتضنه أحد فنادق المدينة، أدلى الكاتب الصحفي والمؤلف المسرحي محمد بهجاجي، بشهادة في حق المحتفى به، ننشرها كاملة :
 

عرفت الصحافي الصديق عبد الرحيم أريري في شتنبر من سنة 1988، تاريخ التحاقه صحافيا متدربا بجريدة "الاتحاد الاشتراكي". لكن على الرغم من سعة معرفتنا معا، وامتدادها في النفس والزمن فالعبارات تضيق حين يتعلق الأمر بالحديث عنه شخصيا، وعن أدائه الصحفي داخل جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، وبعد مغادرتها، وهو في أوج نضجه المهني، لينخرط في تجربة خاصة سماها، في البدء، "البيضاوي" بنفس جهوي. وقد تطورات، في ما بعد، إلى "الوطن الآن" بامتداد وطني، مدعمة اليوم بسندها الإلكتروني "أنفاس بريس". مع ذلك، سأحاول بإيجاز أن أصوغ كلمة برسم البورتري - الشهادة انطلاقا من تحديد بعض أصول صاحبنا، وروافد نشأته الأولى، وتأثيرها في صورته اليوم، وفي عمله ولغته، ومعجمه اليومي، وجوانب من ضجره أو دعاباته.

هناك قولة تثيرني دائما، وأسعى إلى توظيفها، في هذا المضمار، بما يناسب السياقات، وبما تقتضيه صيغها المختلفة، وهي تنسب إلى الكاتب الألماني يوهان غوته، وتفيد ب"أن هناك فقط هبتين يمكن أن نمنحهما لأبنائنا، وتبقيان معهم إلى الأبد: الجذور والأجنحة". وانطلاقا من ذلك أرى أن البوتري أو الشهادة التي أقترحها عليكم لا يمكن أن تستقيم ما لم نعد إلى الجذور: إلى الأب أحمد أريري رحمه الله، والوالدة أطال الله في عمرها اللذين قدما إلى كازا من سهول عبدة، وتحديدا من قرية تسمى أريري، قريبا من جمعة سحيم بإقليم آسفي. ضمن هذا السياق، يحضر بلوك 134، أو بلوك "الشاريج" بحي سيدي البرنوصي. ثم هناك مدرسة الإمام علي، وغيرها من علامات هذا الهامش الذي كافح مواطنوه من أجل رفع آثار "الحگرة"  والغمة التي أقرتها السياسات الرسمية في حق المراكز والضواحي، وفي حق تمتيع الطفولة والشباب بإمكانيات التنشئة السليمة حيث لا مرافق عمومية للاستشفاء، أو للرعاية الاجتماعية، أو للتثقيف والتسلية، ولا حدائق مرتبة إلا ما منحته الطبيعة: بحر الله القريب نسبيا، وأرضه الواسعة بسماء يظللها فقط شجر الكاليبتوس أو ما شابهه... وسيتضاعف الوعي بتلك "الحگرة"، في مخيلة صاحبنا، بعد أن يصاب بالفجيعة إثر إقدام معمل "شنوف" لصناعة السكر على تسريح الوالد، والرمي به إلى الشارع رفقة أفواج من المغاربة البسطاء.

مع ذلك سيتمكن أريري من الحصول على الباكلوريا ليلتحق بكلية الحقوق بطريق الجديدة بالدار البيضاء، وبشعبة العلوم السياسية تحديدا، وذلك ضمن سياق مجتمعي وسم علاقة الدولة بالمجتمع بالتوتر الحاد حيث مناخ الانسداد كان معبرا عنه تارة بتواصل انتفاضات الشارع، وبتواتر المحاكمات، وبخنق الحريات تارات أخرى.

من داخل ذلك المناخ، كان عبد الرحيم أريري يتلمس معنى أن تكون لك مثل تلك الجذور. لكنه سيتلمس كذلك الحاجة إلى أفق آخر، إلى الأجنحة التي سيحلق بها بعيدا، خاصة أن فضاء الجامعة كان قد فتح أمامه أفق الانفتاح على فكر اليسار.

في ختام سنته الجامعية الثانية سنة 1986، سيستفيد صاحبنا من تدريب صحفي بجريدة "البيان"، برعاية أستاذه في الكلية ندير يعتة.

بعد حصوله على الإجازة، سنة 1988، وبدعم من خالد عليوة، أستاذه في الكلية ذاتها، سيستفيد من تدريب صحفي ثان بجريدة "الاتحاد الاشتراكي". يومها أكد المتدرب لإدارة الجريدة ولهيئة التحرير أنه قادر على أن يضيف نفسا جديدا إلى العمل الصحفي، خاصة بعد تميزه بإنجاز تقرير شهري عن انتهاكات حقوق الانسان، وتحديدا عن موضوعة الشطط في استعمال السلطة بتوقيع أحمد الحنصالي. وقد تم التميز المستحق يومها بتشجيع خاص من محمد البريني، مدير الجريدة، ومصطفى القرشاوي، الأستاذ الموجه.

 عبر كل ذلك، تضاعف خفقان الأجنحة بعد أن صار صاحبنا متخصصا في كل ما يهم قضايا الشأن المحلي، ثم مكلفا بالقسم الاجتماعي، ممتلكا لخصائص يمكن إجمالها في اختياره العمل تحديدا ضمن مسلك الصحافة الاستقصائية وفق الحدود التي يسمح بها العمل الصحفي. وضمن ذلك المسلك سار بالعمل نحو انتقاد السلط القائمة مركزيا وجهويا، معززا مقارباته بالمعطيات والأرقام، وببعض مقتضيات التناول المقارن، خاصة بعد أن تعززت خبرته المهنية، بشكل خاص، بعد انتخابه سنة 1992، باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مستشارا بالجماعة الحضرية سيدي البرنوصي. وحده أريري كان قادرا على أن يفيدنا بما يتم تبذيره من المال العمومي على مستوى أجور الوزراء والبرلمانيين والمستشارين الذين لا يؤدون واجبهم التمثيلي كما يجب، كما على مستوى شق الطرق التي لا تؤدي إلى شيء، أو على مستوى عدد الحفر التي تعرقل حركة السير في مدينة الدار البيضاء. وهذا فقط فيض من غيض ما تكتمه مخيلة أريري.

 في ماي من سنة 2002، اختار أريري إصدار "البيضاوي" التي أصبحت "الوطن الآن" و"أنفاس بريس". ومنذ ذلك تواصل هذا المسار الإعلامي باختيار مهني لا يتردد في فضح الاختلالات جهويا ووطنيا بآراء ومواقف واضحة لا تكتبها يد مرتعشة. ويستمر في ذلك إلى اليوم، سواء اتفقت مع تلك الآراء والمواقف أو اختلفت. وبالطبع كان على صاحبنا أن يؤدي، من حين لآخر، ضريبة هذا الاختيار بالتضييق عبر منظومة الإشهار مثلا. بل وبسلب جزء من حريته كما حدث له في يوليوز وغشت سنة 2007. ومع ذلك فهو هنا دائما للانتقاد الشرس لما يراه إجحافا في حق المغاربة. ولقد رأينا كيف ناهض التجارب الحكومية، خاصة تلك الممتدة من سنة 2012 معتبرا إياها تمثلا ل"فشل المشروع الأصولي". وها هو اليوم لا يتردد في انتقاد الحكومة الحالية معتبرا أنها تؤسس ل"أصولية نيوليبرالية متوحشة" تماما كما كتب في العدد الأخير من "الوطن الآن".

 وبعد،

هذه شذرات من سيرة ولد العبدي التي تثبت الحاجة إلى عبد الرحيم أريري التي هي الحاجة إلى إعلام بنبض وطني، وبوعي مهني، وبحس إنساني. وهي كذلك الحاجة إلى أصدقاء مثله. ولذلك يجب أن نضيف إلى كل أبعاد شخصيته شيمة الوفاء تمثلا لما سماها أرسطو، في القرن الرابع قبل الميلاد، صداقة الفضيلة التي وحدها تدوم، بخلاف صداقة المنفعة، أو صداقة اللذة والمتعة.

تحية إلى مجلس مقاطعة المعاريف الذي نظم هذا اللقاء في سياق الاحتفاء باليوم العالمي لحرية الصحافة.

هنيئا للسي عبد الرحيم أريري بهذا التكريم المستحق فهو رجل يشبه جذوره الأولى متباهيا بها دائما، حارصا، في الوقت ذاته، على أن يجعل أجنحته ممتدة في الأعالي، قادرة دائما على مواصلة التحليق بكل أمان، وبلا تردد أو ارتباك.