السبت 13 أغسطس 2022
كتاب الرأي

أبو المجد: أين التنمية؟!

أبو المجد: أين التنمية؟! عبد الجليل أبو المجد
أصبح موضوع التنمية والنموذج التنموي الذي نطمح إليه حديث الساعة في المجتمع المغربي، إذ لم يعد مقتصرا على المهتمين والفاعلين فقط، لأن آثار برنامج التنمية يمتد إلى جميع الشرائح، وينعكس إيجابا أو سلبا على مستوى عيش المواطنين، بل تكون الآثار مدمرة على السلم الاجتماعي، والمتضررون من الوضع الاجتماعي المتردي يحملون الدولة المسؤولية المباشرة لما هم فيه من محن ومعاناة. والتساؤل المطروح الآن أين التنمية؟
سؤال يطرح نفسه بإلحاح في الوقت الراهن ما دمت لم تتحقق تنمية يشعر بها المغاربة في بلد يمتلك إمكانات تؤهله إلى المضي قدما في مسيرته التنموية الشاملة.
بداية قبل التطرق إلى الموضوع تحسن الإشارة إلى أن التنمية عملية طويلة ومضنية، وتحقيقها ليس بالأمر الهين. وفي المغرب، بدأت المساعي لإحداثها منذ زمن، لكن الحكومات المتعاقبة على المغرب لم توفر البيئة الحاضنة لها، وأهمها توفير معايير المحاسبة والشفافية والحكامة التي تصون المال العام، وتضمن الحقوق والعدالة الاجتماعية. وهذا أمل المغاربة.
ومن الأهمية بمكان التأكيد أيضا أن التنمية لا تكتفي بتحقيق النمو فقط بل تسعى إلى إعادة توزيع عائدات هذا النمو بشكل عادل بين أفراد المجتمع بهدف تحقيق العدالة والسلم الاجتماعيين، والتنمية هي عملية تحسين نوعية حياة المجتمع بالتركيز على دعم القطاعات الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للمنظومة الصحية على وجه الخصوص وتقليص الفوارق المجالية ومظاهر الفقر.
وبناء عليه، فإن التنمية ليست نموا ومضاربات مالية وبنايات وجسور ضخمة وسيارات فاخرة تتجول في الشوارع، وإنما هي حراك إنساني اجتماعي من وضع معين إلى وضع آخر أفضل منه. وتحقيقها يتطلب بالدرجة الأولى الاهتمام بالعنصر البشري تعليما وتأهيلا وسلوكا. وأي تخطيط تنموي كان، تم بمعزل عن التفكير في العنصر البشري المغربي، فهو تخطيط لن يكتب له النجاح. ذلك لأن الإشكال في المغرب الحالي ليس ماليا فقط، ولكن يكمن في العنصر البشري أيضا.
فالتقدم الهائل الذي تحقق في اليابان وسنغافورة والصين وماليزيا وغيرهم هي مثال حي وواقعي على تطبيق مفهوم الإنسان كمحور للتنمية الشاملة والمستدامةـ لا يقوم على أساس من مصادر الثروة الطبيعية، بل إنه يقوم بالدرجة الأولى على الاهتمام بالعنصر البشري. وكما جاء في المقولة الشهيرة للفيلسوف الفرنسي جان بودان  Jean Bodin "ليس هناك ثروة إلا الإنسان".
وتأسيسا على ما سبق، المطلوب في مسيرة التنمية التركيز على إعطاء الأولوية للعنصر البشري وتأهيله وتهذيبه وترشيد سلوكه باستعادة وتأصيل القيم المفقودة من احترام وتكافل وتعاون وعطاء وتطوع، حتى لا يكون الفشل رفيق التنمية من جديد.
فالمغرب في الوقت الراهن في أمس الحاجة إلى رجال ونساء يفكرون ويعملون بعقلية عصرية نيرة، إلى الطبيب والممرض، والمهندس والعامل، والأستاذ الجامعي والمعلم، والموظف الإداري وغيرهم يلتزمون بالمبادئ والقيم الوطنية وبالمنفعة الإنسانية العامة. فمثلا في مجال الطب، فالحاجة ماسة اليوم إلى مجتمع يصبح الطب فيه منفعة اجتماعية عامة، بلا جشع وتجارة بأرواح الناس. وفي مجال الإدارة الحاجة ماسة أيضا إلى الموظف المثابر الجاد الذي يعامل الناس معاملة حسنة وبدون تمييز من أي نوع.
فمن يحاسب الطبيب والموظف وغيرهما عن التقاعس واللامبالاة، لأن ذاك الطبيب والموظف يعتبر نفسه فوق المحاسبة والقانون، خاصة أنه يعلم أن المحاسبة غائبة لأن القانون غير مفعل، فما الحل إذن إذا ما غابت الضمائر الحية، وضاعت حقوق الناس؟ 
وهكذا وبسبب غياب الضمائر وغياب أدوات المساءلة والمحاسبة وتقييم الأثر، صرفت ميزانيات واستثمرت قروض داخلية وخارجية دون تحقيق طموحات الناس وأحلامهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية.
في هذا السياق العام المتأزم، البلاد في حاجة إلى العنصر البشري العملي والقوي نشأة وسلوكا وتأهيلا، فالعنصر البشري المؤهل أساس نجاح أي مشروع كان محليا أو وطنيا. ولكن يبدو أن هذه الحلقة المفقودة من الصعب سد فجوتها في المسقبل المنظور، وذلك نتيجة أخطاء عديدة وفادحة ارتكبتها الحكومات المتعاقبة في شأن الحقوق الاجتماعية، خصوصا في مجال التكوين والتعليم، بالإضافة إلى غياب إرادة الإصلاح الحقيقي ومحاسبة النخب الانتهازية المنتفعة التي لا يهمها مصلحة المغرب ولا المغاربة، شغلها الشاغل المتاجرة ومراكمة الأرباح وتنمية ثرواتها حتى في الأوضاع الصعبة.
فهل من إعادة نظر قبل فوات الأوان؟