السبت 26 نوفمبر 2022
فن وثقافة

في برنامج "مدارات": عبد الكريم غلاب هرم الأدب والصحافة بالمغرب

في برنامج "مدارات": عبد الكريم غلاب هرم الأدب والصحافة بالمغرب المرحوم عبد الكريم غلاب
-غلاب واحد من الخمسة الكبار : 
 
في حلقة الثلاثاء الأخير من برنامج "مدارات"، قدم الإعلامي عبد الإله التهاني، إضاءات ولمحات من السيرة الأدبية والفكرية والصحفية للكاتب الكبير المرحوم عبد الكريم غلاب، واصفا إياه بشيخ الأدباء وعميد الكتاب، في الثقافة المغربية الحديث.
وأشار  التهاني في ورقته ، إلى أن خمسة رجال كانوا من المؤسسين الكبار للثقافة المغربية الحديثة ، وهم عبدالله كنون في الدراسات الدينية والتاريخ الأدبي المغربي، ومحمد الفاسي في الفنون والتاريخ الحضاري، وعبد الله العروي في فلسفة التاريخ ، ومحمد عابد الجابري وعزيز الحبابي في الفكر الفلسفي، وعبدالكريم غلاب في الكتابة الأدبية، حيث قال عن هذا الأديب الراحل، بأنه التقت فيه مكونات الثقافة المغربية الخالصة، بعناصر الثقافة المشرقية، مشيرا إلى هجرة غلاب المبكرة الى مصر، حيث سيلتحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة عام 1940 ، مباشرة بعد الانتهاء من دراسته الثانوية بالقرويين في فاس.
وأبرز معد ومقدم البرنامج أنه في ظلال الجامعة المصرية ، سيكتمل الوعي الفكري للشاب غلاب، وهو يقبل على دروس ومحاضرات أقطابها الكبار، وفي طليعتهم الدكتور طه حسين، الذي سيترك بأسلوبه الادبي وفكره المتجدد ونزوعه الحداثي، أثرا عميقا في نفسية ووعي الشاب  غلاب .
وأضاف التهاني يقول، بأن طه حسين العائد من جامعة السوربون بباريس، سيحفر أخاذيد في الذوق الادبي لغلاب، الفتى القادم من جامع القرويين بفاس، مبرزا أن عبدالكريم غلاب استطاع بعد تخرجه من الجامعة المصرية، أن يندمج في المنظومة الثقافية والاعلامية للقاهرة، حيث عمل مدرسا بمدارسها الثانوية، بالتزامن مع نشاطه الوطني، من خلال العمل السياسي والإعلامي في مكتب المغرب العربي، والذي كان من مؤسسيه وقيادييه الكبار، رفقة شخصيات مغربية ومغاربية، من أبرزها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
وتوقف عبدالاله التهاني عند المحطات الموالية من مسيرة عبدالكريم غلاب ، مشيرا الى أن  ظروف العمل الوطني من أجل الاستقلال، اقتضت أن يعود إلى المغرب عام 1948، حيث سيعمل في مجلة " لسان المغرب "، قبل الانتقال إلى جريدة "العلم " في مطلع الخمسينات، علما أن ظروفا سياسية قادته للعمل أيضا لفترة في الحقل الديبلوماسي،  حين كان الحاج أحمد بلفريج على رأس وزارة الخارجية المغربية.
واعتبر الزميل التهاني أن هوى عبدالكريم غلاب الحقيقي ، كان للصحافة ، مثلما كان قلبه مملوكا للأدب، وعقله مسكونا بأسئلة الفكر وهمومه، وأنه انطلاقا من بيته الأليف في جريدة " العلم "، وطيلة أزيد من ستين عاما، كتب غلاب من موقعه الصحفي، التعليق اليومي، والافتتاحية الرئيسية، والمقالة الأدبية والخواطر، والمذكرات.
واستحضر التهاني مقالات غلاب الأدبية والفكرية في ركنه الشيق "حديث الأربعاء" بجريدة  "العلم"، وهي مقالات  طالما  شدت اهتمام القراء، من أهل الفكر والادب والسياسة والدبلوماسية، مشيرا إلى أن الاديب الراحل كان يعالج فيها قضايا فكرية وأدبية، أو يرسم فيها بورتريهات جذابة وممتعة، لشخصيات علمية أو أدبية أو سياسية، مغربية وعربية، مسجلا أن الراحل غلاب فعل خيرا، حين جمع جزءا منها في كتابه المسمى "الماهدون الخالدون" ، مشددا على أنه واحد من أمتع مؤلفاته، ومن أكثرها عمقا وفائدة، ومن أرفعها بلاغة وعذوبة وسلاسة، لاسيما أنه كتب مقالات هذا الكتاب، وهو بين العقد السابع والثامن من عمره المديد.
وأضاف التهاني بأن عبدالكريم غلاب، كأديب وككاتب صحفي، اجتاز حقبة طويلة، تنقل خلالها  بين أزمنة سياسية مختلفة، ومراحل فكرية وإبداعية متنوعة ومتمايزة، ظل على امتدادها مرتبطا بقضايا الوطن، مصغيا لحركية المجتمع المغربي، مواكبا لتحولاته .
وتناول الزميل التهاني، ما نشره الراحل عبدالكريم في باب الكتابات الفكرية والنقدية والتأملية، ذات الصلة بقضايا الثقافة وأسئلة الفكر ، مستعرضا مؤلفاته التالية : نبضات فكر - مع الأدب والأدباء - دفاع عن فن القول- أزمة المفاهيم وانحراف التفكير - رسالة فكر - الثقافة والفكر في مواجهة التحدي - عالم شاعر الحمراء محمد بن ابراهيم - من اللغة إلى الفكر    
- غزارة في الإنتاج وتنوع في أجناس الكتابة الأدبية :
وسجل الاعلامي عبدالإله التهاني أن المرحوم  عبدالكريم  غلاب ، يصنف في خانة الادباء والكتاب المغاربة، الأكثر غزارة في الإنتاج وتنوعا في أجناس الكتابة، حيث أبدع في الرواية والقصة، وفي  السيرة الذاتية وأدب الرحلة. كما أنتج في مجال النقد والدراسات الأدبية،  وأنه زاد على كل 
ذلك عطاءه في باب الكتابة التاريخية، وخاصة في ما يتعلق  بتاريخ المغرب الحديث، ومراحل الكفاح الوطني من أجل الاستقلال، ومنها كتابه حول تاريخ الحركة الوطنية المغربية، نشره في جزأين . 
واستطرد الزميل التهاني قائلا، بأن اهتمام المرحوم عبدالكريم غلاب، امتد أيضا إلى مجال الدراسات الدينية، حيث أصدر عدة مؤلفات، أبرز فيها العمق الحقيقي للاسلام، ومثله ومقاصده السامية، وقيم الاعتدال والسماحة والرحمة التي بنيت عليها تعاليمه .
وأورد الزميل التهاني عددا من إصدارات الاستاذ غلاب في هذا الباب ، ضمنها كتبه التالية:مجتمع المؤمنين من هدي القرآن- صراع المذاهب والعقيدة في القرآن - في الثقافة الإسلامية والآداب القرآنية، وغيرها . 
-رجل مارس السياسة بقلمه وفكره : 
وأشار  الزميل عبدالإله التهاني في حديثه ، ضمن الحلقة الاخيرة من برنامجه الأدبي "مدارات"، بأن الاديب الراحل عبدالكريم غلاب، كان رجل سياسة، يمارسها بفكره وقلمه، وأنه كان كاتبا صحفيا استثنائيا، وصاحب كلمة لها وزنها وتأثيرها وفعلها، في مواكبة عمل الدولة وتحولات المجتمع ، مبرزا أنه وسع من اهتماماته في هذا الباب،حيث كتب بشكل غزير في الديمقراطية وحقوق الانسان، وفي الفكر الاجتماعي، والتنظير السياسي، مسهما بآرائه وأفكاره الاصلاحية في قضايا حيوية، تتعلق ببناء الدولة، ونهضة المجتمع ، وبمجال التربية والثقافة والتعليم والنظريات الاقتصادية، فضلا عن الوحدة الترابية للمغرب.
وأضاف الزميل التهاني بأن المرحوم غلاب ، أنتج أيضا في مجال الدراسات التوثيقية والتحليلية، من خلال ما ألفه عن التطور الدستوري ، والمسار النيابي في المغرب.
وفي هذا السياق ،استعرض   بعضا من مؤلفات  الراحل غلاب من قبيل إصداراته التالية :
في الفكر السياسي - تجديد الدولة وتغيير السياسة - التطور الدستوري والنيابي بالمغرب - لماذا انهارت الشيوعية .
- أدب غلاب بين معارك التحرير، وهموم  مرحلة الاستقلال :
 وتناول الزميل عبدالاله التهاني الجانب الروائي والقصصي في الشخصية الأدبية للمرحوم عبد الكريم غلاب، مشيرا إلى أنه أطل على الساحة الثقافية بأولى أعماله السردية سنة 1965، من خلال سيرة  "سبعة أبواب"،  والتي تروي تجربة السجن أيام الاحتلال الفرنسي للمغرب، لافتا إلى أن"سبعة أبواب" ، لم تكن مجرد مذكرات حول حياة كاتبها في السجن، بل كانت عملا سرديا، على درجة من الحبكة في البناء والدقة في الوصف، والجمالية في التصوير، أتبعها غلاب عام 1968، بروايته الشهيرة "دفنا الماضي" ثم بروايته "المعلم علي"، وهما روايتان تستحضران سيرة النضال الوطني، من أجل استقلال البلاد، وبناء المغرب الحر المستقل.
واستعرض معد ومقدم برنامج "مدارات "، بقية أعمال غلاب في جنس الرواية والسيرة الذاتية، ومنها:
( صباح ويزحف الليل - وعاد الزورق إلى النبع - شروخ في المرايا - سفر التكوين - الشيخوخة الظالمة- لم ندفن الماضي ) وغيرها من أعماله السردية المتميزة ، والتي نالت ثلاثة منها ، جوائز الدولة التقديرية للأدب بالمغرب، وهي رواية "دفنا الماضي"، ورواية "المعلم علي"، ثم رواية "شروخ في المرايا". 
واستعرض الزميل التهاني حصيلة الانتاج القصصي للأديب الراحل عبد الكريم غلاب، بدءا  بمجموعته القصصية "مات قرير العين" التي أصدرها سنة 1965، ثم مجموعة " الأرض حبيبتي" والتي نشرها غلاب  سنة 1971، فمجموعته القصصية : "وأخرجها من الجنة"، الصادرة عام 1977، إلى غير ذلك من أعماله القصصية .
- غلاب : كاتب الموسوعي ومتعدد الأبعاد  .
وفي إشارته إلى تنوع كتابات الراحل عبد الكريم غلاب، أوضح الزميل عبدالإله التهاني أنه  لم يكن يكتفي بالإبداع الروائي والقصصي وحده، ولا بالكتابة الصحفية اليومية فقط، بل أصدر سلسلة من الكتب، تعدت الثلاثين كتابا في الأدب والنقد، والسياسة والفكر، والتاريخ، والقانون، والتفسير القرآني والمذاهب الفقهية، والمذكرات وأدب الرحلة، واصفا إياه بأنه كان علما شامخا، من أعلام الفكر والأدب بالمغرب، بوأه قلمه
 وفكره مكانة متميزة في الثقافة المغربية الحديثة، واعتبر دارسو أعماله  أن أدبه الروائي والقصصي، انعكاس لأوضاع بلده المغرب، بطريقة إبداعية راقية .
وأكد الزميل التهاني أن في كل ما كتبه غلاب، ظل مرتبطا بقضايا وطنه ، مشددا على أنه كاتب متعدد الابعاد ، لمع قلمه في الصحافة المغربية ، كما لم يلمع أحد من قبله ، وخلد اسمه في الادب ، تاركا بصمته الواضحة في العديد من حقول الثقافة المغربية الحديثة، جاعلا من أعماله الروائية والقصصية ، وبقية مؤلفاته في مجالات شتى، ومن كل كتاباته الصحفية اليومية، صورة لكفاح المغاربة،  من أجل التحرير وتحقيق الاستقلال ، ثم بناء المغرب الجديد.