الاثنين 5 ديسمبر 2022
كتاب الرأي

عبدالله بوشطارت: الحركة الأمازيغية.. أسباب الجمود وامكانية الصعود

عبدالله بوشطارت: الحركة الأمازيغية.. أسباب الجمود وامكانية الصعود عبدالله بوشطارت
يحاول البعض أن يوهمنا ويوهم نفسه أن ما تعيشه الحركة الأمازيغية ناتج بالأساس إلى ما يعرفه المغرب والعالم من اجتياح لفيروس الكوفيد 19، وما فرضه من حجر صحي وحالة طوارئ جمد بها كل الأنشطة والديناميات المجتمعية، وانعكس سلبا على الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية. صحيح أن هذا المعطى قائم وواقعي، لا يمكن انكاره، لكن الفيروس الحقيقي الذي اصاب الحركة الأمازيغية ليس هو الكوفيد وإنما هو وباء آخر، نسميه حالة افتراس سياسي غير مسبوق. لماذا؟
لأن الحياة السياسية والثقافية في المغرب، بدأت في التحرك منذ مدة مع ارتفاع وثيرة التلقيح، فقد نظم المغرب انتخابات الغرف المهنية وانتخابات تشريعية وجهوية ومحلية والتي استقرت عدة شهور، ولم تتوقف الحياة الجمعوية ذات الصبغة المدنية والثقافية والسياسية والرياضية والتنموية، لكن على العكس الحركة الأمازيغية عرفت شللا تاما، حيث تراجع العمل الأمل الامازيغي المستقل تراجعا خطيرا منذ مدة.. فأسباب ذلك كثيرة، فيها ما هو ذاتي وما هو موضوعي، نجملها في التالي:
- دسترة الأمازيغية وترسيمها، قام بخلخلة بنيات الحركة الأمازيغية تنظيما، وخطابا، وأسلوبا، لأن مطلب الترسيم كان مطلبا استراتيجيا وحوريا يؤطر نضالات العمل الامازيغي، والطريقة الذي جاء بها هذا المطلب كانت فجائية، لا الدولة كانت مستعدة له، ولا الحركة الأمازيغية، فقد كان أكبر مفاجئة سياسية بالمغرب، لأنه تحقق في سياق سياسي حارق، إثر انتفاضات حركة 20 فبراير التي تزعمها الامازيغ في كل مناطق وجهات المغرب وتمكنوا من فرض مطلب الدسترة على رأس مطالب انتفاضة حركة 20 فبراير بالرغم من تواجد الاسلاميين واليسار العروبي داخل الحركة. فالدولة كانت تريد غلق الملف الامازيغي بعد خطاب أجدير 2001 بتأسيس المعهد الملكي للثقافة الامازيغي. لكن بعد ظهور ثورات 2011 في تونس وسقوط نظام بنعلي والقذافي في تونس ومصر، تغير كل شيء، ودفع المغرب ب إصلاحات وتعديل دستوري، واستفادت الأمازيغية من هذا الانفتاح السياسي، لكن هذا الترسيم كانت له انعكاسات على الحركة الأمازيغية التي لم تكن مستعدة تنظيميا وفكريا وسياسيا لما بعد الدسترة، لأن الأمازيغية دخلت مرحلة جديدة، يسميها البعض مرحلة مأسسة الأمازيغية التي اشترط ترسيمها بقوانين تنظيمية، وبالتالي إلى ترافع مؤسساتي وسياسي وتشريعي... وهذه المرحلة الجديدة لم تكن الحركة الأمازيغية في استعداد تنظيمي لها. لا سيما بعد حل الحزب الديموقراطي الامازيغي المغربي سنة 2008، لو لم يتم حله، لكان الحزب قام بوظيفته السياسية والتشريعية بعد الدسترة.. لكن للأسف بعد ترسيم الأمازيغية تراجع الزخم النضالي الامازيغي وبدأ في النكوص.. لأن المرحلة تغيرت والسياق السياسي تبدل، خاصة بعد سيطرة الاسلاميين على الحكومة بعد 2012...
- كون الحركة تعيش "تحول جيلي" برحيل بعض الفاعلين الذين كان لهم دور كبير في المبادرات النضالية وتدعيمها ماديا وفكريا ومعنويا، وكانت لهم رمزية في القيادة وتجميع الناس والمناضلين، مثل المرحوم اخياط ودوره الكبير في جميعة لامريك، حينما توفي تراجعت وتأثرت الجمعية التي كانت ذات بعد وطني، ثم المرحوم محمد منيب الذي كان يقوم بدور هام محليا في أكادير ووطنيا، ثم الاستاذ الحسين الملكي، لا يظهر في الاضواء كثيرا ولكن كان يقوم بعمل جبار خاصة على المستوى القانوني وكان يمتاز بقوة الاقتراح والمواكبة بالأفكار الدقيقة والمركزة التي تفتح آفاقا واسعة في النضال مثلا تراكمه المعرفي والقانوني حول قضية الارض، ثم المرحوم أحمد الدغرني الذي كان قائدا سياسيا وميدانيا حقيقيا، كانت له الشجاعة والمعرفة الواسعة، ويتمتع بكاريزما نادرة في توحيد الصفوف واقتراح الأفكار والمشاريع مثل التنسيق الوطني، الحزب الامازيغي، تامونت، ثم المرحوم حسن بنعقية هو الآخر يعد من بين علماء الأمازيغية المعاصرين ومفكريها، قاد معارك فكرية وعلمية كثيرة، كانت تفتح مسارات النضال أمام الشباب الامازيغي خاصة في الريف، وخاض تجربة النشر والصحافة مع صديقه محمد بودهان في جريدة تاويزا التي كانت منارة النضال والسجال الامازيغي، ونفس الشيء بالنسبة لرحيل المرحوم محمد أجعجاع رئيس جمعية أسيد بمكناس، لعب هو الآخر دورا طلائعيا في الحركة الأمازيغية وطنيا ومنطقة الوسط بصفة اساسية، أصدر مجلة تيفاوت في بداية التسعينات، وخاض تجارب أمازيغية كثيرة... هؤلاء كان لهم ثقل كبير في الحركة الأمازيغية، وتأثرت بهم، لأنهم عانوا من المرض سنوات قبل رحيلهم... لم يستطع الجيل الموالي لهم أن يكون في مستوى رهانات المرحلة الحالية، وسنبين ذلك لاحقا..
- تشبيب الحركة الأمازيغية بدون أفق وبدون تنظيم سياسي بمرجعية أمازيغية، فمنذ حراك 20 فبراير وما حققه من مكسب جوهري للقضية الأمازيغية، الترسيم الدستوري، اتسعت قاعدة الحركة الأمازيغية وانخرط فيها الشباب بشكل واسع، ساعد في ذلك عدة عوامل، اهمها، ارتفاع عدد خريجي الجامعات التي تتواجد بها الحركة الثقافة الأمازيغية، ثم انتشار الأنترنيت وتدفق المعلومات، وارتفاع الوعي الامازيغي وظهور منصات التواصل الاجتماعي التي أعطت مساحات شاسعة للنقاش الحر في قضايا مهمة كالتاريخ والهوية والثقافة والامازيغية... هذا الاستيعاب الشبابي الكبير للأمازيغية خلال حراك 20 فبراير نتج عنه بشكل مباشر حركة "تاودا" وهي عبارة عن حراك شبابي أمازيغي قام بمسيرات احتجاجية في عدة مدن، لكنه للأسف لم يسفر كل ذلك عن تنظيمات سياسية قوية وفعالة، بسبب عدم وجود رؤية وتصور واضح وقراءة سياسية دقيقة للمرحلة، فعوض أن يتم الانكباب والتفكير في سبل خلق وبناء مشروع سياسي امازيغي منظم يقود مرحلة ما بعد الدسترة، خرج الشباب للشوارع بدون أي أفق. فحتى المبادرات التي خرجت للوجود لاعادة تنظيم الحركة وبناء تصور تنظيمي بديل تأسس على فكرة تامونت فقد عرف مشاكل كثيرة، واصطدم منذ بداياته الأولى بمنع ادراي من طرف سلطة مدينة مراكش.
- افتراس سياسي غير مسبوق، بعد انتخابات 2016 وتأكيد قوة الاسلاميين من جديد بعد سطوتهم الانتخابية، صعد رئيس جديد إلى حزب الأحرار وهو الميلياردير اخنوش ذو أصول تافراوت في سوس، وبدأ في اكتساح تنظيمي للساحة السياسية بشكل عام، بقوة مالية ولوجيستيكية رهيبة استعدادا لاسقاط الاسلاميين، فلم تنج الحركة الأمازيغية من هذا الاجتياح، لا سيما في ظل ما ذكرناه من سياقات وتحولات عرفتها الحركة الأمازيغية، وبدأ الأمر بتحييد دينامية تامونت ومنعها ادرايا عبر سلطة مراكش ثم قضائيا بحكم ابتدائي ثم استئنافي، واستهدف الحزب الحركة الأمازيغية و شبابها واطرها، لجعلها مرتعا ايديولوجيا لمجابهة الاسلاميين، خاصة أن حزب الأحرار لم يكن حزبا سياسيا حقيقيا وليست له تجربة نضالية ولا مرجعية فلسفية وايديولوجية لخوض معارك سياسية مع الاسلاميين. فوجد الحزب وضعا هشا داخل الحركة وسهل له الاختراق بفعل استقطاب بعض النشطاء والفعاليات هنا وهناك، خاصة مع وجود إمكانيات مالية كبيرة لدى الحزب، وقدم لهم وعود مغرية، فخرجت تنظيمات جديدة أسسها من كانوا سابقا في الحركة الأمازيغية أعلنت ولائها لحزب أخنوش في سرعة قياسية جدا، (ومنهم رئيسان سابقان لجمعيتين امازيغيتين كبيرتين لهما عدة فروع وطنيا) واغلب ما يسمون أنفسهم نخبة أمازيغية ارتموا في حزب الأحرار منهم من أعلن ذلك صراحة ومنهم من يقوم فقط بالحملة لصالح الحزب في الإعلام والندوات... وتعرضت الحركة الأمازيغية قبيل الانتخابات لاكتساح سياسي وحزبي شرس من طرف الحزب الأزرق، وبقي فقط مناضلين يعدون على الأصابع هم من وقف ضد هذا الابتلاع، فيما اصيب اغلب المناضلين الممانعين والمستقلين بحالة الاحباط التام بعد أن رأوا ما يسمى بالنخبة الأمازيغية ترتمي في أحضان حزب إداري مقابل الحصول على مكاسب مادية محدودة، وبعد حصول هذا الحزب على أغلبية المقاعد وترأس الحكومة، افتتحت شراهة الامازيغيين الذين قدموا الولاء الحزبي لرئيس الحزب الذي أصبح رئيسا للحكومة وزاد فيهم الحماس ونسوا المطالب التي ناضلوا عليها سنوات وعلى رأسها ترسيم رأس السنة الأمازيغية ايض ايناير الذي خذل فيه رئيس الحكومة الامازيغ، ورغم ذلك، النشطاء الامازيغ سابقا ابتلعوا ألسنتهم وراحوا يتحدثون في الملتقيات عن وعود انتخابية كاد الجميع أن يصدقها...
أمام هذا الوضع، وفي ظل هذه التحولات والمستجدات، اصيبت الحركة الأمازيغية بجمود وتجميد، واصيبت الفعاليات الممانعة والمستقلة منها بحالة من الانطواء والاحباط وتراجعت إلى الخلف تنتظر وتراقب ما ستؤول إليه الأوضاع. هذا التراجع جعلنا نلاحظ طغيان وهيمنة أمازيغ أخنوش في الساحة السياسية، يركبون الطائرات من الناظور إلى تارودانت، يحجزون الفنادق الفاخرة في كل المدن، فأصبح النقاش السياسي والثقافي حول الأمازيغية يهيمن عليه ويتحكم فيه حزب سياسي واحد في المغرب، وهو حزب الذي يتزعم الحكومة، الذي رفض ترسيم رأس السنة الأمازيغية. (أمام هذا الوضع) لا يمكن لنا ترك الحركة الأمازيغية أمام هذا الافتراس السياسي، فلابد من اخذ الأمر محمل الجد، والدعوة إلى نقاش حقيقي حول واقع ومستقبل الأمازيغية في المغرب بعيدا عن وصاية أي حزب سياسي أو لوبي مالي، لأن الحركة الأمازيغية ولدت من رحم الحرية وستبقى وفية للنقاش الحر...وستتخذ مبادراتها من وحي مقترحات وتصورات مناضليها، من صميم أفكارهم واجتهاداتهم...وما المؤتمر الوطني الأول للحركة الأمازيغية المزمع تنظيمه في مارس المقبل، إلا فرصة أخيرة للنهوض والصعود من جديد، بفكر جديد ورؤية جديدة..