الأربعاء 29 يونيو 2022
فن وثقافة

محمد الحلوي: سيد القصيدة الكلاسيكية بلا منازع.. وقطعة نفيسة من تاريخ الشعر بالمغرب

 
محمد الحلوي: سيد القصيدة الكلاسيكية بلا منازع.. وقطعة نفيسة من تاريخ الشعر بالمغرب الراحل محمد الحلوي
خصص الزميل عبد الإله التهاني حلقة كاملة  من برنامجه الإذاعي "مدارات"، يوم الثلاثاء 8 فبراير 2022، للشاعر المغربي الكبير الراحل محمد الحلوي، بصفته واحدا من رواد الثقافة المغربية الحديثة، حيث استحضر من خلالها سيرة عميد القصيدة الكلاسيكية في الأدب المغربي الحديث، وجوانب من رحلته الشعرية الطويلة.
في مستها الحديث الادبي للزميل عبدالإله  التهاني، عن الشاعر  المرحوم محمد الحلوي، وصفه بالشاعر الذي تغنى منذ فترة الأربعينيات، بآمال المغرب في التحرر والكرامة والاستقلال، وأنه لاقى في ذلك من مضايقات الإدارة الإستعمارية في مغرب الحماية ما لاقاه غيره. 
وأشار إلى أن الحديث عن الشاعر محمد الحلوي، هو حديث عن خزان شعري هائل ،  ظل عطاؤه يتدفق  على امتداد ستين سنة 
أو يزيد، معتبرا أن  نبوغه الشعري كان مبكرا جدا ، وأنه  ضمن لنفسه مكانة أدبية مميزة، ولصوته الشعري الذيوع في المحافل الثقافية، وهو مايزال في عقده الثالث من عمره، مضيفا أنه لم يكن غريبا أن يفوز محمد الحلوي بجائزة العرش الأولى سنة 1951، عن قصيدة طويلة له بعنوان " تحية العيد" ، صاغ فيها عواطفه الوطنية ، ورسم بأسلوبه الشعري البليغ ، ملامح من خصال وشهامة بطل التحرير والاستقلال ، المغفور له الملك محمد الخامس ، لافتا الانتباه إلى أن  قصيدة محمد الحلوي هذه، نشرت في جريدة  " لسان المغرب " ضمن عددها 134، الصادر في نونبر 1951.
واستطرد الزميل عبدالإله  التهاني في حديثه  عن سيرة الشاعر  محمد الحلوي ، واصفا إياه بأنه " قطعة نفيسة من حياة الشعر الرفيع بالمغرب الحديث، وجوهرة من جواهره، ومرحلة زاهية بلآلئ القصيدة العمودية في أبلغ صورها ، وأجمل مواصفاتها ، حتى بات هذا الشاعر  بنظره، يمثل شجرة شعرية أصيلة وارفة الظلال، يانعة الأغصان، تزداد مع كل فصل ربيع ورونقا وجمالية ونضارة ".
وشدد معد ومقدم  برنامج  "مدارات" على أن " الشاعر محمد الحلوي ، تميز بقدرته الفائقة في المحافظة على جودة نصوصه الشعرية، وعلى المنحى التصاعدي لجمالية قصائده، التي لم تعرف أبدا نكوصا أو تراجعا في قيمتها ، مؤكدا أن الحلوي بموهبته المتأصلة، وقاموسه وزاده اللغوي الكثيف، أدرك كيف يجدد نفسه الشعري، وكيف يوفر له وسائل الديمومة والانتظامية، حيث لم ينقطع صبيبه الشعري على امتداد ستين عاما ".
واعتبر الزميل التهاني أن هذه  حالة  " تكاد تكون فريدة في تاريخ الشعر المغربي على الإطلاق، إذ لم يحافظ شاعر غيره من بين شعراء المغرب القدماء والمحدثين، على أن يضمن لعمره الأدبي حياة من العطاء والحضور لفترة، تناهز ستين عاما دون انقطاع " .
وخلص في حديثه على أن الشاعر المجدد محمد الحلوي، "يجسد بالفعل ملحمة المغرب الشعرية الكبرى في ثقافتنا الأدبية الحديثة، وهو تاج القصيدة الكلاسيكية في المغرب، وسيدها بلا منازع أو منافس " مضيفا أنه لو شئنا أن نقارنه بغيره من الشعراء المغاربة، الذين عاصروه أو جايلوه زمنيا، فإننا لن نجد بينهم من يتساوى معه ومستواه، وإنما سنعثر على قلة قليلة من الشعراء المغاربة المعاصرين له، ممن اقتربوا من مستوى شاعريته وغزارة إنتاجه.
وشدد الزميل عبدالإله التهاني في حديثه الاذاعي هذا، أنه  شخصيا لم يعثر في سياق هذه المقارنة، إلا على أربعة أسماء شعرية مغربية شامخة، وهم الشعراء المرحومون:  إدريس الجائي، وعبد الرحمن حجي،  ومحمد بن إبراهيم (شاعر الحمراء)، ومولاي علي الصقلي.
واستعرض الزميل التهاني في نفس الحلقة، مختارات من أشعار محمد الحلوي ، متوقفا في البداية  عند إحدى قصائده  البديعة  بعنوان "علموه"، وهي عبارة عن تشطير لقصيدة شهيرة لشاعر مصر الكبير أحمد شوقي،   ومطلعها: (علموه كيف يجفو فجفا / ظالم لاقيت منه ما كفى)، كان قد لحنها وغناها الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب. 
وأبرز التهاني أن هذا التشطير من محمد الحلوي، لقصيدة أحمد شوقي المشار إليها، يقوم على استعارة الشطر الأول أو الثاني من أحد أبيات قصيدة أحمد شوقي ، ثم يأتي الحلوي بالشطر الاخر الذي هو من إبداعه هو.
وتساءل معد ومقدم برنامج "مدارات "، عما إذا كان الشاعر الراحل محمد الحلوي،  يريد أن يرفع التحدي ويثبت من خلال هذه قصيدته " علموه "، أنه كان قادرا على مجاراة أحمد شوقي شاعر مصر الكبير في علوه الشعري؟ 
وشدد الزميل التهاني على القول  بأنه " مهما يكن ، فقد نجح محمد الحلوي في هذا الرهان، وبذلك فهو يستحق عن جدارة لقب "شوقي المغرب". وأورد مقاطع من هذه القصيدة على النحو التالي: 
علموه كيف يجفو فجفا،
ليته يعلم ماذا اقترفا /
هاجري ذوب قلبي هجره ،
ظالم لاقيت منه ما كفى /
مسرف في هجره ما ينتهي، وأنا المسرف فيه كلفا/ 
وأنا وحدي أناجي طيفه،
صفق القلب وإليه وهوى/ 
أنا سهران غلى عهدي الهوى،
لم يسؤني أنه ما اعترفا / 
وشقائي أنني في حبه،
مخلص وهو لحبي ما وفى/ 
وفي سياق متصل توقف عند قصائد أخرى  لمحمد الحلوي، منها قصيدة  بعنوان "غريق"، منشورة في ديوانه (شموع) ، حيث اعتبر صاحب البرنامج أنها " غزلية رقيقة ، تعتبر من عيون شعره الوجداني ، الذي تغنى فيه الحلوي بعاطفة الحب، يقول في مطلعا: 
أدرك محبك فهو اليوم يحترق، الشوق ذوبه والدمع والأرق/ 
أدرك محبك في بحر الهوى ، شبحا يكاد يقتله في موجه الغرق/ 
أضاع يوم رأى عينيك راحته،
وعقله ، وأذابت قلبه الحرق/ 
مازال يكتم حتى سال مدمعه، 
كالزهر يفضحه في روضه العبق/  
وفي فقرة أخرى من حديثه الادبي ، أوضح الزميل التهاني ، أنه " من خلال مراجعة التراث الشعري الذي خلفه محمد الحلوي ، يتبين أنه كتب أغلبه في باب الشعر الوطني والقومي والديني، وفي وصف الطبيعة وفي الرثاء، بينما  جزء آخر ليس بكثير ، جعله الشاعر في شكل غزليات عفيفة ووجدانيات رقيقة، ومناجاة عاطفية شفيفة، يسترجع من خلالها نبضات عواطفه ومشاعره، حين كان ما يزال في مرحلة اليفاعة والشباب.
لمحمد الحلوي قصيدة بعنوان "أطياف" تبدأ بمناجاة الذات، ثم تنتقل إلى الفورة الوطنية، والإشادة والفخر والإعتزاز بتحرير الصحراء المغربية من الإستعمار. ويقول في مطلعها :
بين يومي وبين أطياف أمسي ، صور تذكر الخطوب وتنسي /
صور ما تزال تختال في عيني ، رؤاها ولا تفارق حسي / 
يوم كانت تجري رياح الليالي ، بشراع كما تمنته نفسي /
وأنا فوق زورق يتحدى ،
كل موج مغامر ليس يرسي/
أفتح القلب للجمال وأهفو ،
 لرؤاه الحسان من كل جنس/
وأنا كالظمآن لا يتلقى ،
 كأس، ماء إلا وحن لكأس /
موطني مشتهى النفوس ومهوى،
كل قلب ومجتلى كل شمس/ حبه في القلوب أقدس حب،
وصداه في الروح أعذب جرس/ صور ماتزال تختال في عيني، ذكرتني ملاحما خاضها الشعب، 
ليمحو بها معالم رجس/  
وفي ذات السياق ، لفت معد البرنامج  الانتباه  إلى أننا " 
حين نتأمل شعر الشاعر المغربي المجدد محمد الحلوي ، نلمس فيه أثر و وقع الرنات الموسيقية، فكأن الشاعر ينحت كلماته وألفاظه ويدقق فيها ، كي يضمن لها انسيابا وتجانسا ، وإيقاعا موسيقيا مؤثرا ، ينضاف إلى إيقاعات الأوزان الشعرية التي ينظم فيها قصائده" ، مستخلصا أن الحلوي رحمه الله ، تميز بقدرته الفائقة على التنقل بكل بسلاسة ، بين البحور الشعرية، مما جعله فعلا رائد القصيدة العمودية في المغرب، وباعث المدرسة الكلاسيكية الجديدة 
في الشعر المغربي الحديث.
وأوضح الزميل عبد الإله التهاني بأن جل العارفين بسيرته  وتجربته الشعرية،  يفترضون أن محمد الحلوي لم ينشر كل إنتاجه الغزير ، الذي أبدعه على مدى ستة عقود من الزمن ، ويرجحون أن جزءا وفيرا منه ، قد بقي في عداد محفوظاته المخطوطة" .
  وعلى الرغم من هذه الفرضية، يرى التهاني أن " الشاعر الحلوي ظل حريصا وبانتظام ، على مواكبة كل الأحداث والمواقف الوطنية التي عايشها، وبنفس القدر أيضا كان حرصه على الإصغاء إلى ذاته ودواخل نفسه، وإلى نبضات وجدانه. ولطالما كان حضوره بقصائده حضورا منتظما على الصفحات الثقافية لجريدة " العلم "المغربية، وكذا على صفحات مجلة (دعوة الحق)، التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ مطلع الاستقلال" . ويرى الزميل عبدالإله التهاني أن ذلك لم يشغل الشاعر  الحلوي عن جمع جزء غزير من إنتاجه الشعري، وتصنيفه وتبويبه قبل طبعه وإصداره، وهكذا سينشر سنة 1966، ديوانه الأول بعنوان (أصداء و أنغام) ، متبوعا بديوان ثان سنة 1986 تحت عنوان (أنوال) ، وهو عبارة عن لوحات شعرية، قبل أن ينشر عام 1989 مجموعته الشعرية الثالثة  (شموع)، ثم ديوان رابع بعنوان (أوراق الخريف) سنة 1996، وكأنه أراد أن يكون عنوانا موازيا لخريف العمر .
وأورد الزميل التهاني قصيدة وطنية متميزة للشاعر محمد الحلوي، غناها الفنان عبدالهادي بلخياط ، وهي قصيدته الخالدة التي عنوانها "قسم المسيرة"، معتبرا أنها واحدة من فتوحات شعر المرحوم  الحلوي،  وفيها يستلهم ملحمة المسيرة الخضراء وكفاح المغاربة ، من أجل استرجاع الصحراء  وانتزاعها من يد الاستعمار . 
ويرى الزميل عبدالإله التهاني 
 أن " الحلوي جعل قصيدته هذه ، تقوم على محور القسم، بكل دلالاته الدينية وأبعاده الحضارية، جاعلا من هذا القسم ما يشبه الخط الأحمر،  والملاذ والحجة في الثبات على قيم الإخلاص للوطن ، والتفاني والتضحية في الدفاع عن حرمته وعزته " .
ولاحظ أن هذه القصيدة تبدو وكأنها كتبت أصلا كي تغنى، لأن الشاعر الراحل محمد الحلوي، وهو يبدع أبياتها، يسر السبيل إلى ذلك، و سلك نهج الكتابة الشعرية المموسقة، موردا مقاطع منها تقول : 
أقسمت بالكعبة والمقام ،
 ومنبر النبي والحرام/
والقبة الخضراء و الحمام،
وبالقرابين وبالخيام/
أقسمت بالهجرة في الإسلام،
وكل من كبر كل عام/
أن لا أخون أو أبيع وطني/
أقسمت بالأرض وبالسماء ،
وخالق الأكوان و الأشياء / 
والشعب كالطوفان في الصحراء،
وصانع المسيرة الخضراء/ 
وبرجالنا وبالنساء ،
في موكب التحرير كالقضاء/
أقسمت بالآباء والأجداد ، 
وبإبائنا وبالدماء /
وبجهاد الشعب والفداء ،
وبألوف الشعب من وراءي  / 
وبجلال الراية الحمراء ،
وبالأمازيغ وبالعرباء/ 
أن لا أخون أو أبيع وطني .
أقسمت بالأحرار وبالأبطال ،
ملئ القرى وقمم الجبال / 
أقسمت بالتاريخ وبالنضال ،
وأمة تطمح للمعالي / 
وما بنت من رائع وغال،
يفوق حد الوصف و الخيال /
أقسمت بالفجر وبالليالي،
وبالمتان السبع والطوال/
أن لا أخون أو أبيع وطني .
أقسمت بالرمال و الكثبان ،
وبالنخيل الأخضر الريان / 
وبالعيون مرتع الغزلان ،
وبالمعابد و بالقرآن / 
وغضبة الشعب على الخوان،
وزارع الأحقاد و الأضغان / 
أقسمت بالعقل وبالإيمان ،
وبالإرادة وبالإنسان / 
أن لا أخون أو أبيع وطني.
........
وإلى ذلك ، توقف الزميل التهاني عند الثقافة اللغوية للشاعر الراحل محمد الحلوي ، مسجلا  أنه عرف بثقافته اللغوية الواسعة، واطلاعه العميق في علوم وفقه اللغة العربية، ، إذ ذكر أنه علاوة على عطائه الشعري، كتب العديد من المقالات الأدبية والفكرية، مشاركا بالرأي والتحليل في قضايا مختلفة ، ذات طبيعة أدبية وتربوية ولغوية واجتماعية، مبرزا أنه بحكم اهتمامه الشديد بالمسألة اللغوية، كان محمد الحلوي قد ألف كتابا في هذا الباب، أصدره سنة 1988، تحت عنوان (الفصحى في العامية المغربية)، مشددا على " أن المرحوم محمد الحلوي، كان مشغولا بالتعليق على الأخطاء اللغوية الشائعة، وخاصة تلك المتداولة عبر وسائل الإعلام،  وأنه كان  حريصا على الإتيان بالتصويبات الصحيحة، معززة بشروحاته وتعليقاته وتعليلاته الدقيقة،  شديد الغيرة على اللغة العربية ، مدافعا عن قاموسها الغني الزاخر بالمعاني والمفاهيم والاستعارات ، معليا من شأن هذه اللغة ، ومعتزا برصيدها الحضاري الضخم ، حيث
 كتبت بها ملايين المصنفات والمخطوطات في مختلف العلوم والمعارف والآداب والفنون" .
وفي نفس السياق ، أشار  عبدالإله التهاني التهاني ، أن الشاعر  محمد الحلوي " كان يقلق ويغضب كثيرا ، كلما ابتعدت لغة التخاطب بالعامية عن اللغة العربية الفصيحة، وأن له في ذلك مواقف وآراء واجتهادات وجيهة، وطريفة أحيانا" .
و لم يفت الزميل التهاني أن يورد إفادة مهمة ، تتعلق " بقصيدة وطنية بديعة للشاعر محمد الحلوي ، تفيض بحب الوطن، ويتدفق من بين أبياتها شعور بالوفاء والاعتزاز بالإنتماء للمغرب، واستعداد للتضحية من أجل عزته ومجده وشرفه وأرضه"، مشيرا إلى أنه نظرا لقيمة هذه القصيدة ، فقد تم اعتمادها كنشيد رسمي للأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس. وفيها يقول الشاعر  محمد الحلوي : 
يأخي في السلاح ، 
يا أخي في الكفاح / 
ضع يدك في يدي ، 
وافتخر وانشد / 
نحن ضباط الغد ، 
دائما نفتدي / 
بالدماء الوطن ..
نحن جند للحمى ، 
نحن أسد العرين / 
نحن رمز الفدا ، 
والعماد الحصين / 
إن دعانا الوطن ، 
لعوادي الزمن / 
اقتحمنا الخطوب ، 
وامتطينا المحن / 
في سبيل البلاد ،،
 في سبيل البلاد  / 
بعوالي القنا ، 
وغوالي الدماء / 
شاد آباؤنا ، 
مجدهم في السماء / 
وبقوتنا ، وعروبتنا ، 
وبطولتنا ، ، وبذلك الإباء/ 
سوف نحمي البلاد ، 
سوف نحمي البلاد  / 
نحن جند البلاد ، 
في الربى والوهاد / 
في الفلا والقرى، 
في الصحاري الشداد / 
أرضنا جنة ، 
وارف ظلها / 
وهي قبر لمن ،
 لمن جاء يحتلها / 
( نحن فيها العماد )
سر بنا دائما ، 
خلف قائدنا / 
وارفع العلما ، 
رمز أمجادنا / 
نحن شعب ،
لك ملك مرتضى/ 
وزمان العبيد ، 
مضى وانقضى / 
ياهناء البلاد ، 
ياهناء البلاد /