الجمعة 20 مايو 2022
كتاب الرأي

أحمد المديني: حظ سعيدٌ لمؤتمر الاتحاد؛ عهدٌ جديدٌ وميلاد

أحمد المديني: حظ سعيدٌ لمؤتمر الاتحاد؛ عهدٌ جديدٌ وميلاد أحمد المديني

مُهمٌّ جدا أن يعرف الكاتب، الصحفي، حاملُ القلم، عامة، أين يكتب، يضع كلامه، ما منبره وموقعه، وارتباطاته وخلفياته، ولا عذرَ له في التجاهل، الاستخفافِ، واللامبالاة، متكِئاً على إحدى الدعاوَى، منها أن الأهمَّ لديه هو إيصالُ كلمته إلى الناس باعتبار الغاية تبرر الوسيلة. في زمن اليفاعة ومقتبلِ العمر كنا مندفعين كالسّيل الجارف، مُفعَمين بحماسنا ونرجسيّتنا، نحسَبُ العالمَ يوجد وسيتغير رهنَ كلماتنا ومُثُلنا، وفي مجتمع محدود البيوت الإعلامية والأركان الثقافية فإن العبور من أيّ فجوة كان فرصةً تُهتبل، رغم قلتنا وسذاجتنا بلا حدود.

لكني أذكر جيدا، أنّا رغم النار المشتعلة في رؤوسنا، والعطش الحارق في الجوف والقلب، حتى سمّاه أستاذنا الفيلسوف محمد عزيز لحبابي وكان رفيقاً بنا "جيل الظمأ"، رغم أننا حلّقنا خارج سِربه أو ربما لهذا السبب؛ رغم هذا لم نَرتمِ في أيّ حضن عارض يُفتح لنا، وبجوعنا ولهفتنا بقينا نتمنّع ونتريّث لنتخيّر أحبابنا، ونحتار بالسؤال في بيداء العمر ووقت القهر خلف شاعرنا الرسول أحمد المجّاطي -بالمناسبة عاش ومات عنيداًعلى ملّةٍ واحدة- أبَى إلا أن يأكل من سغَبٍ عظمَ ناقته ولا يحني هامتَه أو يبيعَ كرامته، حذوّه النعل بالنعل سرنا نناجي: «ظمئنا والردى فيك/ فأين نموت يا عمّة؟!». سيسخر مني الذين أدانوا الإيديولوجيات بالزوال، وهم بعد أغرارٌ لا عرفوا ولا شافوا ولا ذاقوا مثلنا طعم الوبال، همُّهم الجاهُ ومسحُ الماضي بكُمّ الجهل وابتذال السياسة، نُدبوا لدَور السُّخرة، من شدة وهم سيُغطون الشمس بغربال.

ليسوا وحدهم، معهم أسرابُ غربان وذباب تحطّ على أيّ لقْط، نعلم الذبابَ لا يميّز بين النقيّ والعفِن، الأغلب أن يقع على العفَن؛ أقول سيضحك علينا ملءَ أشداقهم هؤلاء إذا ذكّرناهم أن ذاك الجيل عاش وفنَى من أجل بضعة مبادئ، كلمات صغيرة، فقط، جعلوا منها نبراسا وبدونها الحياة ديجور، أجل، هي دار عبور ليس إلاّ، لذا قرّروا أن يعبُروها بعِزٍّ وشرفٍ وبكرامة. تلك الكلمات، إذن، كنا نرعاها، وهلكنا والله في هواها، الصدق والوفاء والإيمان ظلت مرعاها. لا أعطي دروسا لأحد، درّستُ ما يكفي وسيرتي فيه بيضاء، لكن لا يجوز أن يستغبينا أحد، ويلهو بذاكرة الزمن ويعبث بتراث الأجيال، كأنما التاريخ كتابٌ مستباح، وكما قلت في مكان سابق، واهمٌ من يسترخص الإيديولوجيات ليسوّي بينها وإمّا ليهزأ كي لا تُبقي ولا تَذر، ومعها ليَدفنوننا أحياء؛ هيهات، مذ ولدنا ونحن نرتدي أكفاننا، لذا الأرض تُنبِت زهرا به نبقى أحياء.

لن أتركهم في هدأة الغفلة، بالأحرى خُدعة الاستغفال، بنو حنظلة يمشون برؤوس عالية، وبعد بيت الحطيئة أمسى غيرُهم يشرب الحنظل(ا)، مذ قال فيهم: «قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرُهم/ ومن يُسوّي بأنف الناقة الذّنبا»، لا يطرقون الأبواب الخلفية ويبيضون في الأعشاش الفاسدة. الكلمة لهبٌ يحرق أصابعَ من يحسبها ضربَ طبل، نفخَ مزمار أو نفضَ جراب للكذب، أقول لمن يسترخصها ويبيعها بَخساً في مزاداتٍ وملاذاتٍ حياؤها مسفوح، والداخلُ إليها يتعثّر حسيرَ الطّرف يترنّح كالمذبوح. لذا اعْرِف أين تضع كلمتك إذا ملأتها بالمعنى، كم يضيع في منازل الذباب؛ "وما يستوي الأعمى والبصيرُ ولا الظلماتُ ولا النور ولا الظلُّ ولا الحَرور".

ورَبِّ الكعبة، ما كنت أنوي ما سلف من القول. أفكر في عتبة الكلام، ثم تراودني تمنياتٌ وأوهام، ما أكثر تُلهيني عن المُرام، من عانى يعرف تبعات الهوى وتغويه مثلي لآلئُ الأحلام. بين البدء والمنتهى، بين السّطح والجوهر طريقٌ حرِجٌ بين الجنة والنار، إيّاك السقوط فقاعُها بلا قرار، رغم أني مشيت دائما على الحافة أمامي ثاراتٌ، ويرافقني، بعبارة يوسف فاضل في روايته الجديدة البديعة، موكب من "نجوم وغبار". لذا تهرب مني العبارة القصد، بالأحرى أراوغها، أحبّ في الكتابة أن ألعَب، وفي الحياة من العشق لا أتعب، وإلى جِد الأرض أنصَب.

قصدت أن أقول كلمةً صغيرة بمعنى عظيمٍ عن المؤتمر الوشيك للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. أنا ابن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ أن حضرت مناسبة تأسيسه في صباي برفقة أبي في سينما الكواكب بشارع الفدا بالدار البيضاء في يناير 1959. رأيت قادته بأمّ العين، أذكر من الكبار فوق منصة في عمق القاعة: المهدي بن بركة، محمد البصري، عبد لله إبراهيم، عبد الرحيم بوعبيد، رجل المهابة بلحيته البيضاء وحدها منارة، شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي، تهجّيت أسماءهم، ثم صارت علامات في الطريق لم أكن أعرف أن مصيري سيلتقي بها في نفس الطريق، والحديث ذو شجون، لنصبح اثنين في واحد، والواحد يتكاثر فيجري نهر جموع، لا أحد سيصدق اليوم أن بوعبيد كان يخطب في ملعب سيدي معروف في مطلع الستينيات وحوله شعب وهو يقول كلمات لو أعدتها الآن كيف سأكفكف الدموع، وحولي من يرتجفون فَرَقاً لو سمعوها، يوثرون السلامة والعيش في دعة وخنوع.

قصدت أن أتذكر أن هذا الحزب وُلد ووُجد من إرادة تغيير وبقبضة نساء ورجال إصرار. باسم عقيدة ومذهب ورؤية شاملة للتغيير والتقدم والتحديث، شقّ دربه بعد أن كان قادتُه روّادا في معركة الاستقلال، ولأنهم عنيدون رفضوا أن يخلفوا موعدهم مع التاريخ، عُمِّدوا شهداء، وسجون البلاد مدبوغة ببصماتهم وكم من حشرجة في الأقبية وصرير أبواب صدئة ونداء. عرفت منهم الرفاق والأصدقاء، لا أحد تقريبا من الأحياء، مقبرتا الرباط والدار البيضاء متخمتان بالشهداء، بينما خارجها يتنطّع كم من دخيل وذليل دعك من فصيلة الشنّاقة والأدعياء.

بيد أن هذا الحزب، وقد تقلّب بين الأهوال، وأصبح القلبَ النابضَ في تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، أيُّ دليل أكثر من أن أبناءه وأعداءه يتناهشونه بالتناوب على السواء، يعون أنه قُطبُ الرّحى وما حوله جعجعة بلا طحين، لم يتزحزح عن هويته العميقة إذا نما وتطور، ليس حزبا وثنيا يؤمن مناضلوه بالأصنام، نعم، القادة فيه ضروريون كسائر الأحزاب، لكنهم عابرون، والحزب هو الأبقى ونضالُه من أجل مبادئه ومشروعه هو العماد. من أجل المهدي وعمر، لأرواح المناضلين الأبرار، ومن أجل أمانة على عاتق الأصفياء تجاه هذا الوطن لا تبلى، سينعقد مؤتمر الاتحاد الاشتراكي لي في تراثه مقعد، وله كل المنى بميلاد وعهد جديد...