الجمعة 1 يوليو 2022
فن وثقافة

بهجاجي: يجب إقرار سياسة عمومية ثقافية لا تتأثر بأهواء العمل الحكومي

بهجاجي: يجب إقرار سياسة عمومية ثقافية لا تتأثر بأهواء العمل الحكومي محمد بهجاجي، ومؤلفه كتاب " السفر"

قال الكاتب المسرحي والإعلامي محمد بهجاجي في حوار حول "كتاب السفر"، بأن "الوضعية الثقافية ببلادنا تتحدد بديناميات تتقاطع فيها مؤثرات الداخل والخارج، وفي صدارتها وضع الثقافة في عالم اليوم". إذ " لا ينبغي أن نتحدث عن قضايا النشر والقراءة والإبداع بمعايير الأمس". حيث طالب أن يتعزز دور الدولة أكثر "من أجل حماية الإبداع والفكر، وكبح جماح مؤثرات الخارج المفترسة". وشدد بهجاجي في حواره مع جريدة "أنفاس بريس" على ضرورة " إقرار سياسة عمومية تجعل الاستثمار في الكتابة والقراءة والنشر خدمة عمومية ومشروعا متواصلا بدون أن يتأثر بأهواء العمل الحكومي وأمزجة وزراء الثقافة".

 

+ لماذا "كتاب السفر"؟ و بالنسبة إليك شخصيا، ماذا يشكل هذا الكتاب قياسا إلى إصداراتك وأعمالك السابقة؟

 

يترجم هذا الكتاب شغفي القديم بالسفر، وبالقراءة عن الرحلات والأسفار، والكتابة عنها منذ دروس المرحلة الإعدادية ثم الثانوية، خاصة تلك التي كان يحفزنا خلالها الأستاذ على الكتابة حول عطل الربيع أو الصيف. أذكر علامة فارقة: هدية نهاية السلك الإعدادي التي كانت مجموعة مؤلفات عربية وفرنسية ضمنها، بحسب ما أذكر، كتاب "من مكة إلى موسكو" لعبد الكريم غلاب إذ كان العنوان وحده، بالنسبة إلي، دليل سفر في جغرافيا غير معروفة تماما. ومن هناك صارت مذكراتي الشخصية زاخرة بانطباعات السفر.

 

بعد ذلك تعمق هذا الشغف عمليا بعد التحاقي بهيئة تحرير جريدة "الاتحاد الاشتراكي" التي شجعتني على نشر أولى كتاباتي في هذا الاتجاه، عن مدن المغرب، وعن موسكو التي زرتها ضمن وفد الشبيبة الاتحادية سنة 1985، وعن براغ وبراتيسلافا اللتين زرتهما ضمن وفد النقابة الوطنية للصحافة المغربية سنة 1987، وعن القاهرة التي زرتها في إطار أسبوع الثقافة المغربية سنة 1988... ومن تلك الفترة، وإلى اليوم، توفر لدي عدد من المشاهدات التي اخترت منها النخبة التي ضمها إصداري، والتي تهم فقط المدار العربي.

 

أما ما يشكله الكتاب قياسا إلى إصداراتي وأعمالي السابقة، فالمعروف أن هذه الأخيرة متمحورة، بشكل أساسي، حول المسرح قراءة وإبداعا. لكن في هذه المرة يحصل لدي التجاوب المباشر مع بعض مقتضيات العمل الصحفي ملونا بشغف شخصي قديم تماما كما تم ذلك مع كتاب "المهدي المنجرة – مسار فكر" (بالاشتراك مع الشاعر والروائي حسن نجمي) وكتاب "محمد مفتاح – مدارج التتويج".

 

+ ماهي دلالات أن تدرج كتابك تحت اسم "مشاهدات"، وليس أدب الرحلة مثلا؟

 

وجهتا نظر تحيط بأدب الرحلة اليوم. الأولى تنظر إليه باعتباره اقتحاما لمناطق جغرافية بكر يقوم الرحالة بإطلاع القارئ عليها لأول مرة، وباعتباره كذلك عملا ذا أبعاد مختلفة ضمنها البعد الأدبي، ثم البعد الإثنوغرافي الذي يرصد عادات وتقاليد شعوب وبلدان، بما في ذلك أصناف الأكل والختان والزواج وغيرها. تنضاف إلى ذلك أحيانا محاولة التقاط ما هو غرائبي عجائبي.

 

ثم هناك ميزة أخرى تتمثل في استغراق هذا النوع الأدبي مساحات زمنية طويلة نسبيا في الزمن، وفي المتن المكتوب. ربما لأجل ذلك يتفق بعض الدارسين على انتهاء وظيفة أدب الرحلة، وضمور الكتابة فيه بعد أن تم اكتشاف العالم، وتضاعف هذا الاكتشاف بظهور الأنترنيت، ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي حيث صار الجميع يتداول الأمكنة بصورها وكلماتها قبل أن تصل إلى وسائل الإعلام التقليدية. مقابل ذلك هناك وجهة نظر من يرى تواصل حضور الأدب الرحلي مع تنويع في الأسلوب، وتجديد في المقاربة.

 

إزاء ذلك تعمدت إدراج الكتاب ضمن "المشاهدات" تاركا للقارئ حرية التجنيس. ثم لأؤكد نظرتي إلى أسفاري باعتبارها أقرب إلى الكتابة الصحفية، منها إلى الأدب. بمعنى أن ما كان يهمني هو التقاط المعلومة من الشارع، ومن المصادر الرسمية أو المفتوحة، أكثر من الاشتغال على اللغة وأبعادها الأدبية وأبنيتها واستعاراتها...

 

ربما لأجل ذلك أعتبر أحد أصدقائي أن الكتاب يبدو أقرب قليلا من كتابات محمد باهي عن الجزائر وباريس مثلا، ومن كتابات خوان غويتسولو عن سراييفو مثلا. ثم إن ما يعزز الانتماء الصحفي لمشاهداتي هو كونها أحيطت، في الغالب، بحصول بعض المصادفات المثيرة التي جعلتني أعيش ضمن لحظات سفر استثنائية مختلفة السياقات والأزمنة. لحظات كانت تقتضي مني أن أكون الشاهد المباشر.

 

في الأردن مثلا، والتي زرتها سنة 2020، كنت أتابع نبض الشارع الذي كان يحتج مطالبا بإلغاء اتفاقية استيراد الغاز الموقعة مع إسرائيل. وعشت في الجزائر، قبل ذلك، وعن كثب، بعض تفاصيل العشرية السوداء. وفي العراق كنت في لحظة ترقب المواطنين أملا في نجاح المفاوضات مع الأمم المتحدة في أفق إنجاز اتفاقية النفط مقابل الغذاء. كما زرت السعودية ضمن إحدى مراحل احتدام التوتر مع خلايا تنظيم القاعدة. ثم هناك زيارتي الخاصة للبنان حيث لم يكن قد مر على العدوان الإسرائيلي سوى شهرين ونيف. وفي خضم الدمار الشامل تواصل صراع الطوائف واختبارات اتفاقية الطائف...

 

+ اشتغلت سابقا ضمن مهام إعلامية وثقافية متعددة من بينها الكاتب العام لاتحاد كتاب المغرب، وأحد مستشاري وزيرة الثقافة ثريا جبران رحمها الله. كيف تقيم، انطلاقا من تلك المواقع، الحركة الثقافية ببلادنا، ويهمنا بالخصوص موقفك من قضايا النشر والكتاب؟

 

يمكن القول، بإيجاز شديد، بأن الوضعية الثقافية ببلادنا تتحدد بديناميات تتقاطع فيها مؤثرات الداخل والخارج، وفي صدارتها وضع الثقافة في عالم اليوم. لا ينبغي أن نتحدث عن قضايا النشر والقراءة والإبداع بمعايير الأمس.

 

لقد حدثت تحولات جوهرية يتم من خلالها، عبر سرعات مختلفة، المغادرة التدريجية لمجرة غوتنبيرغ (أي مجال الكتابة والمكتوب تحديدا)، أو خفوت أثرها على الأقل، باتجاه مجرات الرقمي تماما كما عبر عن ذلك مارشال ماكلوهان، وهو التعبير الذي استعاره هانس - تيز ليمان في معرض توصيف تحولات المسرح من الدراما إلى ما بعد الدراما. من ثم كان لا بد أن يتغير المنظور إلى الكتاب ليتوارى المعنى التقليدي للمقاربات القديمة المتمركزة حول الأجناس المعروفة، وليترجم التحول، في مستوى أول، بالترويج لإصدارات أخرى تهتم، على سبيل المثال، بما يسمى حياة الأثرياء والمشاهير، أو بما يسمى مناهج البرمجة اللغوية العصبية، أو بتمارين التنمية الذاتية وتطوير المهارات، والموضة والأبراج... كما كان لا بد أن تعمل ذلك التحول، في مستوى ثان، على أن تحتل الشاشاتُ والمنصاتُ الأمكنة التي كانت تحتلها المكتبات العمومية ودور السينما... إنها تفاعلات مجتمع الفرجة الذي جعل الصور والنصوص المختزلة تقوم، في الغالب، مقام عرض الأفكار وتحليلها عبر استراتيجية الإقناع مثلا.

 

تتحدد الوضعية الثقافية ببلادنا كذلك بديناميات من صلب وضعنا المغربي. وفي مقدمتها دور الدولة المطلوب أن يتعزز أكثر من أجل حماية الإبداع والفكر، وكبح جماح مؤثرات الخارج المفترسة. من هنا ضرورة إقرار سياسة عمومية تجعل الاستثمار في الكتابة والقراءة والنشر خدمة عمومية ومشروعا متواصلا بدون أن يتأثر بأهواء العمل الحكومي وأمزجة وزراء الثقافة. كما ينبغي العمل بالموازاة على مباشرة خطط عقلانية لتحفيز القطاع الخاص على إنشاء مقاولات للنشر والتوزيع.

بالإجمال: التفكير في قطاع النشر في حاجة إلى إعادة هيكلة بتصور جديد حتى لا يظل الكاتب أعزل في الميدان، بلا دور نشر أو شركات توزيع تغامر في الاستثمار الثقافي. علما بأن كل ما يتم من جهد محدود ومحمود في هذا الاتجاه يظل الاستثناء فقط.